قراءة في ديوان الشاعر شوقي بغدادي -لكلِّ حبٍّ قصّةٌ-


6 قراءة دقيقة

لكلِّ حبٍّ قصّةٌ 

قصّتنا

"غداً يُقالُ عشقوا

وصبروا وقلقوا

وعزموا، فرفعوا 

القصور ثمّ أخفقوا

وقد يمرُّ ذكرنا 

كما يمرُّ العبقُ"


دمعة تبلّل الورق، ورعشة تصيب الأنامل، أقرأ وكأنّي أتعلّم حروف الأبجديّة لأول مرّة، ولأول مرّة أقرأ الشعر، وكأنّي تلك الفتاة المسربلة بغيبوبة جماليّة.

 أقرأ، وأسأل شيخ الشعر: ماذا أقرأ؟ هل هي قصّة حبٍّ أو حبٌّ أعيشه؟

تبرق عيني، تتهدّج بدمعة لا أريد أن أفترق، ولا أريد أن أقرأ كيف صار الفراق، لكن تسألني أصابعي أن أقلب الصفحة، وأستمرّ في الوجع(القراءة)، أو في الوقوع في الحبّ عمدًا، أسير بملء الإرادة إلى ظلام يخفي خلفه شهقة من أثير، وعينًا تتلصّص من خلف زجاج الكلمات البارد، تسترق السمع لخيط الفجر الذهبيّ، معلنًا أملًا جديدًا، وشهقة حياة في دعوة: 

(أختاهُ ، لا يحزنْكِ أنْ 

في غدِنا نفترقُ

قصّتنا سوفَ تظلُّ

راية تصفّقُ، 

ونغمةً مسحورةً

للناسِ سوفَ تعشقُ)

1951كتبت في عام 

لم أكن قد ولدت بعدُ حين نقش الشاعر شوقي بغدادي هذا الأمل، وهذه النغمات المسحورة لهذا الحبّ في قصّته، راح قلبي يصفق بهجة، لأنّه وصل لي، وشكرت الإنترنت والظروف أنّي عرفته إنسانًا قبل أن أقرأ له، وعرفت الحبّ وقصصه والشغف الذي ما زال يتقطّر من روحه وأنامله حتى هذه اللحظة عن عمر يناهز ٩٢ عامًا. 

 إنّ الحبّ كالموت، جملة كنت قد وصفت فيها مقاربة ما بين الشاعرين شوقي بغدادي وجميل داري، في قراءة سريعة لقصيدة، والآن بعد أن قرأت هذا الديوان تأكّدت أنّ الحبّ يولد مع الإنسان، قدره يرافقه في كلّ مراحل حياته، وإن كان يخبو أحيانًا، أو يختفي من حياتنا، لكن تبقى هناك قصّة تطفو على سطح الذاكرة، تفيض الأقلام بها، فنسجّلها في دفاتر الحياة لنا مرجعًا وهوية. بالحبّ نحيا، ونتحرّك. 

إنّ الحبّ مظلّة واسعة مترامية الأطراف، تضمّ تحتها مختلف أنواعه، الحبّ الإنسانيّ الذي يميّز الإنسان عن باقي المخلوقات، ذلك الحبّ الذي يسرقنا من نفوسنا، ويطير بنا نحو سماوات أخرى، يفتح أبواب الحياة على مصاريعها، لنرى كلّ ما هو جميل فيها. 

"ما بيننا ما زالَ في الحيرةِ بين بين


نحن صديقانِ ولسنا بعد والهين"


هل هو تخبط ما بين الصداقة والعشق؟

إنّ الحبّ يدعونا أن نتأمّل تلك العلاقات الإنسانيّة، وكم من المرّات اختفى العشق تحت مسمّى الصداقة، دون أيّ علم منّا أو بإذننا، شغف الكلام وتلعثم الحروف، رجفة الشفاه، انتفاضة القلب، تورّد الوجنتين، أليست كلّها علامات عشق في ثوب صداقة؟ نخفي عن أرواحنا ما يراه الكلّ عدانا، أليس هذا عشقًا؟ يسأل الشاعر: أين كنت من قرع الأجراس هذه، وتلألؤ الماس في العيون، والتأمّل في الآخر؟

 أراني حين أراك، وتراني بعينيك، نمشي معًا في دروب الحياة، اليد تحتضن اليد، تنبت لنا أجنحة، لا يكدّر صفو هذا العشق إلّا التنهّد وما بينهما. 

