نحن شعب متاح للقتل لا للحياة


1 قراءة دقيقة

نحن شعب متاح للقتل لا للحياة، نحن شعب نقدّم الخبز المجبول بالدم على موائد الكبار، نحن شعب ننتسب إلى تراب الوطن، ودولة الدويلات تنكر علينا الحقّ في الانتساب، نحن شعب نموت كلّ يوم آلاف المرّات، ويُدفن حيّاً تحت الانقاض. منذ عام ١٩٧٥ ونحن اللبنانيين نقدّم أجسادنا جسراً ليعبر عليه الساسة نحو عروشهم، ومن عظامنا يبنون أبراجاً للدسيسة والخديعة. نحن نجوع وهم يأكلون من لحمنا، نحن شعب مباح لك أنواع العذاب، مباح لأوبئة أشدّ فتكاً من وباء كورونا، وباء الفساد الأخلاقيّ الذي يحصد الأرواح قبل النفوس، ويعيث الفساد في كلّ المجتمع اللبنانيّ. نحن شعب مباح للعزل أحياء وأمواتاً عن وجه الأرض، نتنفّس العفن ورائحة الموت، أحياء في عالم لا يرانا، وأموات تحت أنقاض الجشع، المجتمع يذهب نحو الهاوية والدرك الأسفل وهم يعتلون الكراسي، يلتصقون بها، يعبدونها. "روان مستو" إحدى الضحايا قتلت مرتين، مرة حين هرب أهلها من الموت في سوريا طلباً للحياة متوجّهين إلى لبنان الذي كان ملجأ لكلّ مظلوم، المعيل الوحيد قتلته سوريا معنويّاً وقتلها لبنان نفساً وروحاً وجسداً، وقتلت بعد الموت إن جاز التعبير حين رفض المستشفى تسليم الجثّة إلّا بعد أن تسديد المال لقاء ذلك. روان لم تكن تتجاوز العشرين ربيعاً، كانت المعيل الوحيد لأسرتها، تعمل في أحد المطاعم بالجميزة، لم تكن تتوقّع أنّها ستكون وقود محرقة على موائد أمراء الحرب ومذابحهم، لم تكن تتوقّع أن ينطفئ فتيل شعلتها اليوم، ولم تكن تعرف أنّ فساد هذه الدولة التي أحبتها، وكتبت تعبر عن تلك المحبّة:" خبرني أكتر عن بيروت، كيف صمدت كل هالصمود، خبرني كيف تعمرت هالبيوت، خبرني كيف كنا ع سرور نموت". الآن عرفت كيف مطلوب منها أن تفي من دمها دفع ديون فساد الآخرين. لقد قضت روان في ذلك الصباح، ولم تستطع أسرتها دفنها للضيق الماديّ، لم تستطع أن تواريها في قبر آمن، فمكثت أشلاؤها تنتظر من يقدّم الإحسان وإكرام الدفن. لقد ضاعت كرامتها وهي حيّة حيث كان يجب أن تكون على مقاعد الدراسة. أيّ كرامة في وطن هيمن عليه الفساد، ولفظ أولاده ونبذهم حتى في لقمة العيش، يكافحون، ويجاهدون ليحصلوا عليها، وتأتي الدولة لتتقاسمها معهم. لقد لفظ الوطن أبناءه، ومن عاد إليه بعد غربة وهو يحمل في جعبته الأمل في أن يمدّ يده، ويبني ويتقاسم مع أترابه من أبناء الوطن بعض مدخراته وعرق جبينه في بلاد الغربة حاملا المشاريع الاستشفائية في ذهنه كان أيضاً ضحيّة الفساد المستشري في السلطة الغاشمة. لقد خيّم الموت على هذه المدينة، وألبسها ثوب الحداد، وتأوّه الإنسان في شوارعها وأحيائها فريسة الموت الزؤام. يا أبناء الظلام، بأيّ لغة نخاطبكم، هذا الوطن أكبر من فسادكم، لقد دفنتم مفاتنه في جشع لا ينتهي، وأشقيتم الشعب، وسقيتم أبناءه من علقم ظلمكم وريائكم ما لم يعرفه شعب آخر على مرّ التاريخ. لقد فاض الكيل، ودماء روان ورفقائها تصرخ من تحت الركام، ارحلوا، لا كرامة ولا عدل ولا محبّة في عهدكم، أفنيتم كلّ ما هو جميل، ومزقتم أفئدة أبناء الوطن الواحد. أحزابكم وطوائفكم سيف يقطع رقاب الإنسانية، ومحاضراتكم لا ينتج عنها سوى الدم. صمتت العصافير في الكروم، والبحر فغر فاه أمام ظلمكم يا أبناء الظلام، خطفتم النور من عيون الأطفال، والفرح من قلوب الصبايا والشبان، كما حطمتم آمالهم على صخور طغيانكم، ماتت السنابل في الحقول، وناحت أزهار اللوز وعناقيد الكرم، مات من مات، وتشرّد من تشرّد، ماتوا لأنهم كانوا يحبّون الحياة، ويرفضون الخضوع لمناجلكم التي حصدتهم، ماتوا كي تمتلئ بطونكم، ماتوا وأنتم على قبورهم ترقصون، يا فاقدي الحسّ والمشاعر الإنسانيّة، يا من تدعون العلم والحكمة، نكسوا رؤوسكم، لأنكم نكصتم على أعقابكم. جلستم على كرسي الله تتحكّمون بالموت والولادة، والإنسان دمية تتلهون بها. إنّ عظم هذه النكبة أكبر من أن تكتب، إنّ مأساة لبنان جريمة خطط لها فكركم الحاقد والفاسد، ونفّذتها أياد فحيحها من فحيح الأفاعي، سمّ زعاف في كلماتكم، وكلّ قوى الشرّ تكمن في عقولكم المجبولة بالدم، سيطلب دم من مات في بيروت منكم ومن أولادكم إلى آخر الزمن.