قلب في العراء


1 قراءة دقيقة

قلب في العراء
وكان يغفو بين نوبات الألم الذي يجتاحه ويستيقظ مذعورا , كأن روحه ترفض الإقرار بالهزيمة .
..إليف شفق

تحلقت حولهُ ثلةً من حاملي الكاميرات , كانوا يميلون يمنة ويسارا وكأنهم يؤدون طقوسا لعيد وثني , كان هو يُغلق عينيه متفاديا تسلط الأضواء , ووصلته الهدايا النقدية والعينية وبطاقات الدعوة لحضور المحافل الدولية , فقد أصبح نجما مشهورا وأقرانه صاروا يحسدونه .
محطات التلفزة المحلية والعالمية خصصت له الحلقات العديدة , صاغوا القصائد عنه ,صوره نُشرت في الجرائد والمجلات ولصقت على الجدران حتى إنهم أقاموا له التماثيل .
تسأله عن دراسته , وعن أمنياته و أهله ,كان يخجل ويتلعثم ويتلجلج وردوده الموجزة اربكت المذيعة ,حاول بعضهم التدخل لمؤازرته وسط زجرها لهم ,فسنوات عمره الثلاثة عشر لم تمده بخبرة مواكبة النجومية والأضواء ,وهو الذي عاش حياة بسيطة في مدينته الواقعة على الحدود التركية .
ألبسوهُ ما كان يحلم بارتدائه دوما , كان ينظر إلى الشاشة مذهولا ,فلا يتعرف على نفسه ,
كأنه يشاهد فلما عن طفل لا يعرفه , يبتسم دون أن يشعر بالفرح وينفذ ما يُطلب منه بشكل آلي , لم يعترض على شيء , لكنه كان يتسائل في نفسه متى ينزاحُ هذا الجاثوم ؟
قربت منه المذيعة ذات الحمرة الفاقعة والشعر الذهبي مستقبل الصوت "الميكرفون منه " وهي تلوي لسانها قائلة :
ثلاثة أشهر وأنت في مستشفى خارج الوطن ,عمليات عدة أجريت لك وكان الاهتمام بك واضحا من جهات عدة , كيف هو شعورك الآن ؟ حتما أنت راضِ عن الذين تكفلوا بعلاجك ! لو تحدثنا عن ليلة القصف كيف اصبت و بماذا شعرت ؟
وسرح حسان بفكره وشرد , حنى رأسه الذي تضاربت فيه الأفكار من كل صوب , ترى أين كان كل هؤلاء عندما وقعت الواقعة ! ؟
طغت الذكرى عليه , حدق في الفراغ , ثم ارتعشت يده الوحيدة وهي تسحب الكمّ الفارغ حتى الكتف ليحجبها ويخفيها عن الأعين الفضولية , وكأنه يخشى على شعور المشاهدين بل كأنه يعتذر لهم عن قسوة المشهد .
كان يفكر لماذا لم يخترعوا حتى الآن مادة أو آلة تجعل الأعضاء المبتورة تنمو من جديد !؟
أوجعته استعادة تلك المشاعر بكل رهبتها .
تذكر أنه فزع من نومه تلك الليلة على دَوّي صوتٍ زلزل الأرض من تحته , لحقه بكاء وعويل وصراخ , رجال يتخبطون , نساء تلطم , أطفال يولولون , فجأة نسي كيف يتنفس .
انهارت الجدران من حوله أصبحت غرفته حيزا من العراء , تذكر إنه حاول أن يهرب وينجو بنفسه , لكنه كان يسبح بمادة لزجة , بيده اليمنى ازح البطانية عن جسده ثم أراد أن يجلس مستندا إلى يده اليسرى , لكنه هوى إلى السعير وبدرت منه صرخة هزت الجدران التي قاومت القذائف وبقيت منتصبة , فقد فُصلت عنه يده اليسرى مع عظمة الكتف ! كان يكرر محاولاته للجلوس رافضا الاستسلام لمشاعر الألم الرهيبة .
بيده الوحيدة مسح جبهته من فرط التَعرق , تلك الحركة سمحت له برؤية ما لم يكن يتخيله.
أشلاء أخوته , وأوصالهم المقطوعة , صعقه المشهد , شعر بالتقزز والاشمئزاز ثم غلبه الغثيان وكأن في حلقة مستمرا صدئ ،حاول أن يستفرغ لكن معدته أبت بقي مستلقيا على ظهره , جحظت عيناه .
فجأة أحدهم أنتشله وركض به , أراد أن يصرخ قائلا لا تترك يدي هنا !
لكن كان صوته مخنوقا ,ولم يكن يدرك إنه تلقى عدة شظايا اختارت جسده الغضّ مستقرا لها ....