ما زلتُ في أوَّلِ الطَّريقِ


6 قراءة دقيقة

هل رأيتُمْ أدهى من الكلماتِ
ربَّما تبني دولةً من شتاتي

ربَّما تهدمُ السماءَ بقلبي
حيثُ أبقى المحرومَ من غيماتي

ربَّما تسلبُ الجهاتِ جميعًا
وتخلَّيني أستعيرُ جهاتي

فهْيَ حيناً لعاشقٍ ترجمانٌ
وهْيَ حيناً بضاعةٌ للطُّغاةِ

وهي حيناً ما بينَ بينَ تغنِّي
لستَ تدري للموتِ أم للحياةِ

وهيَ حيناً تُريكَ ألفَ مُريدٍ
يتغنَّى بالوهمِ والشَّعوذاتِ

وأنا مضطرٌّ إلى منحِ أذنٍ
لخطيبٍ يريدُ تغييبَ ذاتي

ليسَ عندي أدهى من الكلماتِ
فهْيَ ليسَتْ كالوجهِ في المرآةِ
..



عينايَ مرهقتانِ
في كنفِ الظلامْ
ويدايَ تقترفانِ هذا الصمتَ
في وجعِ الكلامْ
ومنايَ أن أمشي إلى الغيمِ البعيدِ
أهزُّ أشجارَ السماءِ
أعدُّ أعشاشَ الحمامْ
لا أنتمي إلا لقلبي
وهو يتعبُني
ويرشدُني
إلى الحلمِ الزُّؤامْ
إني أرى الموتى
وهم يستنشقونَ الحربَ
في جنحِ السلامْ
وأعدُّ لي ما أستطيعُ من الحنينِ
إلى شريدٍ في الطريقِ
إلى طريدٍ في الخيامْ
مثلي أنا
أحبو كما قمرٍ بعيدٍ
ليسَ يصحو
أو ينامْ
هذا الذي يأتي إليَّ
كأنَّهُ موجٌ غريبٌ
ليسَ يتركُني
سوى زبدِ الختامْ
..



أصحو على صمتِكِ
أنامُ على ضجيجِ العالمِ
...
نجومُ القصيدةِ انطفأَتْ
إلا واحدةً
وحدَها تحاربُ الظلامَ
...
من أجلِ واحتِكِ
أقطعُ كلَّ هذهِ الصحراءِ
...
صحيحٌ أنِّي هنا
لكنِّي هناكَ
...

ليتَني يا حبيبتي كنتُ طفلا
لتقولي لي: أيُّها الطفلُ مهلا

لا تشاغبْ ولا تسافرْ بعيداً
عن براءاتِ الطفلِ لا " تتخلَّى"
...



في الفجرِ أحدِّقُ في ذاتي
فأرى نجماً منطفئاً
وأرى عصفوراً ميْتاً
وأرى امرأةً
في أسفلِ خيْباتي
..
في الفجرِ أكتبُني في الليلِ أمحوني
كأنَّني شاعرٌ أو نصفُ مجنونِ

مذ كنتُ منتظراً لم يأتِ من أحدٍ
قد كنتُ أضحكُني أصبحتُ أبكيني

في القلبِ قافيةٌ في جيدِها قمرٌ
تشدُّ أزريَ بينَ الحينِ والحينِ

لكنَّني وسراجُ الوقتِ منطفئٌ
ألوذُ بالعدمِ الأعمى ليهديني

لا الحربُ تقتلني لا الحبُّ ينقذني
والأرضُ حولي بلا دنيا ولا دينِ
....



كأنَّ الشِّعرَ لم يُشرقْ عليَّا
كأنَّ الموتَ يضحكُ في يديَّا

كأنَّ الحلمَ قافيةٌ كوتْني
ولم تتركْ سوى الأضغاثِ فيَّا

جمالُ الفجرِ تمسحُهُ الليالي
ونبضُ القلبِ موجوعُ المحيَّا

سرابٌ ما لهُ أبداً أمانٍ
تعانقُهُ فلا تلقاهُ شيَّا



ألفُ طوبى طبيبتي يا جينُ
أنتِ للمرضى والحيارى معينُ

أنتِ للناسِ وردةٌ وشذاها
أنتِ عبرَ الظلامِ نورٌ مبينُ

عقلُكِ الحرُّ لا يضاهيهِ عقلٌ
قلبُكِ الثَّرُّ عاشقٌ وحنونُ

ليسَ هذا فقطْ فثمَّةَ بوحٌ
عبقريٌّ وفي يديْكِ الفنونُ

راسخاتٌ جذورُ أرضِكِ فيها
وإلى الشمسِ أفرعٌ وغصونُ

فارفعي الرأسَ لامسي النجمَ فخراً
أنتِ والنجمُ حلمُنا الميمونُ

بكِ أزهو ..تزهو القصائدُ تترى
وتسرُّ القلوبُ ثمَّ العيونُ

ستكونينَ للفقيرِ ملاذاً
وشفاءً على يديْكِ يكونُ

فمحيَّاكِ مشرقٌ وجميلٌ
وعطاياكِ أنهرٌ وعيونُ

امخري بالضياءِ كلَّ فضاءٍ
ولكِ المجدُ عاشقٌ وخدينُ



أثمَّةَ فجرٌ بغيرِ دمِ
بغيرِ المنافي
بغيرِ القوافي
تئنُّ من الألمِ
فكيفَ أحبُّ الحياةَ
وكيفَ يدورُ فمي
وأصعبُ شيءٍ
إذا ما هربتُ
من المستحيلِ إلى العدمِ
إذا انعكسَ الأمرُ
واسترسلَ الموتُ
في حُكْمهِ المبرمِ
إذاً لا تلمْني
إذا ما مشيْتُ على الرأسِ
لا القدمِ
..



مطرٌ أم دمُ
رحلةٌ في الهشيمِ
هواءٌ يبلسمُ منفاكَ
أم بلسمُ
ارتقاءٌ إلى الغدِ
والغدُ لا يعلمُ
مطرٌ في القصيدةِ
أم عدمُ
فتسكَّعْ كما يشتهي الوقتُ
كي لا يعضَّ
على يدِكَ النَّدمُ
كم تمخَّضَ من جبلٍ
قفزَتْ فأرةٌ
قفزَ الألمُ
مطرٌ أم دمُ
أّيُّها الواضحُ المبهمُ
اشربِ النهرَ..
" نهرَ الجنونِ "
فوحدَكَ لا تفهمُ
..




كلُّ الذي حولي حجرْ
الكونُ..
كلُّ الكونِ في قلبي انكسرْ
مرٌّ شروقُ الشمسِ
وهيَ تلمُّ حلمي المُنتظَرْ
في الفجرِ يجلسُ شاعرٌ
معَ ظلِّهِ
متحدِّثاً معَهُ
عن الدُّنيا..
عن الحلمِ الذي
في أرضِهِ ماتَ الشجرْ
لا بحرَ في يدهِ ينامُ
ولا سماءَ تقولُ:
خذْ بعضَ المطرْ
..



تلك الشجرة المنطفئة
من يشعلها
تلك الأشواق المندلعة
من يطفئها
تلك النجمة العمياء
من يعالجها
تلك الذكريات العارية
من يلبسها
تلك البلاد المنسية
من يتذكرها
تلك الحبيبة النائمة
من يوقظها
تلك القصيدة الناقصة
من يكملها
تلك المرأة الصامتة
من ينطقها
تلك الفراشة المحنطة
من يُطلقها
تلك الريح الغبية
من يُفهمها
تلك الثورة الميتة
من يحييها
تلك الأرض الهاربة
من يُرجعها
تلك النهايات الخاوية
من يملؤها
وغير ذلك من "التلكمات"
عاجز أنا عن تحريك أصابعي
فكيف أحرك الكون
..





خسرتُ الكثيرَ من الأصدقاءْ
ومنذُ الطفولةِ أخسرُ
حتى غدوتُ أخافُ على ما تبقّى
خسرتُ العصافيرَ
ساجدةً في السماءْ
خسرتُ الحروفَ التي ساعدتْني
لأحشرَ نفسيَ
بينَ القصيدةِ محتميا بالغناء
خسرتُ الذينَ على قيدِ هذي الحياةِ
وقيدِ الفناءْ
ولم يبقَ عندي سوى صفحةٍ من كتابِ الحنينِ
إلى الذكرياتِ التي في مهبِّ الهباءْ
خسرتُ بلادي التي لم تكنْ ذاتَ يومٍ بلادي
بلادي التي من رمادي
رمادي التي من بلادي
سواءٌ.. سواءْ
إذا ما عددتُ الخساراتِ
جفَّ اليراعُ
وجفَّ الظلامُ
وجف الضياءْ
منَ الخاسرينَ أنا
ومنَ الغرباءْ
مع الوقتِ أدمنْتُ كلَّ الخساراتِ
صرتُ إذا ما ربحْتُ سراباً
فرحتُ كما يربحُ الميْتُ قبراً جميلاً
تطيرُ عليهِ الطيورُ
صباحَ مساءْ
نظرتُ إليَّ فلم أرَني
غبْتُ عنِّيَ
في نوبَةٍ لا نهائيَّةٍ
من بكاءْ
بلعتُ دموعي
بلعتُ حياتي
بلعتُ الهواءْ
...



لا.. ليسَ لي حبيبةٌ
وليسَ لي قصيدةٌ
فها أنا
أعدُّ إفلاسي
أسيرُبينَ شارعٍ وشارعٍ
منكّسَ الراسِ
كأنّني وأدْتُ كلَّ زهرةٍ
وأدتُ بستاناً من الآسِ
ترونَني مختبئاً من خجلي
عن رؤيةِ الناسِ
لا.. ليسَ لي مدينةٌ
ترتاحُ من تسكُّعي
في آخرِ الليلِ..
وفي وحشْةِ إحساسي
حرائقي صارَتْ رمادا
مواجعي صارَتْ بلادا
أزمنتي..أمكنتي
مآذني فقدتُها
فقدْتُ أجراسي
أجنحتي مهيضةٌ
فلمْ أعدْ أطيرُ
بينَ الكأسِ والكاسِ
ولمْ أعدْ
ألينَ من فراشةٍ
أرقَّ من قبَّرةٍ
في الزَّمنِ القاسي
أواجهُ الهواءْ
وأمسكُ الهباءْ
بكلِّ ما أوتيتُ من ياسي
كلُّ سيوفي قد نبَتْ
وقد كبَتْ جميعُ أفراسي
وذكرياتي قد تهشَّمَتْ
والداخلونَ في دمي
قد قتلوا جميعَ حرَّاسي
أعدائيَ الآتونَ
من مجاهلِ التاريخِ
يضربونَني كلَّ صباحٍ ومساءٍ
وأنا أضربُ أخماسي بأسداسي
مصابةٌ روحي بداءِ الموتِ
فوفِّرْ وقتكَ الغالي لغيري
أيُّها الآسي
...



لن تنقذَنا إلا المؤتمراتْ
فبها نتسلَّى
كتسلِّي لا عبِ شطرنجٍ أو نردٍ
أو كلماتْ
تسقطُ أمريكا
تسقطُ إفريقيا
وأخيراً نسقطُ نحنُ فقطْ
مثلَ الحَشراتْ
من مؤتمراتِ فلسطينَ
وتحريرِ القدسِ
إلى القممِ العربياتْ
زادتْ أعدادُ الخيْماتْ
زادتْ أعدادُ الخيْباتْ
وإذا شئنا تحريرَ رقابٍ
أو شبرٍ من أرضٍ
هيهاتَ وهيهاتْ
أيُّ ربيعٍ عربيٍّ يُتخمنا
بالموتِ وبالأمواتْ
أيُّ ربيعٍ يأخذُنا منا
كرياحٍ معها تأخذُ
كلَّ الغيماتْ
المؤتمراتْ
" خرطٌ في خرطٍ "
قاتٌ في قاتْ
..




سرتُ معْ غيري وراءَ العربَهْ
لأرى ماذا وراءَ الهضبَهْ
لم أشاهدْ غيرَ طفلٍ ميِّتٍ
وبكاءَ امرأةٍ مغتصَبَهْ
عدتُ أدراجي حزيناً
بخطىً مضطربَهْ
ودمي يضحكُ كالمجنونِ
عندَ العتبَهْ
عنكبوتُ الفجرِ أهدانيَ
خيطاً واهياً
تمتمَ لي: رتِّقْ رؤاكَ الخربَهْ
ليسَ يُجدي أيُّ قولٍ صادقٍ
معْ هؤلاءِ الكذبَهْ
زمنٌ مغتربٌ
أمكنةٌ مغتربَهْ
>>



إلى متى
في صقيعِ الليلِ
أغتربُ
فلا دمشقُ
تغطِّيني
ولا حلبُ

كم حاولَ الليلُ
من ليلى
يجرِّدني
ولستُ إلَّا
إلى ليلايَ
أنتسبُ

كم لذتُ بالحلمِ
في صدقٍ
وفي كذبٍ
لم ينفعِ الصدقُ
في حلْمي
ولا الكذبُ

حبيبتي
في أقاصي الليل
شاردةٌ
تفرُّ منِّي فراراً
ما لهُ سببُ

إليَّ أرجعُ
والخيباتُ تحرقني
تحيَّةً
وسلاماً
أيَّها اللهبُ
..



أبداً ما كانوا رجالَ سياسَهْ
بل طراطيراً بلْ كلا بَ حراسَهْ

كذبَ الحزبُ والأكاذيبُ تترى
بينَ أكلِ الهوا وأكلِ النجاسَهْ

بينَ هذا وذاكَ كم ضاعَ حقٌّ
مثلما ضاعتْ- يا رفيقي- الطاسَهْ
..


خاطرةُ الصباحِ

ما عدتُ أسمعُ أو أرى
حولي الظلامُ تجمهرا

فليَ المسيلُ غثاؤُهُ
وليَ المسيرُ القهقرى

كيفَ السبيلُ إلى الذُّرى
والحلمُ ميْتٌ في الثَّرى

ذا شاعرٌ لا يرعوي
عن مدحِهِ شرَّ الورى

ذا عاشقٌ في حبِّهِ
باعَ الأحبَّةَ واشترى

ذا واعظٌ متشدِّقٌ
طولَ الزمانِ قدِ افترى

ملأى الحياةُ بمثلِهِمْ
افتحْ عيونَكَ كي ترى


تقبَّلَ الله أحزاني وأشجاني
هذا.. ويدخلُني أنقاضَ أوطاني

العيدُ راحَ ولم أحصلْ على فرحٍ
والعيدُ أدبرَ معْ منفايَ خلَّاني

لا طفلَ عيَّدني فالعيدُ أفلسَني
من الطفولةِ ..من أحلامِ إنسانِ

أما الفراشاتُ فهْيَ الآنَ ميِّتةٌ
من أوَّلِ القلبِ حتى قلبِهِ الثَّاني

لا..لا ابنُ زيدونَ في الزَّهراءِ منتظرٌ
ولا جميلٌ أراهُ ملءَ فنجاني
...