في هذا المضمار ذكّرني بشعر الجواهري حيث قال:

في ذِمَّةِ اللهِ ما ألقَى وما أجِدُ

أهذِهِ صَخرةٌ أمْ هذِه كبِدُ

قدْ يقتُلُ الحُزنُ مَنْ أحبابهُ بَعُدوا

عنهُ فكيفَ بمنْ أحبابُهُ فُقِدوا


كأنّي بالشاعر يحمل قلبه على كفّيه يتأرجح ما بين الآن والماضي لحظة يبثّ فيها لواعجه للورق، يأنس إليها حين عزّت عليه الدنيا، يخلع ثوب التجلّد والصبر، وينوح إلى أن ييأس منه الدمع. 

يمدّ إلى الفراغ يده، روح في جسدين، ما بين مناجاة وغربة في عجالة أتى الموت ليخطف بسمة طفلة، فيلقي بروحه في ضيق. يخشى أحيانًا تسمية الأشياء بأسمائها، شأنه شأن بلاد الشرق حيث حرم العشق، واستباح الدم.

تلك التي قفزت في حياته مثل غيمة ، مثل نورس، مثل سنونوة طريّة العود، طربت الروح جذلى، ملأت أغاني العتاب والشغف والحسرة القصائد، تارة يخلد إليها أمّ، وتارة أخرى أختٌ، وتارة وطن ومدينة من ياسمين.

 يرجو الله أن يقرّبها إليه، طالت ليالي الانتظار، وهو في رقصة هنديّ حول نار الشوق ينتظر، يحترق، وتحرقه الأحلام، يتوسّد الأنين، ويخلد إلى غناء النجوم وصهيل القمر ورقص الفجر، وذكرى بينه وبين الحبيبة. 

هل يجمعهما النسيان يومًا في القبر المليء برفات الأحبّة ما لم يجمعه الحبّ، وما فرّقته بنادق التقاليد؟ جمعهم حبر القلب على الورق، يلعبان، ويرسمان أماني الغد، ويلوّنان السماء بالأغاني.

الشاعر يدوّن سيرة العشاق الثكالى في صحراء الحياة حيث اختلفت الأسماء، وبقيت التسمية. 

حياتنا ما هي؟ يسيل من زواياها روائح الفراق، الموت يعني في ترتيب الأولويّات، والعشق ما يكون في ترتيب الحياة، والحياة ما ترتيبها في الحياة؟ 


لقد صقل الوجع حرف الشاعر، وبرى قلمه التحسّر. كان قد ورث العائلة، وكتب عليه أن يولد في بيئة الحبّ، وفيها من المحرّمات أو بأذن من التراتبية الطبقيّة. 

هذا القمر الشاحب الذي يتوسّد المساء ما هو إلّا قلب هذا الشاعر الذي يتوسّد الديوان من أوله إلى آخره ، أو قلب أيّ عاشق تكسّر قبل أن ينبلج نور الحبّ حيث اقتحم الموت مع الموروثات حياته، هذا الولد الهرم في ريعان الشباب الذي يأخذنا في مركب من حرير الكلام، نسير في قبضة الريح، بيده مشرط الجرّاح، يقصّ وجع الذاكرة، يلملم بشفتيه الشظايا، مخيّبًا أعداء الحياة بحبّ يكبر بعد الممات. 

زفة الوجع وعرس من ابتهال، وتضرّعات ما بين مكتوب ومنسيّ في غزليّة تفضي بنا إلى سفر المراثي معلّقة من دموع على جدار من أماني العشاق. ولاء ووعد كتب بخيط الشريان وشمًا على جبين قابيل لئلا يريحه من لعنته، ويقتله كلّ من وجده. 

