مرتكزات الكتابة الإبداعية وشروط القصة القصيرة


1 قراءة دقيقة

سُئل أحد الكُتّاب، لماذا تكتب؟ أجاب: كي أتواصل مع الناس.


عندما يتحوّل فعل الكتابة إلى وسيلة تواصل بين البشر فإنه يغدو مفتاحا، يفتح بواسطة لغته الحية أبواب التواصل على مصراعيه، بكل تشعباته وأنواعه (المرئية والمسموعة والمقروءة)، وهذا ما يجعل من الأدب فنّا يرتقي باستمرار مع ارتقاء المجتمعات البشرية، فهو ليس أدباً للمتعة فقط، بل يصبح مع مرور الوقت سلّما يستخدمه الكاتب ليصعد من خلاله إلى مستويات التواصل الحقيقية التي تسمح للبشر بخلق كينونة ثقافية، تناسب واقعهم وتحدد لهم أولوياتهم، وتسمح لهم بتنشئة عادات قرائية تتوافق مع النظرة الاستشرافية للكاتب، الكاتب الذي من خلال أدبه ونصوصه, أكانت شعرا أم نثرا، يقدّم منظورا مستقبليا للحياة وتفسيرا لأحداثها، وهذا ما حدا بي لتفسير فعل الكتابة وفق النقاط والمرتكزات التالية:


تنقسم الكتابة الإبداعية إلى أربعة مرتكزات أساسية تجعل من المادة الإبداعية طعاما دسما للعقول النهّامة للكلمات، وهذه المرتكزات هي: الكاتب والقارئ والمادة واللغة.


لنقل مثلا إن الواقع الذي يعيشه المواطن الشرق أوسطي هو واقع مزرٍ، ينقصه الكثير كي يتصف بصفة القارئ الحقيقي كما المجتمعات الغربية، لما يعانيه من مشاكل وما يعايشه من اضطرابات سياسية واقتصادية تجعله يبتعد رغما عنه عن القراءة الحقة، فأغلب قراءاته تقتصر على الكتب الدينية والصحف المحلية وبعض المجلات المصورة التي، وإن وجدت، فهي لا تتعدى فرصة لتمضية الوقت وتزجيته، إضافة إلى متابعة بعض المنشورات القصيرة على صفحات التواصل الاجتماعي الإلكترونية، وهذه القراءات القليلة جعلته بمرور الزمن قارئا كسولا من جهة، وسببا لظهور أنواع جديدة من الأجناس الأدبية التي تواكب العصر الإلكتروني السريع، منها مثلا أدب الأقصوصة.


أما بالنسبة للكاتب؛ فالأمر المشترك بين أغلب الكتّاب في منطقة الشرق الأوسط هو أنهم طبقة مثقفة تتبع موجة العصرنة في كتاباتهم، جاعلين من موادهم الأدبية وسيلة للترويح عن أنفسهم دون غاية حقيقة للتغيير أو للتحسين من واقعهم السيء، فالكاتب ابن مجتمعه، له ما له من مآسٍ، وعليه ما عليه من مشاكل يعيشها ويتعايش معها، والكاتب الحق هو الذي يستثمر في قضية شعبه أو مجتمعه ويجعل منها هدفا يحقق من خلالها متطلعات وآمال الناس، ولأجل ذلك تبقى القضية التي يحملها الكاتب على كاهله هي الفيصل في تحديد قيمة الكاتب والمادة التي يقدمها، وبذلك تكون مهمة الكاتب قد تحققت وهي مدّ جسور التواصل بينه وبين الناس عن طريق الأدب.


لقد سبقت الكتابة عصور عديدة، تمثلت في محاولات الإنسان البدائي توثيق حياته وما يراه عن طريق الرسم، فكانت الخطوط التي رسمت حيواناته وأدوات صيده المرسومة في الكهوف الغابرة هي بداية تشكّل لغته الحقيقية والتي تحولت شيئا فشيئا إلى قصص وحكايات ماثلة حتى يومنا هذا، ومن هذه الرسوم والنقوش انبثقت أولى أجناس الأدب، وهي الحكاية والأساطير، والتي تحكي عن الآلهة الأولى للبشرية، ولذلك تعد القصة سيدة الأجناس الأدبية، ونستطيع أن نعتبرها أمّ الأدب.