مشيتُ إلى آخرِ الكونِ
لم أرَ وجهاً أليفاً
فكلُّ الدروبِ عماءْ
...
تجمَّعَ حولي جهابذةٌ
فارغونَ من الحلمِ والياسمينِ
ورحتُ أعبِّئُ أرضي
ببعضِ السماءْ
...
أمامي المزيدُ من الليلِ
كي أقطفَ الضوءَ
من شجرِ الأنبياءْ
...

خاطرةُ الصباحِ

الآخرونَ..
وهل هناكْ الآخرونْ
والموتُ يرقصُ في الدماءِ
وفي العيونْ
وكأنَّهُ " زربا "
بهِ شَغِفَ الجنونْ
وتمرُّ طائرةٌ..
تمرُّ قذيفةٌ
من أجلِ طفلٍ واحدٍ
ما زالَ حيَّاً تحتَ أنقاضِ المنونْ
من أيِّ مبغىً هؤلاءِ
ومن أباحَ لهمْ دمي
وعلى دمي يتسابقونْ
...
الأرضُ واسعةٌ
وهذا الموتُ يبحثُ عن فريسَهْ
والوقتُ من ذهبٍ
ونفسُ الموتِ سيئةٌ
خسيسَهْ



إلى البياسي وحيداً:

يغيبونَ عنِّي تِباعًا
تِباعا
من الكأسِ
ما زلتُ أحسو
الضَّياعا

يغيبونَ
كي لا نعيشَ القصيدةَ
إلَّا صداعا
يئنُّ الصباحُ
تئنُّ الرياحُ
يفيضُ الفؤادُ التياعا

لقد أخذَ الموتُ منكَ ذراعا
ولم يُبقِ إلا ذراعا
..



خاطرة الصباح

أركض للقصيدة كلما طاردني الملل أو لسعتني نملة جائعة
أصب كل دموعي فيها حتى يصبح طعمها مالحا كطعم الغريب
أركض ولا أصل إلا إلي
أرى حولي الجبال التي تتسلقها الحمير والرياضيون
أرى الغيوم المتجهمة كوجه صديق مات في مكان بعيد
ولا أكتفي بالركض بل أتمرغ بالهذيان
أقول لنفسي أشياء لا أفهمها
وأسأل أسئلة تشبه الغبار والقطط الجائعة
أحيانا كوني لست أميا كثيرا
أقرأ كتابا شعريا فارغا من الشعر
وأسمع موسيقا الضفادع القاطنة في الذاكرة
وأحتمي بجدار متصدع
وأمكث غير بعيد كهدهد
وأعود إلى غرفتي المطلة على الكون
أتذكر حلمي العجوز
أتظاهر بالنسيان
وأضع على قلبي المحدودب قطعة ثلج
أو رشة ملح
لأحميه من العفن والزمن
..



في وداعِ الصديقِ الراحلِ رمزت عليا
في مثل هذه الأيام رحل الصديق رمزت عليا
....
ياصديقي.. رحلتَ دونَ وداعِ
دونَ أن تدري حرقَتي والتياعي

لم يزلْ صوتُكَ الحبيبُ بسمْعي
كنتَ عذبَ الحديثِ عذبَ السماعِ

كم شربْنا معاً سلافَ الأماني
ونهلنا من كوثرِ الإبداعِ

لم أصدِّقْ موتَ القصيدةِ يوماً
حيثُ حاولتُ بالظنونِ خداعي

ثم أدركتُ أنّني بعدَ جهدٍ
لا أطيقُ الصّراعَ تلوَ الصّراعِ

كم بنينا من الخيالِ خيالاً
وتلاقينا في دروبِ الضّياعِ

وانتشينا بذكرياتٍ عِذابٍ
وتهاوينا في الريحِ بعدَ ارتفاعِ

وبلادٍ كانتْ لنا واستُبيحَتْ
وحدَها صارَتْ قصَّةَ المذياعِ

جمعتْنا الدنيا وما كنتُ أدري
كيفَ للموتِ أن يلوِّي ذراعي

كم تحدَّى صبري الجميلَ وأَوْدى
وأطاحَتْ رياحُهُ بشراعي

ليسَ للموتِ موعدٌ.. فسواءٌ
شأنُهُ في الإبطاءِ والإسراعِ

يا صديقي ..الموتُ يأمرُ ينهى
وكأنَّا القطيعُ وهوَ الراعي

كنتَ فيضاً من المشاعرِ تحنو
كربيعٍ مضمَّخٍ بالمراعي

عشتَ في غربةٍ ومتَّ غريباً
ذاكَ أنَّ البلادَ رهنُ الرّعاعِ

كنتَ تشدو لها.. ليومٍ قريبٍ
بفؤادٍ قد صارَ حبرَ اليراعِ

نمْ قريرَ الفؤادِ.. نمْ في هدوءٍ
لم يعدْ للأحزانِ يا صاحِ داعِ

كم تمنّيتُ لو ترفرفُ بُشرىً
فإذا بي مفاجَأٌ بالنّاعي

ذكرياتٌ بيني وبينَكَ تبدو
كيتيمٍ محطَّمٍ منصاعِ

أيُّها الشَّاعرُ الجميلُ سلاماً
من فؤادٍ مهشَّمٍ ملتاعِ..






خاطرة الصباح

العودة للماضي للأخذ من صالحه دون طالحه أمر مفيد وممتع لكن الذي يحدث غالبا أننا ننبش فيه ونأخذ الأسوأ لنضيف إلى حاضرنا أعباء جديدة ..
من ذلك مثلا في الشعر أننا ما زلنا نستخدم الأساليب الشعرية نفسها دون إضافة أي جديد ونظل تقليديين استهلاكيين نخاصم الجديد ونتهم من يخرج على نهج امرئ القيس بالتآمر على الشعر والوطن..
ونصر على شرط واحد من شروط الشعر وهو الوزن فكل ما خرج عليه هو ليس شعرا بناء على المقولة العتيدة: الشعر هو الكلام الموزون المقفى التي يردّ عليها المتطرفون من المتشاعرين بمقولة مضادة وهي: الشعر هو الكلام غير الموزون وغير المقفى .. فالشعر كله هنا يُحاصر بين فكّي الوزن واللاوزن بعيدا عن عناصره الأخرى المرئية وغير المرئية..
نحن لا نعرف ما هو الشعر فهو غني عن كل تعريف مدرسي ولكن نعرف ما ليس شعرا على حد تعبير محمود درويش فما ليس شعرا هو الذي لا يحرك فينا ساكنا فوجوده وغيابه سيان..
...
أجملُ النساءِ هي من أحبُّ
أجملُ القصائدِ هي ما أحبُّ
أجملُ الأوطانِ هي ما أحبُّ
...
حبك الشي ونفخك" الروح" فيه هو الشعر والجمال
وكل ما ليس فيه روح ميت كأعجاز نخل خاوية
..



في الطريقِ إليكِ
كثيرٌ من الشَّوكِ والشَّجرِ
الزَّمانُ الذي في طريقي طويلٌ
مسافتُهُ من ظلامي إلى القمرِ
كيفَ..كيفَ أراكِ
وكيفَ ألمُّ صداكِ
وعينايَ مرهقتانِ
من الدمعِ والسهرِ
أخلطُ الماءَ بالرملِ
والرملَ بالريحِ
والريحَ بالحجرِ
يتكوَّنُ عندي مزيجٌ
من الشوقِ
شوقٌ غريبٌ
يبدِّدُ لي عُمُري
أخرجيني من الكون
لا تتركيني وحيداً هنا
ومعي سافري
صدأُ الروحِ يذهبُ بالسفرِ
لستُ من هذهِ الأرضِ
لا شيءَ فيها يدلُّ عليَّ
كلانا بلا أثرِ
ربَّما نلتقي بعدَ دهرٍ وثانيتيْنِ
فلا قبرَ لي
لا طريقَ إلى وطني
أو إلى قدَري
..


كثرَ الأدعياءُ حتى الثمالَهْ
جعلوا الكونَ كومةً من زبالهْ

لم يعدْ للشعرِ الجميلِ مكانٌ
راحَ يطوي خيامَهُ وعيالهْ

لم يعدْ للعشقِ الأصيلِ حياةٌ
قتلواالعشقَ واستباحوا الأصالهْ

زمنٌ أعمى يزدهي بعماهُ
حاملاً فوقَ منكبيْهِ ضلالهْ

كلُّ طفلٍ مشروعُ موتٍ قريبٍ
وحدَهُ الموتُ منجبٌ أطفالهْ

زمنٌ فارغٌ من الحبِّ جدَّاً
إن تشأْ منهُ ظفْرَهُ لن تنالهْ

فترى النَّذلَ حاكماً وحكيماً
يتباهى بخسَّةٍ ونذالهْ

وترى الأميَّ الجهولَ عليماً
وحواليهِ أشعلوا ألفَ هالهْ

وترى المجرمَ الخطيرَملاكاً
وعلى راحتيهِ تجثو الجلالهْ

وكأنَّ الإنسانَ جاءَ ليظما
ومن الرملِ يحتسي آمالهْ

هذه الأرضُ لا كرامةَ فيها
لنبيِّ مسلَّحٍ بالرسالهْ

فعليها يطغى عتلٌّ زنيمٌ
أمُّهُ مومسٌ.. أبوهُ حثالهْ
...



خاطرة الصباح

الغيمة التي وعدتني بالمطر تلاشت
الهواء الذي دخل قلبي تحول إلى عاصفة كادت أن تقتلعني
الكلمات التي أهدرتها في الحب تهرأت ولم تعد تركض كالغزلان الشاردة
القصيدة الأخيرة دائما هي الأولى لهذا تراني مقلا في الاستحمام بالخيال
المرأة المغرمة بالقهوة خبأت فنجانها في البحر لتعود إليه بعد دهر وثانيتين
الديكة السعيدة بقدوم الفجر ترسم بأعرافها سماء عالية بعيدة عن متناول يدي
الجنون الذي فاض عن حده أخرج من الحرية إلى العصفورية
المطر المتساقط على روحي أخبرني بأسماء كل الغيوم الخلبية
الوطن الذي خانه الماغوط خانني وارتمى في حضن الغرباء
الحياة التي أخوض غمارها وأشق عبابها ورقة يانصيب خاسرة
....
ما أغبى الشاعرَ
يرسمُ وجهَ حبيبتِهِ
فوقَ الماءْ
ما أذكى الماءَ
وهو يلمُّ أمرأةً
ويعانقُها
حتى الإغماءْ


يكادُ عقدُ زمانِ الحُلْمِ ينفرطُ
فحلمُنا المُشتهى لا ليسَ يُلتقطُ

أرواحُنا في منافينا معلَّقةٌ
تشمُّها أبداً من جوعِها القططُ

لا أرضَ تجمعُنا من بعدِ فرقتنا
كأنَّنا في حروفِ الفرقةِ النُّقطُ

لم يبقَ فيها سِوى الأشْلاءِ نابضةً
بالموتِ.. فالموتُ مَسرورٌ ومُغتبطُ

جئنا إلى الكونِ كي نبني ونرفعَهُ
لكنَّهُ خانَنا إذ راحَ ينفرطُ

فلا يصحُّ صحيحٌ في معاقلِنا
دليلُنا الإفكُ والبهتانُ والغلطُ

ومادحُ الليلِ في تابوتِهِ قمرٌ
ومادحُ النورِ مشبوهٌ ومرتبطُ

هذا الظلامُ يلفُّ الآنَ حولَ دمي
فكيفَ أحسدُني بل كيفَ أغتبطُ

أكلما ماتَ مدَّاحٌ لطاغيةٍ
ناحُوا عليهِ وفي تنزيهِهِ نشطُوا

الشعرُ ليسَ جمالاً في زخارفِهِ
فجوهرُ الشعرِ معنىً ما بهِ شططُ

وكلُّ ما ليسَ للإنسانِ متَّجهاً
مصيرُهُ الرَّجمُ والأحجارُ والزَّلطُ
..



لا بدَّ من فيروزَ

عاصي وفيروزٌ ومنصورُ
هلْ يا تُرى إلاهُمُ النُّورُ

ما أعذبَ الدُّنيا بنكْهتهِمْ
فالكونُ كلُّ الكونِ عصفورُ

فيروزُ شلَّالٌ..بنفسجةٌ
فالقلبُ رغمَ الحزنِ مسرورُ

الفجرُ في فنجانِ قَهْوتِنا
فجرانِ :مطويٌّ ومنشورُ

مَنْ قالَ عنها إنَّها امرأةٌ
قد خابَ فهْيَ العينُ والحورُ

يصحو الصباحُ على ترنُّمِها
لكنَّني بصداهُ مخمورُ

لو أنَّ سُوراً كانَ يفصلُنا
لانْهَدَّ مِنْ نغماتِها السُّورُ..



خاطرة الصباح

هناكَ من يموتُ بضربةِ شمسٍ
أو بضربةِ صقيعٍ
أو بضربةِ وطنٍ
...
هناك من يلغي تاريخ فيروز الناصع
ويكتب تاريخه بقلم من روث أمه
فيروز هي أجمل ما في لبنان
هي أجمل ما في العالم
هي أجمل ما في القلب
نثرت على أرواحنا الفراشات
جعلتنا نبحث عن مرسال المراسيل
إلى قمر القصيدة
إلى شبابنا الذي غسلناه بصوتها لكي نكون نظيفين
كطفل قبل ميلاده بدقيقة
كشجرة أنجبت أوراقها
وقالت : أنا أمكم الخضراء
كنهر يسير وحيدا في صحراء الروح
فيروز هي جبران ونعيمة والبقية الباقية
من رعاة عبقر والجنون الجميل
لا رعاة البقر والطائفية
هي ما قبل الحرب وما بعد الحرب
هي السلام الروحي
هي السلام العالمي
...
فيروزُ سيِّدةٌ تصلِّي
في صوتِها الينبوعُ والشلالُ
والوطنُ الذي يعلو ويُعلي
فهيَ الكثيرةُ بالجمالِ
على الأقلِّ



هذا دمٌ أم محضُ ماءِ
أم نهرُ موتٍ في وعاءِ

متوحِّشونَ جميعُنا
نغتالُ آلهةَ السَّماءِ

موتٌ هنا وهناكَ آخرُ
ينتشي دونَ ارتواءِ

هل تسمعونَ سوى الرياحِ
تهبُّ في لهبِ الهباءِ

كل الذينَ تدرَّبوا
نهبوا القصيدةَ من دمائي

وبقيتُ وحدي لاثماً
خدَّ الحجارةِ والهواءِ

وطنٌ على أكتافِهِ
وقفَ الفناءُ مع الفناءِ

في قاعِ حنجرتي يدٌ
ما عدتُ أصلحُ للغناءِ

أخطو إلى غديَ الذي
أشتاقُ لكنْ للوراءِ

حتى القصيدةُ قد غدتْ
كالملحِ في بحرِ الغثاءِ
...



