نزفٌ


1 قراءة دقيقة

 الهلع يزلزل النظرات المعلّقة على الباب، البرد ينهش الجسد المنهك، والمكان أشبه بزريبة. تكاد تنطق الجدران بالممارسات الوحشية التي جرت هنا. بقع الدماء والقذارة وبقايا ملابس نسائية، وأدوات تعذيب، كأنها مخلّفات معركة ضارية. أيام عديدة وهي حبيسة هذه العفونة، الوجه مخمّش، وعلى جلدها خدوش تشي  بمرور الوحوش. تحتضن ركبتيها المزرقتين . العالم هنا ساكن تماماً، ومنفصل عن الأرض ،هنا الوجه المرعب للحياة،هنا الذلّ ، هنا يصبح الموت أمنية ! هنا تغلبت غريزة الخوف على غريزة البقاء. اهترأ كلّ ما كان يستر جسدها، فقد تلاشى مع كلّ مرة يطلّ وحش من ذلك الباب بفعل المقاومة حتى لم يبقَ سوى الجلد يستر العظم. لا بصيص أمل في الخروج ، كلما دخل أحدهم أدخل معه كمّية أكبر من الظلم والرعب. هي على عتبة باب الحياة القاسية تريده أن يفتح، وتخشى أكثر لو فُتح. كلّ خلايا الحياة في جسدها تمّ تدميرها. الرغبة في الحياة مفقودة. هل هو القدر؟ تتساءل : إن لم أزر أحمد في السجن فهل كانوا سيخطفونني من البيت؟  ما يقهر أنّهم يكبّرون ويبسملون ، ما أبشع الظلم عندما يلبس رداء التقوى!  الفاجعة تزداد وقتها ، من هؤلاء ؟ من أيّ كوكب قدموا ؟ ولمَ يحملون كلّ هذا الحقد على الكُرد؟ هل كنّا نعيش تحت سقف وطن واحد حقّاً؟ أهل عفرين لم تطاوعهم قلوبهم  على الخروج منها حتى بعد أن دنّسها هؤلاء الذين جمعهم وطن واحد.   أيّ أمان زائف ذلك الذي كان؟ لماذا تمزّقت الوشائج منذ أول طلقة؟  كانت جدران البيوت تهتزّ من الخوف، ورغم ذلك لم يتّخذوا من الغُربة وطناً.  أشباح الخوف الكامنة تتحرّك وقتما تريد، ولا سلطة لأحد عليهم. كان الضجيج في رأس ليلى لا يتوقّف رغم الألم ،وتكبر الاسئلة حتى تشعر بأنّ جمجمتها تورّمت كباقي جسدها ، وتشعر بثقل رهيب. ألا يكفي أنّهم قتلوا أهلنا، وسرقوا خيراتنا، واحتلّوا بيوتنا؟  لقد سجنوا أحمد لأنّه رفض أن يعطيهم كامل محصول الزيتون. تراءى لها  طفلاها، وهما يتشبّثان بها، يرفضان تركها. وعدتهما أنّها ستسأل عن والدهما، وتعود مسرعة، فإذا بها تقع في الفخّ، وتنقطع آخر حبال قلبها. صور الطفلين تبعث في قلبها بعض الضوء وكأنّها قطرة من قطرات الندى قبل شروق الشمس، لكن سرعان ما تستيقظ على واقعها،  لينغرس خنجر مسموم في  أعمق نقطة بقلبها، فالعودة إلى الوعي يترافق مع ألم فظيع، تسمع بكاءهما بقلبها المفجوع، تأبى عيناها الإفراج عن الدموع المعتقلة، فيزداد الاحتقان في أحشائها. كانت قد دوّنت الأرقام بدمها المراق، لتعلم عدد الأيام التي قضتها. كانت تهلوس: واحد ، اثنان ، سبعة ،عشرة. جفلت فجأة حين سمعت وقع خطوات ، ثمّ انفرجت أساريرها، وشعرت أنّها يمكن أن تبتسم.  وقع هذه الأقدام مختلف، وهمهمات وحديث باللغة الكردية، ويضاء المكان، وتقع سترة على ظهرها قبل أن تغيب عن الوعي.