تعد القصة هي المادة الأدبية التي يرتكز عليها فعل الكتابة، وهي سردٌ لأحداث الواقع، والهدف من ذلك إثارة جانب الاهتمام والتمتّع، وزيادة الثّقافة والوعي، بامتلاكها عناصر الدراما والحبكة، ومن القصة تنبعث أنواع أخرى وهي: الرّواية، والحكاية، والمسرح بالإضافة إلى القصص القصيرة جدا، (الأقصوصة).


لقد عرفت القصة القصيرة عبر مسارها التاريخي مجموعة من التغييرات على مستوى البناء الفني بفعل تأثيرات فكرية أو اقتصادية أو اجتماعية، تطول أو تقصر بحسب مدارس أدبية تجعل من الحجم مقياساً للكمال، ومن الزمان والمكان والشخصيات أساسا بنائيا لها، ومن هنا نجد أنها تخطّت مراحل عمرية كثيرة حتى وصلت إلينا بهذا الغنى والتطور، فهي أشبه ما تكون بقمة جبل ثلجي عائم على وجه البحر، يخفي أكثر مما يبدي، يستلزم غوصاً نحوه بالتأمل والتفكير حتى نستكشف جماليته الحقيقية، بتلك اللغة التي تسمح لها بسردها من جديد، لذلك تعرف القصة القصيرة بأنها نوع أدبي تهدف إلى تقديم حدث وحيد غالباً ضمن مدة زمنية قصيرة ومكان محدد لتعبر عن موقف أو جانب من جوانب الحياة، بشرط أن يكون السرد متحدا ومنسجما دون تشتيت.


وغالبا ما تكون وحيدة الشخصية أو عدة شخصيات متقاربة يجمعها مكان واحد وزمان واحد على خلفية الحدث والوضع المراد الحديث عنه. وبالنسبة إلى الدراما في القصة القصيرة فغالبا ما تكون قوية، وكثير من القصص القصيرة تمتلك حسا كبيرا من السخرية أو دفقات مشاعرية قوية لكي تمتلك التأثير.


ولكي يكتب الكاتب قصة جميلة عليه أن يطور من مهارات الكتابة أولا ومن ثم يتعرّف إلى شروط كتابة القصة القصيرة، وهذه المهارات هي:


القراءة بشكل يومي للنصوص الأدبية وكتابة أكثر من مسودة وتقليد عدد من القصص للتعرف إلى أساليب الكتابة القصصية، والتصحيح المستمر لغويا ونحويا وتدوين الملاحظات والانطباعات الأولية، إضافة إلى صياغة هدف للقصة وهي الغاية التي من أجلها يكتب الكاتب قصته، فلا شك أن الكتابة عملية إبداع حرة ولكن إخضاعها لبعض الشروط قد يصل بها أعلى مستويات النجاح وتحظى باهتمام القراء أكثر، وهي:


البطل حيث من الأفضل أن تكون شخصية محببة وقريبة من القراء. الصراع وهو النضال الممتد بطول القصة. الخصم وهو شخص أو شيء يكون عائقا أمام البطل يمنعه أو يحثه على عمل شيء ما.


اللغة هو تلك الشيفرة التي تسمح للقصة أن تكون سببا للتواصل بين الكاتب والناس ولذلك يجب أن تكون لغة بسيطة وغنية بنفس الوقت بالمفردات والجمل وأن تكون قريبة من الناس كي تعيش أكثر وأن تبتعد عن التعقيد والتكلّف والجمل البلاغية واللغة المقعرة التي تجعل القارئ ينفر من القصة من أول جملة، فالقصة هي نسج متكامل من الأحداث اللغوية والمعرفية.


وبذلك تكتمل حلقة المرتكزات التي من شأنها جعل فعل الكتابة من أهم نتاجات الإنسان فهي البرهان على استمراريته في الحياة عن طريق الكتابة.