أخذَ الواقعُ منِّي كلَّ شيءٍ
وأنا أمنحُهُ الحلْمَ الجميلْ
أخذَ الحلمُ مشاريعي..
رماها
لستُ أدري أينَ صارَتْ
وأنا أمنحُ نفسي المستحيلْ
هكذا الواقعُ والحلمُ
عدوَّانِ معاً
هلْ من بديلْ
وأمامي قاتلٌ يرقصُ
في عرسِ القتيلْ ؟
سَفري في الحلْمِ والواقعِ
قاسٍ وطويلْ
هكذا الأمرُ رحيلٌ
في رحيلٍ
في رحيلْ
..


ما جادت به القريحة في هذا الصباح القريح:

ما عادَ لي في الكونِ ما أهْوى
فغثاءُ سيْلي لم يزلْ أحْوى

حتى البراغيثُ التي وهنَتْ
استنسرَتْ.. منِّي غدَتْ أقْوى

ماذا يقولُ الشعرُ عن وجعي
والشعرُ لا يدري سوى النَّجْوى

لا ليسَ لي أملٌ إلى أملٍ
وأنا بنارِ اليأسِ كم أُكْوى

ممَّا يزيدُ من الأسى أملٌ
يسري إليهُ اليأسُ بالعدوى

حظِّي من الدنيا حرائقُها
لا المنُّ حالفَني ولا السَّلْوى

كم من زنيمٍ يرتقي كتفي
ويحرِّضُ الدُّنيا على التَّقْوى

من إمَّعيٍّ ملءِ أقنعةٍ
يبدو بوجهٍ ساحرٍ أضْوا

وأنا سرابُ الحلمِ يطمرُني
ويقولُ لي :إنِّي لكَ المثْوى

جادٌّ أنا ..كفِّي ممدَّدةٌ
للرِّيحِ وهْيَ تفضِّلُ اللهْوا

والروحُ سائرةٌ على لهبٍ
تمشي على جمراتِهِ تُشوى



تهتمُّ بي الآلامُ والأمراضُ
مُلكي الهباءُ وهذهِ الأنقاضُ

لا بدَّ من شخصٍ حقيرٍ بيننا
فلكلِّ بيتٍ دائماً مرحاضُ

كم من رجالٍ قد علَوْا بذيولهم
وعلى عقولِ سواهمُ قد باضُوا
...



لن أعكِّرَ روحيَ بالحلمِ
بل سأعلِّقُها بسحابَهْ
ربَّما تتلاشى مع الريحِ
أو ربَّما تتساقطُ ثانيةً
فوقَ غابَهْ
...



ما زلتُ في أوَّلِ الطَّريقِ
إلى رمادي ..إلى حريقِي

لا لن تُطيقي مكابداتي
في صهوةِ الرِّيحِ لن تُطيقِي

من ها هنا أقضمُ القوافي
شوقاً إلى جوعيَ العتيقِ

لا واقعي لا ولا خيالي
قد حقَّقا النَّزرَ من حقوقِي

كلُّ الذينَ اشتهَوْا خلاصِي
كقشَّةٍ في يديْ غريقِ
..


كم من الدمِ ينتظرُ الموتُ
حتى يقولَ: كفى
...
المقابرُ في القلبِ
وشوشةُ الصمتِ
حلمي الذي اقتُرِفا
...
ليسَ للموتِ من هدفٍ
ويراني فقطْ هدفا
...
كم شهيدٍ أراهُ من القبرِ
يخرجُ منصرفا
...
إن هذا الجنونَ ثقيلٌ
على جثَّتي وقفا
...
إنَّ هذا الهواءَ شديدٌ
يهبُّ على القلبِ
يتركُهُ صفصفا
..



وأتركُ ودياني إلى قمَّةِ التَّلِّ
وأحذفُ ما بعدي وأحذفُ ما قبلي

وأقرأُ في سِفري الجديدِ قصيدةً
وقد كُتبَتْ بالوردِ والنورِ والظلِّ

أيا ليتني ما زلتُ طفلاً مدلَّلاً
لأسمعَ صوتَ الحبِّ من قلبِها:طفلي

هناكَ غماماتي تروحُ وتغتدي
وقد مُنعَتْ طولَ الزمانِ من الهطلِ

هناكَ حكاياتي ونجوى قصائدي
وفجري الذي يأتي بطيئاً على مهلِ

هناكَ غوادي الطيرِ تسرحُ كلُّها
وقلبي سماءٌ تفتحُ الصدرَ للكلِّ

لقد غبتُ عن أرضي أشمُّ عبيرَها
فقلبيَ مرسومٌ على شفةِ الفلَّ

على الموعدِ المركونِ في شرفاتِها
يذكِّرني بالتوتِ في دارةِ الأهلِ

مسحتِ من الأعماقِ كلَّ جميلةٍ
كما يمسحُ الأبطالُ آثارَ محتلِّ

أنا مثلُ نفسي لا شبيهَ للهفتي
إلى امرأةٍ لا لا شبيهَ لها مثلي
أنا المطرُ المجنونُ فوقَ جبينِها
أحاورُ عينيها ولونَهما الكحلي

ألا أيها الشوقُ المعربدُ في دمي
إلامَ ستبقى جمرةً في دمي قل لي

كمثلِ جرادِ الحقلِ يأكلني النوى
وليسَ لهُ يحلو وربِّي سوى أكلي

ولستُ أحبُّ الليلَ إلا لكي أرى
محياكِ شلالاً من النورِ في ليلي

فكلُّ حروفِ الشعرِ طوعُ ابتسامةٍ
تروِّي جفافَ الحرفِ قي ذروةِ القحلِ

وعيناكِ سرِّي في جموحِ تخيّلي
فإنّهما بعضي وإنّهما كلِّي

وإنّكِ أصلُ الحبِّ.. غيرُكِ فرعُهُ
وشتّانَ بينَ الفرعِ إن قيسَ والأصلِ

وجمَّعت شملي بعد طولِ تبعثرٍ
وكم كانَتِ الأيامُ قد بدّدَتْ شملي

أيا مطرَ الأحلامِ من فضلِكِ اهطلي
ألستِ طوالِ الوقتِ سيّدةَ الفضلِ
..


إن متَّ مختنقاً أو متَّ مسموما
أو عشْتَ تجرعُ غسْليناً وزقُّوما

فليسَ ثمَّةَ فرقٌ واضحٌ أبداً
في الحالتينِ يكونُ المرءُ مهزوما

فاملأْ حياتَكَ بالأقمارِ ميِّتةً
وصافحِ الموتَ من درعا إلى دوما

ولا تكنْ يائساً من ميتةٍ هبطتْ
ولا تكنْ من همومِ العيشِ محروما

الأرضُ مقبرةٌ فاخترْ بها جدثاً
سلِّمْ على جارِكَ المقبورِ تسليما

ففي بلادِكَ تبقى الحربُ سيِّدةً
تقزِّم الروحَ في الأجسادِ تقزيما

فلا سعادُ ولا كعبٌ ولا غزلٌ
فلا تعظِّم رمادَ الحبِّ تعظيما
..


كأنَّما تحتَ جلدي تلعبُ القططُ
وفوقَ رأسي يسيلُ الرملُ والزَّلطُ

وحدي بلا عمدٍ وحدي بلا سندٍ
على خرائطهِمْ كم تُرسمُ الخططُ

قصيدتي ما لها وزنٌ وقافيةٌ
أما حروفي فلا ليسَتْ لها نقطُ



خاطرةُ الصباحِ

في ظلامي
أجهلُ ما القصيدةُ
ما الحبُّ ما الوطنُ
ما الحياةُ ما الموتُ
ما أنا
حتى يأتي أحدُ العميانِ
ويقولُ : أنا عكَّازُكَ الضَّوئيُّ
...
في طريقي
رجلٌ في الغيابِ
امرأةٌ تعلَّقُ على حبلِ الصقيعِ
شوقَها اللهَّابَ
...
في القصيدةِ أبعثرُ مشاعري
كما يبعثرُ مجنونٌ ضحكاتِهِ
ويحتفظُ ببكائِهِ البعيدِ
...
الأرضُ مغلقةٌ
السماءُ مغلقةٌ
قلبي وحدَهُ مفتوحٌ في التابوتِ
دائماً ألقي عليهِ النظرةَ الأخيرةَ
...
عاطلٌ عن الأملِ
أتثاءبُ في اليومِ ألفَ مرَّةٍ
أتَّكئُ على البحرِ
وأغسلُ روحي بالزَّبدِ
...
ما زلتُ مشتاقاً إلى الشعرِ
أدري بهِ يا ليتَهُ يدري

حبي له يمتدُّ من وجعي
حتى نزولي داخلَ القبرِ
....



إليها.... " سوريا"
...
أخذوكِ منكِ
فلم تعودي سيِّدَهْ
وفرغتِ من
أحلامِكِ المتجدِّدَهْ
كم كنتِ بنتي
لم تعودي بعدها
بل صرتِ
مثلَ مريضةٍ متوحِّدَهْ
قد كانَ لي جارٌ
وأسلمَ مُرغماً
قتلوا لهُ عيساهُ
ثمَّ محمَّدَهْ
هذا الذي
قد ضاعَ منهُ إلهُهُ
قد راحَ يبحثُ عن سواهُ
ليعبدَهْ
وأنا هنا
حطَّمتُ كلَّ معابدي
وتركتُ للقلبِ المتيَّمِ
معبدَهْ
الآخرونَ هم الجحيمُ
وجنَّتي
بيني وبينَ الآخرينَ
مشرَّدَهْ
ما أنتِ
لستِ بحيَّةٍ أو ميْتةٍ
لا أنتِ مؤمنةٌ إذاً
لا ملحدَهْ
جودي عليَّ
بكسرةٍ من نجمةٍ
رقِّي عليَّ
بروحكِ المتوقِّدَهْ
الموت
حتى الموتُ في أطماعِهِ
مثلَ الذي
جمعَ الهواءَ وعدَّدَهْ
يا وجهيَ المحفورَ
في صخرِ الأسى
والصخرُ في صدقاتِهِ
ما أجودَهْ
لم يتركوا فيها
سوى أشلائِها
أتعودُ ثانيةً إليها
السيِّدهْ
وبكى الجميعُ
على صعيدٍ واحدٍ
وأنا بكيتُ
على جميعِ الأصعدهْ
أتذكَّرُ الآنَ الصباحَ
صباحَها
وخدودَها السِّحريَّةَ
المتورِّدهْ
كانتْ كأطيارِ السماءِ
طليقةً
ما أتعسَ الأطيارَ
وهي مصفَّدهْ
مبسوطةَ الكفينِ
كانتْ حرَّةً
مفتوحةَ الأحلامِ
ليستْ مؤصدهْ
لا تتركي سيفَ الهوى
في غمدِهِ
شرُّ السُّيوفِ
هي السُّيوفُ المغمدهْ
أفكارُها الفيحاءُ
تسطعُ في الدجى
تبَاً لأفكارٍ
أتتْ متشدِّدهْ
وجمالُكِ السِّريُّ
كانَ مصيبةً
فإلى متى
تبقينَ فيهِ مهدَّدهْ
ها أنتِ وحدَكِ
والرماحُ نواهلٌ
وتقبِّلينَ
جراحَكِ المتعدِّدهْ
...


ألمُّ خيوطَ الصباحِ
لعلِّي أخيطُ الهواءَ المبعثرَ
فوقَ جفوني
ألمُّ الكلامَ الذي قلتُهُ أمسِ
أختارُ منهُ حروفاً
تناسبُ جنوني
ألمُّ الزمانَ الذي يترنَّحُ
بيني وبين ظنوني
أنا الآنَ هشُّ الجناحِ
كما قشَّةٍ في الرياحِ
ألمُّ صدى الذكرياتِ
أقولُ لها : فلتكوني
فتضحكُ منِّي
وتسقطُ من قمرٍ مُطفأٍ
تختفي تحتَ طينِ



أنظرُ في المرآةِ
كم يؤلمُني التَّحديقُ إلى ذاتي
هذا ليسَ بوجهي
بل وجهُ غريبٍ
وعليهِ بقايا الطَّعناتِ
أنظرُ في وطني
كم تُرعبُني
ذاكرةُ الأشياءِ
وقهقهةُ الأشلاءِ
كروحٍ في المقلاةِ
أتعثّرُ بالجثثِ الملقاةِ
إنسانٌ يقطعُ أرزاقا
سكينٌ يقطعُ أعناقا
سمسارٌ يسرقُ أعضاءَ الأمواتِ
مرتزقٌ يستشهدُ بالآياتِ
يركضُ خلفي الموتُ
يحاصرُني
وأنا أركضُ خلفَ حياتي
...
ما معنى شعبٍ محترقِ
ما معنى هذا الوطنِ - النفقِ
ما معنى التشليحِ التشبيحِ التسليحِ
الترويحِ عن النفسِ بقتلِ النفسِ
على يدِ قطَّاعِ الطُّرقِ
...
أنظرُ في المرآةِ
لا أبصرُ إلا أنقاضاً
تحتَ الأنقاضِ
أنينُ فتىً وفتاةِ
أغمضُ عيني
هرباً من نفسي
قرفاً من كلِّ حياتي
....


أبحثُ عن شيءٍ ما
شيءٍ لا أذكرُهُ
لا يذكرني
يشبهُ قمراً أعمى
يشبهُ وجهَ حبيبٍ ميْتٍ
يشبهُ منفايَ الممتدَّا
أأظلُّ أفكِّرُ فيهِ
وأسعى خلفَ سرابٍ
ينقذُني من عطشي
أم أنتظرُ المطرَ المنسدّا
أبحثُ عني في الآخرِ
في ذاتي
فأرى شخصاً يشبهني
يتحاشاني
يضحكُ في وجهي
وأنا أبكي
وبكائي صارَ من الليلِ أشدَّا
ما عدتُ أرى أحداً
يأخذُني مني
فأنا خطِرٌ جدَّا
قد أقتلُ نفسي
قد أقتلُ ذئباً
قد أقتلُ إنساناً مرتدَّا
أبحثُ عن شيءٍ
ما عادَ لهُ أثرٌ
طللٌ في الروحِ
تمادى واحتدّا
..



لا لستُ إلا شاعراً وأقلَّا .. وإذا وصلْتُ إلى الأقلِّ فأهلا
لم يتركِ الشعراءُ لي لغةً ولا .. صوراً بها في وحدتي أتسلَّى
من ها هنا وهناك أنهلُ جرعةً .. فلعلَّها تشفي الغليلَ لعلَّا
صعبٌ هو الإبداعُ مثلُ جهنَّمٍ .. لكنَّهُ يبدو لغيريَ سهلا
فهناكَ من يبني القصيدةَ وحدَهُ .. فتراهُ يغرقُ في رؤاهُ المثلى
وهناكَ من يقتاتُ من أجدادِهِ .. فضلاتِهم ويرى التطفُّل أحلى
وهناكَ من يأتي بأغربِ صورةٍ .. كلُّ التَّفاهةِ عندَها تتجلَّى
الشعرُ ليسَ مهارةً لفظيَّةً .. وتخيُّلاً منهُ التخيُّلُ ملَّا
من أربعينَ كتبْتُ ألفَ قصيدةٍ .. وبمائِها الفضيِّ لم أبتلَّا
ما زلتُ أطرقُ بابَهُ فلعلَّهُ .. يحنو على قلبي ويسدلُ ظلَّا
ما قلتُهُ توًّاً شبيهُ قصيدةٍ .. لا أدَّعي أنِّي بلغْتُ التَّلَّا
فالشعرُ مشكلةٌ تخاصمُ حلَّها .. وجمالُهُ ألا يلاقيَ حلَّا
...