أصغي إلى مناجاة الشاعر، مناداة الحبّ بالأخت، أليس من أسمى الصفات أن يعتبر الحبيب حبيبته صديقته وأخته وأمّه، تلك التي تحنو وتضطرب لكلّ كبيرة وصغيرة تصيب محبوبها. 

تأسرني هذه الصورة :

تُراني سأرفعُ بيتي الصغيرَ

وأنتِ حيالي ذراعٌ وقلب،

بعد الأخت والصديقة والأمّ تكتمل الصورة حيث الحبيب بيت، وهذا البيت الصغير يحتاج قلبًا، وما الحبيبة إلّا قلبه وذراعه التي يتّكئ إليها، وهي التي يعده دائما أنّه سيحبّ ويحبّ. 

من الصعب على المحبّين التعبير عما يجيش في صدورهم، مع أنّ الفضاء يبدو أوسع، والرؤيا جليّة أكثر، والكون أكبر في حضرة من نحبّ، الأنفاس أغنية، والهواء الرقيق لحن، والهوى قصّة عذارى حكيمات يصلحن مصابيحهنّ، يتهيّأن لشتاء طويل، ولعهد مستقبليّ فيه سُجّلت حكايا الأقدمين، كلّ ما مضى من حكايات وأغنيات قالها البشر، لا ارتواء في هوانا، لأنّ عطشنا مختلف، وروحنا تختلف، لأنّنا نحن من فسيلة عشاق الشتاء:

"سجايايَ.. لا لن أحدّثَ عنها

سأتركُ هذا إليهم، فإنّي

لأجهلُ ماذا يريدون حقّاً

وهذا أنا فاسألوا النّاس عنّي

 سأحكي لأهلِكِ عن كلِّ شيءٍ

فلا يجهدا للتّساؤلِ عنّي".

 كأنّه يريد في خضمّ هذه المعمعة وهذا الرفض من الكلّ أن يخبر أهله لتطمئن روحه. إنّ قصص الحبّ تتناقل في الأسواق والأحياء، تنتشر رائحته في كلّ الديوان كما رائحة الحبق في حديقة أمّي. يمرّ النسيم خلسة عاشق اتّخذ من الليل عباءة يتدثّر بها كي يصل إلى نافذة حبيبته التي تنتظره على شرفات الليل سكرى برحيق الحبيب.

 قصّة حبّنا حيث افترشنا زهور اللوز في البستان، واتّخذنا من ياسمين الشام غطاء لنا، وافترشنا العشب أحيانًا، والسطوح والقمر شاهد علينا، حيث أردنا أن نكون أقرب إلى عين الله من عين البشر. قصّة الحبّ التي كتبت في أعين الناس، طوقتنا أينما هربنا، وكانت كمينًا لنا. لفقوا الأخبار ربما، تكلّموا عنّا أكثر وأكثر، ربّما لكن اطمئنّي، يا ضحيّة العشق والألسن، سأخبر عنك أمّي، وأخبر أهلك، كي أقطع لسان التساؤل، كي أقطع على ثرثرة النساء إبداعهنّ. الكلّ جهول بعلم الحبّ برأي الشاعر، روح الشاعر ثورته على العادات والتقاليد التي لا تخلو منها المجتمعات الشرقيّة، أتت في هذه القصائد التي هي أشبه برواية في تلاحق الصور الوجدانية، تحيي ما أكلته السنون، وشرذمته الأفكار المتوارثة، وحُكم على الحبّ بالإعدام.

 التقاليد جنت على هذا الحبّ، وانعدمت الرحمة، الحبّ الذي انتفض من قبر الخوف، فكرة يحارب من أجلها، ولون أبهر عيون العميان، ونور أنار ذهن ظلماتهم، وكي تهدأ روح الشاعر يناجي أهل الحبيبة كي يبعث روح الطمأنينة في روحها وقلبها، وكي يتّخذ هذا الحلم مكانه في قلبه وفي الحياة، ويبعد شبح الشكوك التي تقتل الحبّ.