صحوتُ الآنَ أمشي في رمادي
أهيمُ بلا هدىً في كلَّ وادِ

لقد جفَّ الربيعُ فلم أعانقْ
سوى لهبٍ يعربدُ في فؤادي

على أيِّ البلادِ أحطُّ نفسي
وقد زالَتْ من الدنيا بلادي

أليسَ بهذهِ الدُّنيا مكانٌ
تغرِّدُ فيهِ شاديةُ وشادِ

حكاياتي تجفُّ على شفاهي
وأحلامي سنابلُ للجرادِ

أحاولُ أن أصونَ بياضَ فجري
يُسلِّمُني البياضُ إلى السَّوادِ

ويُبعدُني التفاؤلُ عن سناهُ
فليسَ سوى التشاؤمِ كلَّ زادي

صلاحُ الأمرِ مغضوبٌ عليهِ
فكلُّ الأمرِ في أيدي الفسادِ
...



ورأيتُني في الموتِ والمرآةِ
ورأيتُني متخلِّياً عن ذاتي

وكأنَّما الماضي نداءُ حبيبتي
وكأنما رجعُ الصَّدى في الآتي

الأرضُ مثقلةٌ وحلمي فوقَها
سأخفِّفُ الأحمالَ عن طُرقاتي

ما عدتُ أنزفُ غيرَ أشواقي إلى
قلمي وأوارقي.. إلى ضَحكاتي

الكونُ ..كلُّ الكونِ سجنٌ ضيقٌ
وترابُ بيتي أوسعُ الجنّاتِ

تدرون ما معنى الترابِ أليس منهُ
أتيتمُ وإليهِ كلُّ حياةِ..؟
...



مِنَ الفُراتِ إلى العاصِي إلى برَدَى
بَحثْتُ عنْ أصْدقائِي..لمْ أَجِدْ أَحَدَا

بحثتُ عن نفسيَ الجرداءِ ..عن وطنٍ
الكلُّ يهربُ مني الآنَ مبتعدا

يا أيُّها الوطنُ المذبوحُ من زمنٍ
البحرُ غيضَ ..أضمُّ الريحَ والزبدا

صمتٌ يخيِّمُ في أرجاءِمقبرةٍ
فما هناك سوى صوتي ورجعِ صدى

لا شيءَ بعدَ زمانِ الوصلِ يجمعُني
إنَّ الصحابَ جميعاً أصبحوا شُهَدا

كم من دماءٍ أريقتْ فوقَ قافيتي
وضرَّجَتْ بسناها الروحَ والجسدا

كم أمهاتٍ سكبنَ الدمعَ في حرقٍ
وقد فقدنَ حبيبَ القلبِ أو ولدا

وكم أنا في مهبِّ الليلِ منتظرٌ
فجراً يجيءُ غداً ..فجراً يجيءُ غدا
...



بينَ هذا وذاكَ ضاعَ الطريقُ
والطريقُ الذي أمامي يضيقُ

أرياحٌ تهزُّني أم سرابٌ
أعدوٌّ يُريقني أم صديقُ

أفُقٌ مغلقٌ أمامي وخلفي
دُمْ على القلبِ واقفاً يا حريقُ

وارتشفْني يا أيُّها الكونُ علِّي
في رمادي يضمُّني الفينيقُ

وطنٌ هذا أم رمادٌ عجوزٌ
أم جنونٌ خلفَ الجنونِ طليقُ
..



" وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ "

" وباعَ إخوةُ يوسفَ يوسفَ "

لقد تولَّى شؤوني السقمُ والمرضُ
فكيفَ أشفى وكيفَ الآنَ أعترضُ

جحافلي قبلَ خوضِ الحربِ قد سقطتْ
وثورتي في رمادِ الوقتِ تنتفضُ

وحطَّمَ الموجُ أحلامي على مضضٍ
لم يبقَ عنديَ إلا ذلكَ المضضُ

بيعَتْ بلادي وقد فاضَتْ روائحهُمْ
وما لها ثمنٌ إلا الذي قبضُوا

أولادُ حارتنِا أكفانَنا سرقوا
يا ليتهم ذهبوا في الريحِ وانقرضُوا
...



ومالي سوى البحثِ عنِّي
فإني أضعتُ جهاتي
فلا نجمَ أبصرُهُ
في سمائي
ولا فجرَ ياتي
ومالي سوايَ
أجرِّبُ فيهِ قوايَ
وأصنعُ منهُ رحيلي
إلى عمقِ ذاتي
أفيضي عليَّ
بنزرٍ من الحبِّ
كي أستعيدَ الكثيرَ
من المعجزاتِ
لماذا أرى الموتَ يحسدُني
يتمنَّى زوالَ حياتي
لماذا أسيرُ ..أسيرُ
وليس هناك مكانٌ
أسيرُ إليهِ
سوى ذكرياتي
لماذا الصباحُ بعيدٌ بعيدٌ
وأبعدُ منهُ صدى أمنياتي
ومالي سوى البحثِ عنِّي
فخلْفَ الزمانِ البعيدِ شتاتي
...



ما عدْتُ أعرفُ مَنْ هُمُ الشُّعراءُ
فلقد تَساوى الصَّوتُ والأصْداءُ

بلْ قد ترى متشاعراً هوَ وحدَهُ
نجمٌ عليْهِ تُسلَّطُ الأضْواءُ

وترى سِواهُ شاعراً مترنِّماً
في الظِّلِّ لمْ يَسمَعْ بِهِ القُرَّاءُ

الشِّعرُ سيلٌ عندَ بعضِ أحبَّتي
لكنَّهُ عندَ الكثيرِ غُثاءُ

والشِّعرُ مظلومٌ لأنَّ كثيرَهُ
عندَ الكثيرِ تطفُّلٌ وغباءُ

والشِّعرُ مسكينٌ يروحُ ويغتدي
ينبوعُهُ ما عادَ فيهِ الماءُ

معَهُ أنا أحتارُ كلَّ هنيْهةٍ
ويظنُّني ممَّنْ إليهِ أساؤوا

متشدِّدٌ متمنِّعٌ عنِّي كما
في غنْجِها تتمنَّعُ الحسْناءُ

الشِّعرُ في الأعماقِ جُنَّ جنونُهُ
منهُ انقذوني أيَّها العقلاءُ

سأفرُّ منْهُ لأنَّني أشقى بهِ
فالبعدُ عنهُ بلسمٌ وشفاءُ

وأعيشُ وحدي في مغارةِ وحدتي
فالشِّعرُ صعبٌ ما لهُ إرضاءُ
...


شعوبٌ لا تحبُّ سوى الطغاةِ
تحاربُ كلَّ عشَّاقِ الحياةِ

فتدمنُ ذلَّها في كلَّ وقتٍ
وتؤمنُ دائماً بالترَّهاتِ

وكأس الموتِ تشربُهُ أجاجاً
تكسِّرُ كلَّ كاساتِ الفراتِ

وحتى الشعرُ قد أضحى فقيراً
يعيشُ على القليلِ من الفُتاتِ

فما معنى البكاءِ على طلولٍ
يذكِّرُنا بماضينا المَواتِ

وما معنى مديحِ عيونِ ذئبٍ
إذا ما كنتَ شاةً بنتَ شاةِ
..


المسافةُ بينَ الرَّصاصةِ والقلبِ
نصفُ وطنْ
قاتلٌ وقتيلٌ
سيلتقيانِ معاً
وغداً يا ترى
مَنْ سيقتُلُ مَنْ



وطنٌ يحلِّقُ في أساهُ
كم بخسةً صارَتْ دماهُ

وأراهُ حيَّاً ميِّتاً
فمتى متى حيَّاً أراهُ

لا نورَ في الآفاقِ لا
لن ينتهي أبداً دجاهُ

كلٌّ يمزمزُ لحمَهُ
الأصدقاءُ كما عِداهُ

الكلُّ ذئبٌ جائعٌ
والشعبُ يا صاحِ الشِّياهُ

هذا الذي يجري دما
ءٌ جارياتٌ أم مياهُ

شرقيَّةٌ غربيَّةٌ
لهما قدِ انحنَتِ الجباهُ

قد أغرقانا بالهدا
يا ..والهدايا يا إلهُ:

الشرقُ نشربُ بولُهُ
والغربُ نأكلُ من ...

جاؤوا عدوَّاً واحداً
وهنا أخٌ يفني أخاهُ

وجنيفُ فلمٌ للخلا
عةِ والهوى..واخيْبتاهُ
..


تفجيراتُ القامشلي
كأنَّها رسالةٌ إلى العامِ 2016

دمٌ في الكنائسْ
دمٌ في المآذنْ
دمٌ في الطريقِ إلى آخرِ الوقتِ
والدَّمُ لا ينتهي
يا لهُ من عنيدِ
فليسَ هنالِكَ في العيدِ يا دمُ
أيُّ عيدِ
لكَمْ دمويٌّ هواءُ القصيدةِ
فجرُ الحبيبةِ
كلُّ الرسائلِ مخزونةٌ
في جنوني البعيدِ
أكانَ على آخرِ العامِ أن يسفكَ الدمَ
دمَ حلمي الجديدِ
أكانَ على القاتلينَ اللجوءُ إلى الموتِ
يومَ السلامِ
أكانَ عليهم حصادُ المزيدِ
***
لا شيءَ بعدَ اليومِ يُجدي
فتساوتِ الأضدادُ عندي
أملي ويأسي يحرقانِ دمي
فكلاهُما كالسمِّ ضدِّي
جزرُ الحياةِ ومدُّها
ركبا على جزري ومدِّي
وهوائيَ المثلومُ مرميٌّ
على أشلاءِ وردي
يمشي الزمانُ على يدي
فكأنَّما لا وقتَ بعدي
ما ذنبُ مَنْ يهوى الحياةَ
يبوءُ بالموتِ الألدِّ
ما ذنبُ هذا الفجرِ
مرتدياً دماءً دونَ حدِّ
غنَّى القتيلُ فلم يمتْ
وصداهُ ينزفُ تحتَ جلدي
وتراهُ يدعوني إلى
أنْ أحتسي خمرَ التحدِّي



في لحظةٍ واحدةٍ
يلتهمُ الموتُ حياةَ الناسْ
يأخذُنا إليهِ بالقوَّةِ
ما أرخصَنا
في زمنِ الأنجاسْ
مدينتي حزينةٌ
اجتمعَتْ
وأجهشَتْ
مآذنُ الحارةِ والأجراسْ
...



ربَّ يومٍ بكيتُ منهُ فلما ... صرتُ في غيرهِ بكيتُ عليهِ

إلى العامِ الجديدِ الذي سيغدو قديماً:

...
رحلَ القديمُ بعذبهِ وعذابِهِ
وأتى الجديدُ وها أنا في بابِهِ

كم كنتُ أسعى أن أمسّ سماءَهُ
لكنني ما زلتُ طوعَ ترابِهِ

كم كانتِ الأحلامُ ساطعةَ الرؤى
حتى توارتْ في كهوفِ خرابِهِ

وسألتهُ عني وعما حلّ بي
أصبحتُ ريشاً في مهبِّ جوابِهِ

لم يكترثْ بذبولِ عمرٍ آفلٍ
ومضى يردُّ الموتَ عن أسلابِهِ

العذبُ عاشَ وماتَ ولم أهنأْ بهِ
وظللتُ مأخوذاً بزيفِ سحابِهِ

أما العذابُ فرحلةٌ قسريةٌ
في بره.. في بحره وعبابِهِ

فكأنَّ هذا القلبَ صبٌّ هائمٌ
فيعيدُ مجدَ هيامهِ وشبابِهِ

كانَ الهشيمُ حصادَ قلبٍ خائبٍ
ولكم رعى الأحلامَ في أعشابِهِ

الأمسُ غابَ.. وجاءَ يومٌ غيرُه
وكلاهما بالروحِ ليسَ بآبِهِ

ما أقصرَ العمرَ الطويلَ فإنهُ
كدقيقةٍ في حلّه وذهابِهِ

وتكسرتْ كلُّ النوافذِ في يدي
لم أجنِ من عملي سوى أتعابِهِ

العمرُ ماضٍ والزمانُ يحثُّهُ
ويكادُ أن يودي بكلِّ صوابِهِ

كم كان حلمي ثائراً لا يرعوي
ويؤججُ الدنيا بعودِ ثقابِهِ

والآنَ قد خمدَ اللهيبُ جميعهُ
لم يبقَ غيرُ رمادِه وهبابِهِ

كم تسخرُ الأيامُ من شرفاتِه
أو تسدلُ الأكفانُ فوقَ قبابِهِ

في نصفِ هذا الليلِ يرحلُ عالمٌ
ويجيءُ آخرُ في جميلِ ثيابِهِ

وأظلُّ أبدأُ من جديدٍ رحلةً
عبرَ الزمانِ بشهدهِ وبصابِهِ

عانيتُ من زمني الوعيدَ فإنَّه
ما كفَّ يوماً عن قبيحِ خطابِهِ

لا فرقَ بينَ قديمهِ وجديدِه
فكلاهما يقتاتُ من إرهابِهِ

الصبرُ ولَّى.. لم يعدْ متحملاً
للصبرِ حدٌّ فاضَ في تسكابِهِ

عمرٌ تنصلَ بغتةً من عمرِه
وبقيتُ مرمياً على أعتابِهِ

حلّ الغرابُ فلا حمامَ بعالمي
شتانَ بينَ حمامهِ وغرابِهِ

عامٌ مضى.. عام يجيءُ.. كلاهما
مستهترٌ بزميلهِ المتشابِهِ

ويقولُ لي عامي الجديدُ: هلا هلا
فأقولُ: هل سأعيشُ في جلبابِهِ

فغداً.. أرى ضيفاً ثقيلاً قادماً
أهلاً بهِ وبمرِّ.. مرِّ شرابِهِ

ماذا سأفعلُ غيرَ دفعِ شرورِه
لا خيرَ يبدو في شريعةِ غابِهِ

ماذا سأفعلُ والزمانُ يحثني
لأكونَ رغمَ الأنفِ من أذنابِهِ

لكنني لا أستطيعُ رضاءَه
وعليّ ألّبَ كلَّ جيشِ كلابِهِ

صدري يضيقُ ولا تضيقُ بناتُه
حتى غدا يبكي طلولَ رحابِهِ

كم كانَ يطلعُ منه نجمُ قصائدي
تترى ويغفو الحبُّ في أهدابِهِ

لا نجمَ بعد اليومِ يبدو تربُه
فلقد تخلى اليومَ عن أترابِهِ

كلُّ الذي في جعبتي ما عادَ لي
روحٌ محطَّمةٌ وراءَ إهابِهِ

بيني وبين الوقتِ سوءُ تفاهمٍ
إياكَ .. والتسآلَ عن أسبابِهِ

فالوقتُ يأخذني على تيارِه
ما زلتُ أحسو الشعرَ من أنخابِهِ

وأنا الذي لا بر لي.. لا بحر لي
إني أراني في خضمِّ يبابِهِ

الوقتُ يمضي مذعناً مستسلماً
لا فرقَ بين حضورِه وغيابِهِ

كم قد ضحكتُ وكم بكيتُ سدىً سدىً
لم يبقَ لي غيرُ الصدى ورهابِهِ

مرَّ القديمُ بعذبهِ وعذابِهِ
وأتى الجديدُ وها أنا في بابِهِ

قد كنتُ آملُ أن يؤججَ نجمتي
ما زالَ نجمي مطفأً.. ماذا بِهِ..؟

جاملتُه.. وفرشتُ أشعاري له
ورجعتُ دونَ ثنائِه وثوابِهِ

بل رحتُ أحلمُ كيفَ أنجو سالماً
فوجدتُ نفسي لقمةً في نابِهِ

يجترني وكأنني علفٌ له
ولكم خدعتُ بلطفهِ وعتابِهِ

يا أيها العامُ الجديدُ ولا جديدَ
لديكَ غيرُ تفاؤلي وسرابِهِ..

وغداً ستغدو مثلَ غيرِكَ آفلاً
وأسيرُ كالأعمى وراءَ ضبابِهِ

1/1/2010
..



هل أنتِ أنتِ وأنتِ لا أحدُ
أزرَتِ بكِ الشُّطآنُ والزَّبدُ

هل أنتِ في الصَّحراءِ أغنيةٌ
ومصيرُها المجهولُ والبددُ

هل تحبسينَ الحلمَ عن عبثٍ
أم كلُّ حلمٍ طائرٌ غردُ

هل تجعلينَ الأفقَ نافذةً
وهواؤكِ المنسيُ لايفدُ

سأظلُّ مرتبكاً كما ولدٍ
قد ماتَ في أعماقهِ الولدُ

سأظلُّ أمضي غيرَ مكترثٍ
أهلُ الحياةِ على دمي رقدوا

يا أيُّها الحلمُ الذي يعدُ
ما زلتُ بالأحلامِ أعتقدُ

ما زلتُ مطروداً بلا سندٍ
هل للطريدِ من الدنا سندُ

ما زلتُ منتظراً غداً وغداً
ويروحُ عني كالسرابِ غدُ

أعمى أنا وعصايَ دونَ يدي
لا ليسَ لي طولَ الزمانِ يدُ

هل لي بلادٌ لستُ أعرفُها
أم كلُّ منفىً عنديَ البلدُ

الحلمُ ملءُ القلبِ معتكفٌ
من عالمي يدنو ويبتعدُ


ظلماتٌ في ظلماتٍ

أَصْحُو
لِأسْمَعَ مِنْ عَصَافيرِ الصَّباحِ
الزَّقْزقَهْ
فأرَى الطُّغاةَ يُهيِّئونَ كَدأْبِهِمْ
لتوقُّعاتي
المشْنقَهْ
***
منذُ امرئِ القيسِ الضَّليلْ
ليلي طويلْ
ليلي من الزمنِ القديمِ
إلى ولادةِ ألفِ جيلْ
***
لم يعدْ للجرحِ معنى
وبهِ لن أتغنَّى
كلَّما أنْأَى وأَنَأى
صارَ من قلبيَ أدْنى
***
ليسَ لي- يا إلهي- جناحٌ مديدْ
كيفَ أبلغُ هذا الصباحَ البعيدْ
***
أنا أعمى وحولي ظلامْ
وعصايَ مهشَّمةٌ
مَنْ دليلي إلى النُّورِ
في وسْطِ هذا الركامْ؟
...



منذُ حلمٍ بعيدٍ
ونافذتينْ
أنا والشعرُ كنّا
كما أخويْنْ
متُّ وحدي
وراحَ إلى الغيمَ
يدفعهُ باليديْنْ
***
لا طريقَ لقلبي إلى بلدي
فهيَ مكتظّةٌ بالجنودِ الذينَ
يحبّون موتيَ
في طلقتيْنْ
***
لستُ حيّاً
ولا ميِّتاً
فأنا بينَ بيْنْ
***
واقفٌ ها هنا
أقضمُ الريحَ والذكرياتْ
منذُ دهرٍ وثانيتيْنْ


ليسَ لي وطنُ
ليسَ لي زمنُ
أهما المستحيلُ
أمِ الممكنُ؟
***
في الغيومِ أرى وطني
في النجومِ أرى وطني
في الدماءِ أرى وطني
هو بالغيمِ والنجمِ والدَّمِ
مستوطنُ
***
غيرَ أني وحيدٌ
كمقبرةٍ في العراءْ
ليسَ إلا الحنينُ
على نخبهِ أدمنُ

***
وتفيضُ الجراحُ
تفيضُ كثيراً
وقلبي
بها وبهِ مُثخنُ
..




لو متُّ صغيراً
لاعتبروني عصفورَ الجنَّهْ
لو متُّ زمانَ شبابي
كانَ الموتُ لأحبابي محنَهْ
كانَ الموتُ قليلاً قبلُ
في اليومِ يموتُ فقيرٌ أو أكثرُ
قد يوعدُ بالجنَّهْ
لكنْ إنْ متُّ الآنَ
لما اهتمَّ بموتي أحدٌ
فالموتى فاقوا الناسَ
وفاقوا الجِنَّهْ
ولهذا أمنيتي أن أرجعَ للماضي
لأموتَ قريرَ العينِ
بهمْ وبهنَّهْ

...



كانَ لي اصدقاءٌ عديدونَ..
بعضُهمُ أخذتْهُ الحياةُ إلى أرذلِ العمرِ
بعضُهمُ قد توخَّى الرحيلَ إلى حيثُ ليسَ يريدْ
بعضُهمْ قد قضى نحبَهُ من زمانٍ بعيدْ
وأنا ها هنا واقفٌ
مثلَ فزَّاعةٍ
أفزعُ الكونَ
أخفي تفاهتَهُ
بالنشيدْ
..



حولي الحياةُ ظلامٌ مقفرٌ أبداً
فيا حياتي التي في الغيهبِ انبثقي

ويا رياحَ الهوى هبِّي على جسدي
ولْتملئي روحيَ الجرداءَ بالورقِ
..



هنيئاً..لقد راحَ نِصفُ الوطَنْ
ونِصفٌ يواجهُ عصْفَ الزَّمنْ

وقدْ وقفَ الموتُ منتصِراً
فليسَ هنالِكَ إلَّا الكفنْ

وكنتُ إلى أحَدٍ ما أبوحُ
بحزْنيَ .. والآنَ حزني لِمَنْ ؟
....



سؤالٌ من خارجِ المنهاجِ

كم منَ الوقتِ نحتاجُ
كي نرتدي حلمَنا
دونَ أن يتقطَّعَ
أو ينحني؟
كم منَ الحبِّ نحتاجُ
يا صاحبي
كي نرمِّمَ بعضاً من الوطنِ؟


تعالَ نتسكعْ معاً تحتَ المطرِ
أنتَ برجليكَ الحافيتينِ
وأنا بقلبي الظمآنِ
***
تعالَ نكتبْ قصيدةً مشتركةً
أنتَ اكتبْ عن ليلنا الطويلِ
وأنا أجرُّ النهارَ من شعرهِ الأشقرِ
إلى القصيدةِ
***
تعالَ نعشْ معاً
وعندَ الموتُ سأموتُ وحدي
فلستُ أطيقُ البقاءَ وحيداً بعدَكَ
***
تعالَ..
لماذا هربْتَ؟
كيفَ تركتَني وحدي معَ نفسي؟
...





أمَّا أنا
فمسافرٌ
من غرفتي حتى زُحَلْ
أمَّا رياحي فهيَ نائمةٌ
على رأسِ الجبلْ
وحبيبتي في آخرِ الدُّنيا
تخطُّ رسائلاً
لكنَّها ليسَتْ تصلْ
أمَّا أنا
فالوقتُ يحملُني على أكتافِهِ
ويقولُ لي
لا لمْ يقلْ
احدودبَ الحلمُ القديمُ
وماتَ في برِّيَّةٍ
من يأسِهِ
ومنَ الأملْ
....



من الصفرِ حتى حدودِ الخيالِ
أفتِّشُ عن نجمةٍ في الليالي

أفتِّشُ عنِّي وعن وجْهتي
وحلمي بعيدٌ..بعيدُ المنالِ

ألوذُ وحلميَ معتصماً
من الريحِ عاصفةً بالجبالِ

من الصفرِ ..ما زلتُ مبتدئاً
أفتِّشُ عن ممكنٍ في المحالِ

ولستُ أريدُ سوى نجمةٍ
تُريحُ من الذلِّ..ذلِّ السؤالِ
...



اضطرارٌ

مضطرٌ أن أكذبَ
كي أُقنعَ غيري أني صادقْ
مضطرٌ أن أتغزَّلَ
بامرأةٍ تافهةٍ ليقولوا :
هذا الشاعرُ عاشقْ
مضطرٌ أنْ أضحكَ في وجهِ عدوِّي
وأنافقْ
مضطرٌ أن أرضيَ هذا أوذاكَ
وأُغضبَ ربِّي الخالقْ
ما أتفهَ هذي الدُّنيا
تجعلنا نصفينِ فقطْ
نصفٌ في الدَّركِ الأسفلِ
نصفٌ في أعلى طابقْ
..



ألا يا ليتني قد متُّ قبلُ
فطولُ العمرِ في الدُّنيا مملَّ

أرى الحربَ الضروسَ تذلُّ أهلي
أثمَةَ بعدَ ذلِّ الأهلِ ذلُّ

فهذي الحربُ تسقيني أجاجاً
وتطعمني الضريعَ فلِمْ أظلُّ

جيوشُ اليأسِ تقتحمُ الأماني
فمتْ يا أيُّها الأملُ المضلُّ

كأنَّ الموتَ موطنُهُ لديْنا
فليسَ سوى على وطني يحلُّ

وهذا الموتُ أجبنُ من جبانٍ
ضحايا جبنِهِ امرأةٌ وطفلُ

وفي قلبي حريقٌ ليسَ يخبو
وفي عينيَّ أملاحٌ ورملُ

أراني نصفَ حيٍّ نصفَ ميْتٍ
أراني أضمحلُّ وأضمحلُّ

لكم قد كنتُ أبحثُ عن كثيرٍ
وفاجأني وفاجأني الأقلُّ

يموتُ الحرُّ في تعبٍ وضنْكٍ
وفي أنفاسهِ يرتاحُ نذلُ
...



لنقبضْ على الرِّيحِ
هذا المساءَ
لنقبضْ عليْها قليلا
فقد نتفرَّقُ عمَّا قريبِ
فلا نهتدي
ونُضيعُ إليْها السَّبيلا
وإذا ما عثرْنا عليْها
وبعدَ زمانٍ طويلٍ
فسوفَ يكونُ اللقاءُ طويلا
لنقبضْ على الرِّيحِ
قبضاً جميلا
...



بيني وبينَكِ لغزٌ لستُ أدركُهُ
لسوفَ يهلكُني أو سوفَ أهلكُهُ

أنا وأنتِ كلانا في الهوى نزقٌ
فهل هناكَ طريقٌ سوفَ نسلكُهُ

تعطَّلتْ لهجاتُ القلبِ قاطبةً
فالقلبُ ما عدتُ بعدَ اليومِ أملكُهُ

هذا الهواءُالذي حولي بلا عددٍ
مثيلُهُ في فؤادي لا أحرِّكُهُ

في غيهبِ الحلمِ ..في منفىً أحاورهُ
كأنني لهبٌ والريحُ تعلكُهُ



التغنِّي

نتغنَّى بأحلامِنا الجميلةِ..
بالحبِّ..
بالمستحيلْ
بالغمامِ المرفرفِ بينَ قصائدِنا
بالعريسِ الذي قد تزوَّجَ منذُ قليلْ
ثمَّ راحَ إلى الجيشِ
حاربَ أعداءَهُ
من أخٍ وخليلْ
ربما انشقَّ
أو قد تنقَّلَ بينَ السجونِ
وبينَ المفارزِ..
أو ماتَ موتَ غريبٍ ذليلْ
***
نتغنَّى بكلِّ جميلْ
بالسماءِ التي فوقنا
بالحبيبةِ في عيدِ ميلادِها
بالبلادِ التي ليسَ عنها بديلْ
***
نتغنَّى بالسلامِ
وحقِّ الشعوبِ
بحفنةِ حريَّةٍ
وبما دارَ بينَ غريبينِ
من ألمٍ وهديلْ
***
نتغنَّى بمستقبلٍ
ربّما
ليسَ يأتي
ولكنْ إليهِ نخوضُ العبابَ
ونحضنُ كلَّ هبوبٍ
ونذرعُ كلَّ سبيلْ
نتغنَّى بها كلّها
فجأةً
فجأةً
قاتلٌ ما يشوِّهُ عالمَنا المتغنَّى بهِ
قاتلٌ جائعٌ
ليسَ يشبعهُ ألفُ ألفِ قتيلْ
***
كلُّ حربٍ لها غصَّةٌ
كلُّ حبٍّ لهُ قصَّةٌ
وأنا لي بكائي ..
بكائي الطويلْ
***



السَّمَكَةُ

وغداً سأقودُ الجنودَ إلى المعركَهْ
هم جنودي الذينَ أحبِّهمُ
فلذلكَ حقُّهمُ التَّهلكَهْ
وغداً سأنامُ قريرَ العيونِ
عيوني جواسيسُ ذاكرتي
هُسْ
ولا حركَهْ
لجنودي الذهابُ إلى الموتِ
أمَّا أنا
فسأسعى إلى زوجتي الملكَهْ
لن أسلِّمَ عرشي إلى أحدٍ
عرشيَ البحرُ ملتطماً
وأنا السَّمكَهْ





أفتشُ عن سكينٍ لأذبحَ قصيدتي
أفتشُ عن رصاصٍ لأقتلَ حبيبتي
أفتشُ عن حبل لأخنقَ كلَّ الحقيقةِ
أفتشُ عن سجنٍ لأكتمَ صوتَ الحريّةِ
فقطْ أريدُ إجراءَ هذه التجاربِ البسيطةِ
لأعرفَ كيفَ يفكّرُإخوتُنا المجرمونَ
...