 إنّها بلا شكّ قصّة حبّ فريدة من نوعها، يعيد الشاعر مفرداته بدعوتها يا أختاه، و يا أمّاه، حين يرى أنّ الألفاظ باتت مهترئة، وقلبه مثقل بالعشق والحبّ، ولا شيء يعبّر، تغشاه الحيرة، ويقف بلا حول ولا قوة.

 لقد ابتلي بالحبّ، ونفدت جعبته من الكلام، وهو سيد الكلمات إلّا من كلمة "أحبّك". لا حدود لهذه المفردة، هي اللحن والأغنية، هي الخطيئة والغفران، تتغلغل في خلايا روحه، فينتصب من جديد فارسًا، وفي شفتيه تشعّ جوهرة التعابير القديمة "أحبك".

"تسهر الغيوم على أسرارهم

وروعت كيف الغيوم

تراكض فوقنا

لنا غيمة عينها

علينا، على سرنا"

يسير بنا الشاعر إلى ليلة مقمرة، يدعو الحبيبة إلى سهرة مع النجوم، يتأبّطان أشعة القمر الفضّيّة، يرتفعان عن هذه الأرض، يغزوان الفضاء، يتطفّلان على الأفلاك، يتقاسمان نشوة العشق، في حالة من الزهد والصوفية، تسكر الأنفاس. يرتديان بعضهما في غيبوبة النسيم، يهدهد سريرهما الليل، فتهيج روائح الليل، توقظ الحاجة فيهما إلى الدفن في حضن الآخر، أو الركض مع النجوم، مثل غيمة أو مثل جانح نورس يضرب الماء، فيطرب الموج، فيضاء الليل من وهج العشق والحبّ الفتيّ في مرة أخرى حلكة من الليل، حيث العاشق يسهد، والقلب يسافر في هذا الصدى الأسود، وعالم الخيال يتأمّل واقعًا وليلًا فيه لا ينام، العين معلّقة بوعد أن تأتي، صورة معلّقة في ذهننا لا يمكن أن تنساها الأنامل، ولا العين التي صافحت هذه الكلمات، هذا الفتى الطائش الذي كان منذ قليل يسافر كالنورس تعلّقت عيناه على نافذة وعد أن تأتي. 

يمضي الشاعر في قصته، وفي انتظار الزيارات الليليّة المرجوة، يده على خدّه في ترقب ووجل: 

 أنا في الظلامِ محدقٌ وحدي

مترقبٌ

ويدي إلى خدي

البيت نام

وليسَ غير أنا

عيناي عالقتان بالوعد.


يطول الانتظار، وينتهى الشاعر وحيدًا بعد أن لفّنا بهذه العباءة من الأزرق الترقب واللهفة لتلك الحبيبة.

يعود بنا إلى الظلام والخيبة حليفتنا، لم نسمع وقع خطواتها، وحده هو يسمعها، لأنّها تدبّ في كيانه وروحه:

"أنا في الظلامِ

محدقٌ أبدا

مترقّبٌ خطواتها وحدي"

لقد هيّأ مائدة عشقيّة عليها ما لذّ وطاب من المفردات، أضاء شموع السماء، وملأ قنديل الليل بزيت العشق، وما بين السهد والتنهّد، وفي قمة الصمت المروع، منتظرًا يسمع دبيب خطواتها كما دبيب الدم في الشريان، يرتعش، ستأتي قبل أن يتكاثر الظلام، وقبل أن يلد الفجر، ستأتي امرأة تسير في دمي "أحبّك". رمى جسده المنهك، والفجر بشّره بالخيبة، متمتمًا وإن منعوك عنّي لم ولن يمنعوا عشقي، وصوت قلبه يصرخ مُنعت من الحياة هذا الليل، أخلد إلى نوم الآخرة أيها الجسد. 

أطفال البريد، يعيدنا الشاعر إلى زمن فيها كان الأخوة الصغار رسل الحبّ والأصدقاء رسل الحبّ، وعند الغياب تفضح اللهفة في الصوت والعيون العشق المخفيّ.

يقولون ما أجمل عتاب المحبين. 