لا علاقةَ لي بالقصيدةِ
فهي التي تتحرَّشُ بي
لا علاقةَ لي بالحبيبةِ
فهي التي أخذتْني
من الثلجِ إلى اللهبِ
لا علاقةَ لي بالكلامِ الذي يتساقطُ من شفتي
وأنا وهو نقفزُ من جملةٍ لسواها
ومن فضَّةِ الياسمينِ إلى الذهبِ
لا علاقة لي بحلمٍ أراهُ على الأرضِ ملقىً
ومغمىً عليهِ من التعبِ
لا علاقةَ لي بهواءٍغريبٍ
يهبُّ على جسدي
ويهبُّ على بلدي
ويعيثُ فساداً بلا سببِ
لا علاقةَ لي بصديقي القديمِ الذي فقدَ النومَ
يبكي ويضحكُ للصمتِ والصخبِ
لا علاقةَ لي بالحصانِ العجوزِ الذي
فقد العمرَ بينَ الحظيرةِ والعشُبِ
لا علاقةَ لي بحياتي التي
تتسرَّب بينَ يديَّ كما الكذبَ
لا علاقةَ لي قطُّ بي



خسرتُ معركتي.. يا نفسيَ انسحبي
فلا تكافؤَ بينَ الصدقِ والكذبِ
خسرتُها.. رايتي البيضاءُ باكيةٌ
والشعر باكٍ فلا تسألْ عن السببِ
خسرتُ.. لكنَّني لم أنهزمْ أبداً
في داخلي ألفُ شلَّالٍ وألفُ نبي



أنْ تبقى طولَ حياتِكَ منتظرا
أنْ تُحصي عددَ الأحلامِ الجرداءِ
وتنتظرَ المطرا
أنْ تجعلَ ليلكَ مقبرةً لكَ
ثمَّ تناجي القمرا
أن تزرعَ في الدنيا وطناً
كي تجني الريحُ الثمرا
أن ترسمَ
ألفَ سماءٍ
وتعلِّقُ فيها قلبكَ قافيةً أو شجرا
أنْ تركضَ من أجلِ الشيءِ
وتجني الّلاشيءَ
وتحتضنَ الحجرا
أمرٌ قاسٍ
قاسٍ جدّاً
مثلُ الموتِ بلا سببٍ
إني أصبحتُ ضريراً
ما عدتُ أرى
..



أقفُ الآنَ على طرفِ الكونِ الأولِ
فالطرفُ الثاني خونَهْ
أقفُ الآنَ على ظلِّي
يمتدُّ ويقصرُ
من ميلادي حتى ألفِ سنَهْ
أقعُ الآنَ من الكونِ
أسيراً بينَ الساسةِ والكهنَهْ

....



الوجوهُ نفسُها
الدروسُ نفسُها
وأنا نفسي
من قالَ: إنَّ العالمَ يتغيرُ؟
***
الأحياءُ أنفسُهم
الموتى أنفسُهم
الشهداءُ من كلا الطرفينِ أنفسُهم
من قالَ: إنَّ العالمَ يتغيرُ؟
***
القمامةُ نفسُها
الزبالونَ أنفسُهم
الحثالاتُ في الحاويات أنفسُهمْ
من قالَ : إنَّ العالمَ يتغيرُ؟
***
العينُ نفسُها
المخرزُ نفسهُ
التاريخُ نفسهُ
من قالَ :إنَّ العالمَ يتغيرُ؟
..



لا تؤجِّلْ إلى غدٍ موتاكا
فهنا القبرُ جاهزٌ وهناكا

الحياةُ التي أراها جمودٌ
ربَّما الموتُ قد أتاحَ الحراكا

بينَ موتي وبينَ موتِكَ شبرٌ
ستراني تحتَ الثرى وأراكا
...



الوقتُ

كانَ يأخذُ كلَّ تفاصيلِنا المستحيلةِ والممكنهْ
سلسٌ في تعاملهِ
ليسَ يفرضُ شيئاً عليكَ
ولكنَّهُ حازمٌ في التنصُّلِ منكَ
إلى ما تريد وما لا تريدُ
من الأمكنهْ
ربما يضحكُ ...
يبكي بلا سببٍ واضحٍ
معهُ تستريحُ وتتعبُ في يدهِ الليِّنهْ
مع هذا عنيدٌ في مسيرتهِ
عندما تتمنَّى الوقوفَ قليلاً
يظلُّ يسيرُ..
يسيرُ
إلى آخرِ الأزمنهْ
هادئٌ
صاخبٌ
مغتدٍ
رائحٌ
لا يبالي بنا
بقصائدنا المحزنهْ
يأخذُ الأصدقاءَ
ويأتي بكلِّ الحثالاتِ والخونهْ
إنهُ الوقتُ في سرِّهِ
ومسيرتهِ المزمنهْ
قلبهُ من حديدٍ
وأفكارهُ
مرةً جدُّ كافرةٍ
مرةً مؤمنهْ
عيبهُ
ربَّما عيبُنا
أنهُ كالهواءِ وكالماءِ
نموتُ إذا غابَ
لكنهُ لا يبالي بنا
عيبهُ
أنهُ لا يحبُّ له القهقرى
مثلما يفعلُ الكهنهْ
بينما النفسُ أمارةٌ بالبقاءِ
مع الوقتِ لو ساعةً
لا سنهْ
آهِ..
يا نفسَنا المدمنهْ
.....



نيرُ الزمانِ على قلبي ..على عُنقي
أظلُّ أحلمُ حتى آخرِ الرَّمقِ
بطيف ِحريةٍ غابَتْ عرائسُها
لم يبقَ في الأفْقِ إلا جثَّةُ الأفُقِ
كلُّ الغيومُ التي طافَتْ بقافيتي
تعرَّضَتْ للصوصِ الليلِ والطرقِ
كلُّ العصافيرِ عن دنيايَ راحلةٌ
وحدي أنا مثلما حبرٌ على ورقِ
يا أيها الحلمُ المشقوقُ من ظمأٍ
إن لم تجدْ غيثكَ المدرارَ فاحترقِ ..



بين موتين من قديمي

خارجا كنت من
دبق الأغنيات الحزينة
طائشا كالسكارى الذين
يجوبون أرصفة رثة
في الدروب اللعينة
جثتي تتأبط ميلادها
تستفز توابيت أيامي المستكينة
سوف أجري وراء الخلاص
و أفتح نافذة في الهواء
و أخرج من جسدي
مثلما يخرج الصمت من
صلوات الضغينة
أيها المتواري وراء الدخان
تشبث بنفسك و اذبح خراف السكينة
و اشته الموت في آخرا لزمن المتآكل
في أول اللحظات المريرة
مثل بقايا سفينة
لست بالمشتهي اللغة الواقفة
مثل تمثال أغنية راعفة
إنني الآن افتح مقبرة حية
في الطريق المؤدي إلى
نطفة تالفة
ثم أدخل هذا النشيج المدور كالأرغفة
وأزين جدرانه الخائفة
بدموع القصيدة .. بالقبلة النازفة
أتذكر دمع القصيدة
مختلطا بالكلام الظليل
فوق صرح الهوى وقفت لتنادي :
" تعال .. أزح عن دمي وطأة المستحيل "
غير أني مشيت
و خلفي القصيدة
تعوي كوحش قتيل
و أمامي الكآبة ترقص..
تربط روحي بقيد ثقيل
بين عيني خارطة للاغاني التي
أشتهيها و تطردني
بين صوتي ورجع صداي
خرائط ممحوة المدن
الرياح تجوب على القلب
تفتح فيه نافذة للانتحار الجميل
و تشق دروبا إلى موعد مستحيل
و أنا صانع كفني من خيوط القصيدة
قابع بين حربين ..
أمسح وجهيهما بصلاة جديدة
أتذكر موتاي
أعراسهم لا تزال ترن
رنين القيامة و الشهداء
أتذكر حزني الذي يتوقد ..
يشعل ثلج الحكايات ..
صمت الهواء
أتذكر ظلي الذي كان يسبقني
للوصول إلى امرأة
تقطن الآن في شهقاتي الظلماء
أتذكر نعناعها عالقا بدمي
وحده بين كل الدماء
أتذكر صوتي الجريح
يجر خطاه من الخوف نحو الوراء
أتذكر موتي الجميل على يدها
فهي تمنحني الموت
كيف تشاء
....
1994



كلما قررتُ تركَ الشعرِ
يبكي غضبا
كلما قلتُ: دعْني معَ نفسي
قالَ :هاتِ السببا
حيلتي ضيِّقةٌ
لا أحبُّ الكذبا
أيها الشعرُ انسحبْ من كلماتي
كلُّ شيءٍ من حياتي انسحبا
أولم تضجرْ من الحزن عندي
عندَ غيري قد تلاقي العجبا
انسحبْ مني قليلاً
لم أعدْ أقدرُ أن أحصي هداياكَ
وإني لم أقدِّمْ لكَ إلا التعبا
هل من العدلِ بقائي فيكَ حتى هرمي
أو تنوي أن تعيدَ لي الصِّبا؟
لا تكنْ أعندَ مني
سوفَ أمضي في طريقي
هائماً مضطرباً
سوفَ أمضي هربا ...



على لسانِ نازحٍ سوريٍّ

آهِ منِّي ومن زماني.. آهِ
كلُّ ذئبٍ يقتاتُ لحمَ شياهي

وأنا دونَ قوَّةٍ ومُعينٍ
عن عذابي كلُّ الخلائقِ لاهِ

فأمامي جحافلُ الموتِ تتْرى
وورائي مفازتي ومتاهي

مستعينٌ باللهِ كلَّ حياتي
لا بعبدٍ ولا "بحزبِ اللهِ "

في خيام الشَّتاتِ يُقصمُ ظهري
وكأني خيطُ العناكبِ ..واهِ؟

بينَ قتلٍ مُمنْهجٍ ونزوحٍ
يتبدَّى للعينِ ذلُّ الجباه

كلُّ ..كلُّ الجهاتِ تصنعُ موتي
وصديقي مُعرْبِدٌ في الملاهي

آمرٌ في غربِ الجهاتِ مُطاعٌ
ومن الشرقِ آيةُ الشرِّ ناهِ

جعَلاني ضَحيَّةً.. أرخصَاني
فدمائي تُباعُ مثلَ المياهِ

لا تقلْ: أفٍّ أيُّها الموتُ إنّي
ببقائي حيَّ الرؤى مُتباهِ .



ما زلتُ أعرفُ أصدقائي
من نبرةِ الصوتِ التي بينَ الهواءِ
من بحثهم عني طوالَ الوقتِ
في حزنِ المساءِ
من لونِ أعينهم
تحنُّ إلى اللقاءِ
من أرضهم ضاعتْ
وضاعوا في العراءِ
من خوفهم
من جوعهم
حرمانهم
من بعضِ ماءِ
ما زلتُ أعرفهم
فما زالوا كما كانوا
حريقاً في دمائي
يا أصدقائي
لا تذهبوا للموتِ
خلّوكم هنا
أنتمْ رجائي
أما أنا
فإذا اختفيتُ فلا تبالوا
باختفائي
لا..لستُ أمنعكُمْ
من الضَّحكِ الطويلِ..
من البكاءِ
فلقد تساوى كلُّ شيءٍ
آهِ..
حلُّوا عن سَمائي

...



مشهدٌ من فيلمٍ طويلٍ

من دمشقَ إلى حلبا
قد رأيتَ دمَ الحرِّ منسكبا
ورأيتُ الزمانَ بقلبيَ مكتئبا
ورأيتُ الدمارَ يدمِّرنا كلما اقتربا
ورأيتُ الضياءَ خبا
ورأيتُ هنالكَ أمِّيَ ثكلى..
رأيتُ الأبا
ورأيتُ الجميعَ يموتونَ
لا أعرفُ السببا
ليتني ما ذهبتُ إلى حلبا
أوَ هذا مصيرُ الذي ذهبا ؟؟

...



من عهدِ أندلسٍ حتَّى فلسْطينا
أرواحُنا وحدَها كانَتْ قرابينا

ولم نزلْ نعبدُ الأصنامَ تافهةً
وندَّعي الحقَّ والإيمانَ والدِّينا

هذي الوجوهُ جميلاتٌ بأقنعةٍ
ولو أُزيلَتْ لشاهدتَ الثَّعابينا

تاريخُنا دمُنا المسفوكُ عن عبثٍ
فالطائفيَّةُ ما زالَتْ تغذِّينا

إلى متى وغيابُ العقلِ يحكمُنا
وهذهِ الريحُ تُدْنينا وتُقْصينا

نغفو على ألمٍ ..نصحو على ألمٍ
أليسَ من أملٍ يأتي فيُحْيينا..؟
...



أسترسلُ في صمتي
أسترسلُ في موتي
لا منفايَ الشاسعُ يسمعُني..
لا بيتي
أستنجدُ بالأحلامِ
وبالفرسانِ
وبالأحياءِ
وبالموتى
أحدٌ منهمْ لا يأتي..
....



الليلةَ:
غيري لهُ
أكثرُ من قصيدةٍ في الوطنِ
أما أنا فليسَ لي قصيدةٌ
وليسَ لي من ناقةٍ أو جملٍ
في وطني
***
منذُ ألفِ ليلةٍ وليلةٍ:
أنا احترقتُ فهيَّا مثليَ احترقي
حياتُنا كلُّها حبرٌ على ورقِ



فاضتْ بي الأحزانْ
كأنما
لا وطني بحيرةٌ
ولا أنا ظمآنْ
أمشي وراءَ غربتي
أبحثُ في الإنسانِ عن إنسانْ
يا وطني
يا غربتي
كلاكما سيانْ
أحلاكما مرٌّ
كما الموتِ على سواحلِ النسيانْ
قد قرَّروا
حذفَ الربيعِ من فصولِنا
سفكَ العبيرِ من حدائقِ الريحانْ
مثقَّفٌ يلعبُ بالألفاظِ والأفكارِ في
خمَّارةِ الأوطانْ
وملتحٍ متاجرٍ بالدينِ والقرآنْ
يحلمُ بالكواعبِ الأترابِ
والغلمانْ
لقد خسرنا كلَّ شيءٍ فجأةً
فصولَنا
عقولَنا
أحلامَنا العجافَ والإيمانْ
لم يبقَ إلا ناسكٌ
يبحثُ عن صلاتهِ
في حارةِ الشيطانْ
لم يبقَ إلا فارسٌ
يبحثُ عن حصانهِ وسيفهِ
في واقعٍ جبانْ
لم يبقَ إلا شاعرٌ
يعاقرُ الجنونَ والنيرانْ
إني أرى رؤوسَنا مقطوعةً
أحلامَنا ممنوعةً
أقلامَنا مصروعةً
بلادَنا مفجوعةً
بحاضرٍليسَ لهُ عنوانْ
أو بغدٍ محطَّم الأركانْ
فداعشٌ لم يأتِ من أيِّ فراغٍ
بل أتي
من دمِنا
من عظمِنا

من لحمِنا
من فكرِنا الخوَّانْ
يا هذهِ القططَ السِّمانْ
عيشي على أكتافِنا
بولي على آنافِنا
تقبَّلي تحيَّةَ الفئرانْ
فنحنُ مذْ ولادةِ التاريخِ
مُغرمونَ بالأوثانْ
نصنعُها
نعبدُها
من أجلِها نُهانْ
حياتُنا مجهضةٌ
بلادُنا مزرعةٌ
حروبُنا دائرةٌ
لكي يطيلَ ربُّنا
في عُمُرِ السلطانْ
قد تعبتْ أجسُادنا
تهرَّأتْ أرواحُنا
وهذهِ قصَّتُنا موجزةً
يا سادتي الكرامْ
وكانَ ياما كانْ



لَوْ كُنْتُ ظِلاًّ
لَشَكَرْتُ مَنْ يَأْوِي إِلَيْ
***
لَوْ كُنْتُ خَيْطَاً
لَرَقَعْتُ أَثْوَابَ القَصِيدَهْ
***
لَوْ كُنْتُ بَحْراً
لَوَهَبْتُ مَوْجِي للسَّماءْ
***
لَوْ كُنْتُ شَيْئاً
لَدَخَلْتُ في حزبِ القِطَطْ
لَكنَّني..
لا شَيْءَ..
قَطْ
...



أرزاق

رزق الطبيب على المريض
رزق حفار القبر على الميت
رزق البوياجي "ماسح الأحذية" على الحذاء
رزقي على الأفعال الخمسة والأسماء الخمسة
رزق الغني على الفقير
رزق الغريب على الذكريات
رزق الوطن على المواطن
رزق الطاغية على كل هؤلاء
....



كالقطيعِ
نُساقُ إلى حتفِنا
كالقطيعِ
انتظرْنا الربيعَ سنينَ سنينَ
ولم نحظَ قطُّ
بأيِّ ربيعِ
بينَ موتينِ
نغدو.. نروحُ
هوَالموتُ حقَّ الجميعِ
بالدِّماءِ نلاقيهِ
ثمَّ نودِّعُهُ بالدُّموعِ
أمَّنا الأرضَ
هل فيكِ متَّسعٌ للمزيدِ
من الموتِ
في ظلِّ هذا الخرابِ المريعِ؟

..



مِنَ الفُراتِ إلى العاصِي إلى برَدَى
بَحثْتُ عنْ أصْدقائِي..لمْ أَجِدْ أَحَدَا

بحثتُ عن نفسيَ الجرداءِ ..عن وطنٍ
الكلُّ يهربُ مني الآنَ مبتعدا

يا أيُّها الوطنُ المذبوحُ من زمنٍ
البحرُ غيضَ ..أضمُّ الريحَ والزبدا

صمتٌ يخيِّمُ في أرجاءِمقبرةٍ
فما هناك سوى صوتي ورجعِ صدى

لا شيءَ بعدَ زمانِ الوصلِ يجمعُني
إنَّ الصحابَ جميعاً أصبحوا شُهَدا

كم من دماءٍ أريقتْ فوقَ قافيتي
وضرَّجَتْ بسناها الروحَ والجسدا

كم أمهاتٍ سكبنَ الدمعَ في حرقٍ
وقد فقدنَ حبيبَ القلبِ أو ولدا

وكم أنا في مهبِّ الليلِ منتظرٌ
فجراً يجيءُ غداً ..فجراً يجيءُ غدا



أيلولُ

كانَ أيلولُ طفلاً يشاغبُ في الذاكرهْ
لم يكنْ يعرفُ الحزنَ إلا قليلاً
لقد كانَ يعرفني جيداً
من خلالِ القصيدةِ
وهي تحطُّ على الغيمةِ الماطرهْ
كانَ أيلولُ شدواً عتيقاً
تخلّى عنه الأصدقاءُ
فقد طعنوهُ بلا رحمةٍ
تركوهُ يدافعُ عن نفسهِ
وهي غائبةٌ حاضرهْ
ورقٌ في مهبِّ الغيابِ
وقلبٌ يؤرخُ عهدَ الشبابِ
وزغردةُ الأمهاتِ على البابِ
في ردهاتِ الجنينةِ..
في الحلمِ..
في الصفقةِ الخاسرهْ
هو شهرُ البلادِ التي زفتِ الشهداءَ
هو الموتُ منتصفَ الليلِ
حينَ ينامُ الكلامُ
ويوقظ فيهِ جراحاتهِ الغائرهْ
جاءَ أيلولُ يمشي على جسدي
ويكلفني بالسلامِ على وطنٍ
دمهُ ساخنٌ
قد تزحلقَ ما بينَ دنياهُ والآخرهْ
جاءَ يسألُ عني
وما زلتُ بينَ الغيابِ
وطعنتهِ الغادرهْ
أحتمي بالحياةِ من الموتِ
بالموتِ من غزواتِ الحياةِ
وأعرفُ مقدارَ أحكامِها الجائرهْ
جاءَ يسرقُ مني الغبارَ المكدسَ في غرفتي
يتظاهرُ بالحبِّ
يشعلني بحكاياتهِ الساخرهْ
وأنا أقتدي بظلالي
بشوقي الدفينِ
إلى امرأةٍ
وحدها في معاييرِ عبقرَ
شاعرةٌ شاعرهْ
هو أيلولُ في داخلي
زهرةٌ من لهيبِ
سيذكِّرني أبداً
بحبيبي..
صرتُ أبكي كطفلٍ
وكامرأةٍ خلفَ...
خلفَ الغيابْ
وورائيَ قدْ جف نبعي
وأمامي سرابٌ..
سرابْ
فلماذا أؤجِّلُ موتيَ
هلْ لأمتِّعَ طرفي
بهذا الخرابْ..؟
هل لأشهدَ عصري الثقيلَ
وأشهدَ حلمي الهبابْ..؟
ماتتِ النارُ
والثلجُ ذابْ ....

..



وطن

لو كان عندي فرس لحلمت أن أكون فارسا
لو كان عندي هواء لتنفست الصعداء
لو كان عندي قمر لتحديت الليل
لو كان عندي ماء لسقيت أزهار الأمل
لو كان عندي أمل لتخليت عن يأسي المزمن
لو كان عندي غد لاحتفلت بيومي
لو كان عندي زهور لدعوت إليَّ الفراشات
لو كان عندي وقت لأعدتني إلى الطفولة
لو كان عندي كل ما سبق لكان عندي وطن



أحسُّ بأنّي أجرُّ قطاراً ورائي
وأنَّ القصيدةَ بينَ يديَّ
تضيقُ بحجمِ بكائي
وأنَّ السماءَ على الأرضِ خرَّتْ
فأصبحتُ دونَ سماءِ
ترى ما ذريعةُ هذا الظلامِ
يخيّمُ فوقي وتحتي
ويجعلُ صيفي شتائي
وكيفَ الجهاتُ بلا جهةٍ
من أتاني بعصرٍ بدائي
أحسُّ بأنَّ الزمانَ ثقيلٌ
وأنَّ الإقامةَ فيهِ
دليلُ الغباءِ
لقد ضقتُ بالحلمِ ذرعاً
لقد صارَ عبئاً
أريدُ التخلصَ منهُ
كما يتخلَّصُ سجنٌ من السجناءِ
كما تتخلَّصُ أرضٌ من الدخلاءِ
كما تتخلصُ روحي
من الشعرِ
والشعراءِ
أحسُّ بأني أجرُّ قطاراً ورائي

...



القصيدةُ

تبثَّ القصيدةُ أسرابَها
فتمنحُ للقلبِ أطيابَها

تجيءُ من الغيمِ مبتلَّةً
على القلبِ تسكبُ أنخابَها

إذا انغلقَ الكونُ أجمعُهُ
تراها تفتِّحُ أبوابَها

وإن غابَ عني عبقرُها
بقلبيَ أملأُ أكوابَها

معي نجمةُ الشعرِ ساهرةٌ
تعلِّقُ في الليلِ أهدابَها

أضمُّ القصيدةَ حبَّاً بها
كذلِكَ تحضُنُ أحبابَها

فلولا القصيدةُ لامتلأتْ
حياتيَ موتاً وأودى بها

على ضفَّةِ الليلِ مجلسُنا
ألمُّ..أبعثرُ أثوابَها

وتتقنُ فنَّ المجيءِ إليّ
لذلكَ أعشقُ آدابَها

إذا ما تأخَّرَ موعدُنا
تهاتفُ ..تذكرُ أسبابَها

خذوا كلَّ شيءٍ ولكنْ دعوا
لروحيَ- باللهِ- محرابَها

فنفسي بلانورِ أنفاسِها
ظلامٌ يزلزلُ أطنابَها

أنا في مداهاأضمُّ الشذا
وأجمعُ للحبِّ أكوابَها

طيورُ الحديقةِ آتيةٌ
تواكبُ في الفجرِ أسرابَها

مساءً أفتِّشُ عن طيفِها
ويا ليتني نلتُ أسبابَها

هي الآن تمضي إلى لهفتي
لتسقيَ للتوِّ أعشابَها




لا تمتْ في فراشكَ
لا تمتْ في غربتكَ
لا تمتْ في قصيدتكَ
باختصارٍ شديدٍ:
لا تمتْ أبداً
***
أنا أقتربُ منكِ
وأنتِ تقتربينَ مني
فلماذا لانصل إلينا بعدُ؟
***
حبكِ نسبيٌّ
حبكِ مطلقٌ
حبكِ ممكنٌ
حبكِ مستحيلٌ
ياه
ما أكذبني
***
الأسماكُ تعيشُ في البحرِ
والنجومُ تعيشُ في السماءِ
وأنا أعيشُ فيكِ
***
من خطوطِ يديكِ
إلى خطوطِ الطولِ
حملتُ السلَّمَ بالعرضِ
***
لو كنتُ غيري
لو كنتِ غيركِ
لما التقينا في القصيدةِ
***
عندما تفتحُ الأبجديةُ بابها
أسرقُ ما شئتُ من حروفٍ
حروفٍ تكفي لوصفِ القليلِ من غيابكِ
***
الدوخةُ التي تصيبني
هل سبُبها دورانُ الأرضِ
أم دوراني حولكِ؟

فاضتْ كنورِ الصبحِ والحبقِ
استطونتْ في القلبِ والحدقِ

طابَ الحديثُ على معارجِها
من عهدِ حلمي الحالمِ النزقِ

هذا أنا أشتاقُ موعدَها
وأظلُّ طولَ الليلِ في أرقي



هذهِ الليلةَ
أشواقي تزيدُ
لا رسولٌ سوفَ يأتي
لا بريدُ

وأنا منتظرٌ..
منتظرٌ
ورسالاتيَ
رملٌ وحديدُ



لن ترى بعدَ اليومِ قطُّ دمشقا
أتراها على الخريطةِ تبقى؟

كل أنقاضِها على القلبِ خرَّتْ
فإذا القلبُ في الحرائقِ يشقى

عاثَ فيها الفسادُ سلباً ونهباً
وقضى داعشٌ على ما تبقَّى

منذُ فجرِ التاريخِ والشامُ شامٌ
والنواقيسُ والمآذنُ أنقى

ها هيَ اليومَ دامعاتُ المآقي
وكأنَّ السماءَ بالدمعِ تُسقى

لو خسرنا الشآمَ نخسرُ عدْناً
أولْسْنا بالياسمينِ أحقَّا..؟




جدِّدي الشعرَ فالحياةُ هباءُ
ليسَ لي فيها نجمةٌ أو سماءُ

يتوارى خلفَ الظلامِ صباحي
ويواريني في مداهُ الهواءُ

هذهِ أنتِ خمرةٌ من حروفي
وخيالٌ مجنَّحٌ وغناءُ

أنا في صمتكِ الجميلِ كلامٌ
وعلى راحتيكِ نارٌ وماءُ

نحنُ في الريحِ ريشتا مستحيلٍ
وخلودٌ يخافُ منهٌ الفناءُ




أنامُ في سوريهْ
أصحو على سوريهْ
أليسَ في الكونِ
سوى سوريهْ؟
أكلُّ هذهِ الدماءِ
في سبيلِ قطرةٍ واحدةٍ
من غيمةِ الحريهْ
يا وطني المسكينَ
يا حلماً محترقاً
بلا هويهْ
الكلُّ في ذبحِكَ قد توحَّدوا
باسمِ النضالِ المرِّ
والقضيهْ


انتصرَ اليمينُ
انتصرَ اليسارُ
انتصرَ الديوثُ والقوادُ
والسمسارُ
انتصر المفكر الثوريُّ
والحمارْ
ووحدها قصيدتي مهزومةٌ
ووحدها مدينتي تنهارُ



رضيتُ بالهمِّ ولم يرضَ بي
من مشرقِ الشمسِ إلى المغربِ
لكنهُ يرسلُ أعوانهُ
ليعبثوا بقلبيَ المتعبِ
ثمَّ أراني هكذا دائماً
أسعى من الصعبِ إلى الأصعبِ
أصعبُ ما في الكونِ روتينهُ
وأنتَ تنقادُ وراءَ الغبي
تفاؤلي مللتُ من عقمهِ
تشاؤمي بلا.. بلا مذهبِ
فلا مكانَ في الدُّنا صالحٌ
وليسَ لي- واللهِ - من مهربِ
قصيدتي في الريحِ ميعادُها
لها أقولُ الآنَ: لا تكذبي
تزيِّنُ الحياةَ لي دائماً
وما أنا في الكونِ بالمذنبِ
فحورُها وغيدُها في يدٍ
غيرِ أمينةٍ كما العقربِ
أقيمُ في جناتها مرغماً
كما تقيمُ الرِّجْلُ في الجوربِ
ما هذهِ الدنيا سوى ملعبٍ
يا نفسيَ الحمقاءَ لا تلعبي
>>



أختفي خلفَ ظلِّي
لكي لا يراني الهواءْ
أحتسي خطواتي التي
تتراجعُ نحوَالوراءْ
كانَ عندي الصباحُ
وكانَ عندي المساءْ
تركاني وحيداً
كقافيةٍ في العراءْ
أختفي
أتلاشى
كما غيمةٍ
في السماءْ
من دليلي إلى عبقرٍ
لأقولَ لهُ:
عطشُ الروحِ
يحتاجُ قطرةَ ماءْ
من دليلي إليَّ
ظلامي ادلهمَّ
وضاعَ الضياءْ

...


الشيخ هاني فحص:

يتركونَ روائحَ أحلامهِمْ
يرحلونْ
يسكبونَ السماءَ على روحنا
يرحلونْ
ويمرونَ كالريحِ في نارِ أيامِنا
يرحلونْ
كلما رحلوا
فقدَ الكونُ حكمتهُ
وتوحَّشَ هذا الجنونْ



يلوذونَ بالمستحيلِ
وبالممكنِ
بأرضٍ تضيقُ على المؤمنِ
ونحنُ نلوكُ الكلامَ..
لأعدائنا ننحني
دعوا كلَّ شيءٍ..
دعوهُ
وموتوا دفاعاً عن الوطنِ



لهبُ العاشقِ

لهبُ العاشقِ لا ينطفئُ
قدحُ العاشقِ لا يمتلئُ
فترى في يدهِ الكونَ جديداً
عندما يهترئُ
وإذا ما اجتمعَ الموتُ عليهِ
فبهِ يستهزئُ
تنتهي الأشياءُ في خارجهِ
داخلهُ يبتدئُ
...