الكلّ يعرف سفرها إلّا هو، هل يغفر أم يعاتب أم يتوسّل الأسباب، كيف لقلبها أن يطاوعها على السفر، وكيف دون رسول، عتاب رقيق يكاد يقترب من التوسّل، وكأنّ كلّ حرف قبلة، وكأنّ كلّ حرف جمرة، وكأنّ كلّ حرف استغاثة قلب. يقول:

"سألتُ بالأمسِ

أين أنت ليس تظهرين

فقيل: سافرت

متى صار…لأيّ حين

وكيف لا أعرف والجميع عارفون

أليس من ورقة

بيضاء تتركين

أعرف منها فيم يا أختاه ترحلين"

حتى يصل إلى الشكّ انّها غضبى من كلام تناهى إليها عنه عن خيانة، وكيف لهذا القلب الذي وصل بحبّه لها حتى العبادة أن يخون، فأنشد يرجوها:

"أأنت غضبى؟

كتبوا، لا شكّ يكذبون

وصفحتي نقيّة

ففيم تغضبين!؟

أأنتِ غيرى؟

أبدًا.. ألستِ تؤمنين

بأنّني آخرُ من 

يقدر أن يخون

والذّكرياتُ، والهدايا

شاهدٌ ضمين

ربطة عنقي..

شالك المطرّز الثمين

قبعتي.. قلم الحبر.."


إنّ إيقاع العشق والعتاب اللذيذ في كلّ القصيدة، نشوة الحروف بعثرة الروح ما بين الانتظار واللقاء، ما بين الليل والنهار، مطاردة طيف الحبيب، مقارعة الأهل البوح والحجرات والدمعات الخطوات المثقلة، النظرات الساهمة، عيون الناس الفضوليين، النكران، الوحشة، النسيم، الجحيم، الهشيم، الصور القاتمة حين تغيب الحبيبة، وأناشيد الصيف عند اللقاء. المرض الذي يفتك بالروح، الخيبة، الأعذار الواهية، الغياب المفاجئ، بعد أن كانت تتجول في الروح، الوجع المتحرّك في جسده، حين يشتدّ الغياب، ويشتدّ الحصار حول هذه الحبيبة الحاضرة في كلّ نفس وغائبة في المبهم.

 إنّ أصعب تعلّق هو ذلك التعلّق بشخص لا نملك سيطرة حضوره وغيابه، وإذ فجأة يختفي، ولا يبقى منه إلّا ثوب يحتضنه، وزجاجة عطر، ورؤيا تشتدّ كلما طال الغياب، وملحمة مهجورة من عبير القصائد ثكلى ومثقلة بأشباه الوجوه، وصخرة ألم جاثمة على الصدر، فيصبح الملجأ هو المنفى، والوعد هو النكوص، والبلسم الملح في الجرح. يركض العاشق إلى تلك الذكريات، يناجيها، يعاود الولوج إلى قلب الحدث، آه ما أقسى الدنيا، ترمي بنا في الدياجير، تسخر منا تلقى علينا نظرة دون شفقة، وحيدا، مملوءا من كلّ شيء إلّا من وجه الحبّ الأوحد. 

عندما تدركنا الحياة بنوائبها ما على الحبيب بخلوة إلّا إلى قلب الحبيبة، وإن كانت الحياة خلواً منها تبقى ذكراها التي تعيد الرجل إلى الطفل في داخله، ينهل من العيون الحياة، ويعبر الأسوار،هناك السكون والسكينة:

"أخلو إليك إذا تعبت من الزّحامِ

وإذا سئمت من الأنامِ

آوي إلى ذكرى العيون 

تضيء لي وسط الظلامِ

فكأنّني أجتاز أسواري

وأركضُ كالغلامِ"