إن الذي يجري دماءُ
لا الأرضُ ترضى لا السماءُ
متأسلمونَ توحَّشوا
من إبطهمْ يأتي الوباءُ
والقادةُ السخفاءُ في
شطحاتِهم راحوا وجاؤوا
أما الضحايا فالمنايا
حظُّهمْ ..ليسَ البقاءُ
من ظلَّ حياً لم يَلُحْ
في دربه إلا الهباء
فقدَ الأمانَ وظلّهُ
أينَ النسائمُ والهواءُ
في أرضِ كوباني يدٌ
سوداءُ رايتُها الهراءُ
في أرضِ كوباني الطفو
لةُ استبيحتْ والنساءُ
سوريةٌ بيدِ الزناةِ
مصيرُها... حيثُ الفناءُ
.....



أماميَ ينفرطُ الموعدُ
فلا أمسِ مؤتلفٌ أو غدُ

وحلمي تعفَّنَ في لحدِهِ
وشوقي إلى غيرِهِ أسودُ

ولم يبقَ عنديَ غيرُ يدي
سيأتي زمانٌ ومالي يدُ
....




ولأني ثقيلٌ
سأحملُ نفسي بنفسي
لستُ أحتاج شيئاً
سوى قلمٍ
وهواءٍ
وبقعةِ شمسِ
سوفَ أكتبُ
عن سيرةِ العمرِ
عن بلدي بين رومٍ وفرسِ
سأزورُ مقابرَ أهلي
وأبكي بحرّيّةٍ
وأهيلُ دموعي على كلِّ رمسِ
ولأني ثقيلُ
سأزرعُ أجنحةً
لأطيرَ وأشدوَ
من نجمةٍ لسواها
أطهِّرَ نفسيَ من كلِّ رجسٍ
من مخاوفَ مزمنةٍ
من أماكنَ تافهةٍ
من صراعِ الطوائفِ
من أجلِ كرسي
وعلى الظهرِ..
ظهرِ القصيدةِ
أعلنُ عُرسي



ويهزُّونَ أحلامَهمْ في العراءْ
مثلما شجرٍ غابَ عنهُ الطيورُ
وصارتْ مغيّبةً في السماءْ
يهربونَ من الموتِ للموتِ
يصطادُهمْ أينما هربوا
يا لهُ الموتُ منْ قدرٍ وقضاءْ
مرَّ صيفٌ وآخرُ
حتى حلولِ الشتاءْ
الربيعُ تأخَّرَ
أو ربَّما قتلوهُ
وإلَّا فمِنْ أينَ هذي الدماءْ؟
....



هنيئاً..
لقد راحَ نِصفُ الوطَنْ
ونِصفٌ
يواجهُ عصْفَ الزَّمنْ
وقدْ وقفَ الموتُ منتصِراً
فليسَ هنالِكَ
إلَّا الكفنْ
وكنتُ إلى أحَدٍ ما
أبوحُ
بحزْنيَ ..
والآنَ حزني لِمَنْ ؟
...



يا رائحةَ الموتِ الموتِ
في صدري ..في عقرِ البيْتِ

أوليسَ هنالكَ زاويةٌ
تخلو من نارٍ في الزَّيْتِ ؟

لا صوتَ لصوتي يا زمني
فليهنأْ بالدُّنيا صمتي

كم أنتظرُ النَّجمَ العالي
من ألفِ زمانٍ لم يأتِ
..



هذا الصراعُ الذي يخبو ويشتعلُ
في حضنِهِ يتلاقى اليأسُ والأملُ
لا أرتجي أيَّ خيرٍ من منازلةٍ
في لبِّها حنظلٌ.. في شكلِها عسلُ
لا يُفلحُ المرءُ إنْ غابَتْ إرادتُهُ
وصارَ يوماً على الشَّيطانِ يتَّكلُ
في أرضِنا كلُّ جلادٍ ومرتزقٍ
وكلُّهمْ في سبيلِ القتلِ يقتتلُ
وشعبُنا طيِّبٌ أزرى الزمانُ بهِ
حتى يظنَّ بأنَّ القاتلَ البطلُ
إنِّي أرى الأفقَ مفتوحاً ومنغلقاً
يمرُّ فيهِ الجميعُ : الذئبُ والحملُ
أحلامُنا في هبوبِ الموتِ راحلةٌ
ونحنُ في إثرِها نمضي ونرتحلُ
العصرُ عصرٌ ثقيلٌ تافهٌ ثمِلُ
فيهِ العصافيرُ والأشجارُ تُعتقلُ
دمشقُ تبكي على أطلالِها حلبٌ
رفقاً بغربتِنا يا أيُّها الطّللُ
يا أيُّها الغدُ ..ما زلْنا بلا غدِنا
فكيفَ لا.. ولقدْ ضاقَتْ بنا السُّبلُ؟



كي تكونَ سعيداً
عليكَ بإتعاسِ غيرِكْ

كي تكونَ مهمًّاً.. مهاباً
عليكَ وراءَ الكراسي
بإسراعِ سيرِكْ

كي تكونَ غنيَّاً
عليكَ عنِ الآخرينِ
بإيقافِ خيرِكْ

كي تكونَ جديراً بحبِّ الطيورِ

عليكَ بتكبيلِ طيرِكْ

...



إليكمْ نشرةَ الأخبارِ

هنا البلدُ
هنا تستطيعُ البكاءَ
على مَنْ سيأتي
ومَن طُردوا
هناالبحرُ مَيْتٌ
وهذا الذي يتماوجُ
فقَّاعةٌ..زبدُ
هنا كلُّ شيءٍ مباحٌ:
صلاةٌ على الغائبينَ
غيابُ الذينَ يغيبونَ
موتُ الذينَ يموتونَ
والسجنُ والجوعُ
والحبلُ والمسدُ
هنا الناسُ يستيقظونَ قليلاً
لكيْ لا يروْا وجهَهمْ في المرايا
فيرتعدُوا
تُرى ما الذي حلَّ بالقومِ
أهوَ عيونُ الحسودِ
أمِ الحسدُ
هنا البلدُ
وفيه البغاثُ تُحلِّقُ.. تستنسرُ
وفيهِ السماءُ ملبَّدةٌ بالدماءِ

دماءِ مَنِ استُشْهدُوا
وفيهِ يجوعُ الفقيرُ
ويطغى الغنيُّ
ويستفردُ
هنا البلدُ
له الحلمُ والانتظارُ المملُّ
وليسَ لهُ أبداً لا يدٌ
أو غدُ
..



منذُ صمتٍ وصرختيْنْ
وبلادي ما بينَ بينْ
وضعوها في علبةٍ
معَ ذئبٍ ونعجتينْ
منذُ حلمٍ وآخريْنْ
قد تلاشتْ في شربتيْنْ
وبلادي قصيدةٌ
من رمالٍ ومن لجيْنْ
تتحدَّى أعداءَها
بدعاءٍ وآيتينْ
استغاثتْ من الرمالِ
استغاثتْ بجمرتيْنْ
كلُّ عشاقِها أتوْا
لستُ أدري من أينَ ..أينْ
كلهم صارَ فائزاً
صرتُ وحدي صفرَ اليديْنْ
هل رأيتمْ أطلالها
أثراً صارتْ بعدَ عينْ
وحدَها في مصابِها
دونَ ابنٍ ووالدينْ
هل لها من قيامةٍ
بعدَ أنْ ماتتْ ميتتينْ؟



وصْمةٌ

مَنْ يحاربُ منْ؟
اليسارُ تطرَّفَ.. صارَ يميناً
اليمينُ تطرَّفَ.. صارَ يساراً
فكيفَ سأختارُ من سيمثِّلني
في خرابِ الوطنْ
إنَّ هذا دمي
ليسَ ماءً يسيلُ
وليسَ هواءً
يدورُ على نفسِهِ في كفنْ
منذُ دهرٍ وثانيتينِ
أصبِّرُ نفسي
أقولُ لها:
إن أردتِ اخرجي من ظلامي
ومن كلماتي
ومن حلُمي المُحتقَنْ
كلُّ شيءٍ يضيعُ
بلادي التي في القصيدةِ
شمسي التي في الحديقةِ
حقي الذي في الحقيقةِ
شوقي الذي لستُ أدري لمنْ
إنَّ ما يحدثُ الآنَ للقلبِ
من طعناتٍ
ومن لعناتٍ
ومن رمقٍ مزمنٍ
وصمةٌ في جبينِ الزَّمنْ



الدليلُ الذي دلَّني
تاهَ وسْطَ الطريقْ
لا أمامَ لهُ
لا وراءَ لهُ
وحدَهُ الجرحُ متسعٌ
والمكانُ يضيقْ
الدليلُ الذي ابتعدَ الآنَ عني
تكوَّمَ مثلَ الرمادِ على نفسِهِ
تاركاً في هشيمي الحريقْ
وأنا شاعرٌ فاشلٌ
ليسَ لي لغةٌ أستعينُ بها
أو خيالٌ طليقٌ..طليقْ
سوفَ يقتلني قاتلٌ
قد يكون عدوِّي اللدودْ
ليته لا يكونُ صديقَي الصدوقْ
هكذا الظنُّ يسرقني
من يقيني
وتأتي العداواتُ
من كلِّ فجٍّ عميقْ



يتاجرُ بالدنيا وبالدينِ صاحبِي
ويحلمُ بالغيدِ الحسانِ الكواعبِ
وليسَ معي إلا القصيدةُ وحدَها
سمائي التي أرتادُها وكواكبِي
يرى نفسَهُ قد فازَ فوزاً مؤزَّراً
يراني قليلَ الحولِ ..ضحلَ المواهبِ

أراهُ بلا دينٍ.. ودنياهُ كلُّها
تقاسُ بأشتاتِ الأماني الكواذبِ
...



ستونَ

منذُ ستينَ عاماً
أتيتُ إلى هذهِ الأرضِ
يا ليتني ما أتيْتُ
في الطفولةِ أمَّيَ كانتْ تعطِّرني
بمحبَّتها
ولكم فوقَ أهدابِها قدغفوْتُ
في الشبابِ تغرَّبتُ عنها قليلاً
وكانتْ تشمُّ ظلالي
وكنتُ أشمُّ القصيدةَ في راحتيها
وما..ما ارتويْتُ
في الكهولةِ صارتْ تقولُ:
جميلي الصغيرَ
صغيري الجميلَ
وتبكي
وكم مثلها قد بكيْتُ
ها أنا في مكاني البعيدِ
أعدُّ الزمانَ
وأرفو المكانَ
وأذكرُ حبي المعتّقَ
مَنْ قالَ: إنّي نسيْتُ؟
منذُ ستينَ عاماً
تغيرَ لونُ زماني
ولونُ مكاني
ولم يتغيرْ حنيني إليها
فثمَّةَ حلمٌ وبيْتُ
ليتني لم أجئْ منذ ستينَ عاماً
ليتني عندَ أوَّلِ يومٍ بقيْتُ
سوفَ أرحلُ ذاتَ زمانٍ وحيداُ
كما ولدتْنيَ أمِّي
وعندي من الأرضِ قبرٌ
كما كانَ عنديَ قبلَ قليلٍ
من الشعرِ بيْتُ
منذ ستينَ عاماً
وما من جديدٍ على هذه الأرضِ
غيرُ بلادي
بلاديَ مقبرةٌ
يا تُرى
هل سأرجعُ حيَّاً إليها
أيرجعُ ميْتُ..؟
..



ظامئٌ
أشربُ أنهارَ سرابي
جائعٌ
أقضمُ أحلامَ شبابي
يائسٌ
أسرحُ في ظلِّ عذابي
شاعرٌ
أكتبُ ديوانَ خرابي
ضائعٌ
أبحثُ عن مفتاحِ بابي
حائرٌ
لستُ أدري أبداً أسبابَ ما بي
إلخ..إلخ..
...



إذا غيضَ نبعُ القصيدةِ يوماً
وضاقتْ بيَ الأرضُ
أينَ المفرُّ؟
إذا ما بلادي تصيرُ رمادي
وتسقطُ فوقي السماءُ
فكيف أموت قريرَ الفؤادِ
وهل سيرحِّبُ بالميْتِ قبرُ؟
إذا طارَ عقلي
وقالَ الجنونُ
دواؤكَ عندي
فكيفَ سأنجو من الأمنياتِ
وفي يدِ غيري أُجرُّ؟
إذا ما شربتُ وحولَ خطايَ
ونمتُ على صدأِ الذكرياتِ
فهل سوفَ يمضي الخريفُ المريرُ
ويمضي الربيعُ الأمرُّ؟
بلاديَ كانت وصارتْ لغيري
فلا العبدُ عبدٌ
ولا الحرُّ حرُّ
وما زلتُ أبحثُ بينَ رمادِ القصائدِ عني
وأبحثُ عن أصدقائيَ
خلفَ خطوطِ العدوِّ
وأبحثُ عن كلماتي التي
من سماها تخرُّ
مضتْ سنةٌ
سنتانِ
ثلاثٌ
وحربُ القبائلِ كرٌّ وفرُّ
أنا كلُّ خوفي
إذا الليلُ طالَ وطالَ
ولم يأتِ بعدَ دياجيهِ فجرُ
أنا كلُّ خوفي
إذا متُّ يوماً
فيغدوالعدوُّمقيماً بأرضي
ويُمسي الصديقُ
مرورَ الكرامِ يمرُّ


...



بيني وبين الليلِ أضواءُ
بيني وبينَ الأهلِ أصداءُ
ما زلتُ مقتنعاً بأنَّ دمي
حيٌّ ولو فيهِ طغى الداءُ
بيني وبين الأرضِ سنبلةٌ
كلتاهما في اللونِ خضراءُ
الموتُ..ليسَ الموتُ يغلبني
ولهُ يغنِّي الآنَ أعداءُ
جبَلي بقلبي لا تزعزعُهُ
ريحٌ ولا يودي بهِ ماءُ
فأنا الذي لا أنثني ليدِ
سوداءَ ..فالأحلامُ بيضاءُ
كل الذين مشوا على جسدي
ماتوا ..لأنَّ الموتَ مشَّاءُ
تتراكمُ الحربُ الضروسُ هنا
وطعامُها الآباءُ والأبناءُ
لم يأتِ بعدُ- وربِّكمْ- زمني
وإذا أتى فالحاءُ والباءُ



هي الأزهارُ تهربُ من حقولي
بربِّكِ هل يصحُّ الأمرُ ..قولي
هي الغيماتُ تأتي مسرعاتٍ
فلا تجدُ الحياةَ على طلولي
هي النجماتُ تلمعُ في الدياجي
وتتركني وحيداً في ذهولي
هي الأيامُ حبلى بالأماني
وأيامي بلا عرضٍ وطولِ
هي الدنيا كغانيةٍ لعوبٍ
وتبدو تارةً في شكلِ غولِ
هي الأسفارُ في دنيا الحكايا
وما فيها مكانٌ للذليلِ
هي الأحلامُ تولدُ كلَّ حينٍ
فتجهشُ بالغيابِ وبالذبولِ