قرعت أجراس الكنائس، واستبشرت الأرض بالربيع، ومن بعده الصيف، تغنّت الأطيار، والخريف بألوانه، والطرقات امتلأت من أغاني ورق الشجر الأصفر. انتهى الكلّ، الشتاء قادم، عيون السماء ستدمع،  تجلب الخير لي، بلقاء آخر وعدت أن تعود مع مواسم المطر، في ردائها المرصّع بالحروف مثل راهبة دير تخرج بقامتها تحيي الصباح بابتسامة من طهر وصفاء، وتقبل المساء، ترشّ أريجها الفتان، الثوب الأسود برغم كلّ ما فيه من دلالات إلّا أنّه يناديها ألّا تنزعه، فهي أبدا فيه عذراء: 


في ثوبك الأسود قد

خبأت أشياء

لا تنزعيه، أنتِ فيه

أبدًا عذراء"

في ألبوم قديم من الصور، الوجه والعيون، النجوم والرسوم، ادخلي إلى حلمي، ووقعي هذا الفضاء بنظرة من عينيك، وكوني السنونو في وحدتي، أنت معي، أنت الرفاق، أنت الضحكات التي تدوم، لكن هل تدوم؟ 

وللمساء مع الشعراء كما الليل كما البحر كما المدن وقفة، وللشاعر شوقي بغدادي وقفة مميزة هي دندنة كآبة المساء، وصورة تعبيريّة نشيج بكاء هذه الصورة حيث يخرج البكاء من الصدر لا العيون. يقول:

"دندني لي .. دندني

واسكبي في أذني

أيّ لحنٍ مبهمٍ

أيَّ صوتٍ محزنٍ

أنا ملقى فوق أحشاء

الوساد اللينِ

في فمي صوت بكاءٍ

صامتٍ محزنِ

وبعيني دمعةٌ

واقفة تحرقني"

ألا يأتي المساء، وتأتي معه الكآبة الخرساء، تدندن في الآذان لحنًا مخيفًا، وسادة خالية، وفؤاد يئنّ، وفي الفم بكاء صامت، صور تتلاحق، نكاد نكتم الأنفاس، نخاف أن نزعج هذا الناسك في خلوته، دندنة وفتور ورأس صغير يستند إلى عرش النوم على وسادة من أحلام، يتبع عبير الدم إلى عوالم أخرى.

كأيّ إنسان في زمن العشق، يشعر بأنّه أخطأ في مكان ما حين تبتعد عنه الحبيبة، وحين يقف الكلّ في وجهه يؤنّب نفسه ، ويرى غلطه أكبر من أن يغتفر، يطيل التحديق والتأنيب لذلك الطفل، المكان يجمعنا، لكن لا نتدانى .

إنّ المرأة والوطن هما صنوان في قصائد الشعراء، المرأة التي أحبّها وعشقها، ولم يسعف الحظّ هذا العشق أن يعيش تمامًا هو كما ذلك الوطن الذي في قلبنا ولهفتنا، لكن اللهفة تخبو، إذ إنّ الأوطان هي فقط لمن يخدم الحاكم المتسلّط.

 مدن تقبع في الذاكرة لا تستطيع أن تمحيها من روحنا المسافات حتى ولو أرادوا أن يفصلوا بيننا وبينها بالدم، تبقى رائحة الياسمين الدمشقيّ أريج المساء، والوسادة التي تخلد إليها ذاكرتنا من تعب الهجران، ومن وأد الريح العاتية.

 تلك المدينة التي يناجيها الشاعر على أنّها رفيقة الصفاء، أنيسته في لياليها، تغريه كما عاشقة.

الأغنية التي غنّاها في كلّ زمان ومكان، يحيا على إيقاع خطواتها، تسكننا الشوارع حتى وإن رحلنا منها، هذا الجلد الذي يغلّف أجسادنا فيه الملايين من المسام، وفي كلّ مسام مزروعة ذكرى من ذلك الوطن، ونجمة تضيء الوجوم، مرتع الطفولة والحبّ والفرح، سرير الحلم، بلد الياسمين كن كفني، واملأ كفي يا أيها الدمشقيّ، من هذا المساء، من هذا الغد.

"دمشق وأنتِ المساء

احبُّ دمشقَ إٍ الليلُ جاء

يعدن إٍلى البيتِ عند المساء

وأنتِ معي في طريقِ مضاء"

وعندما يمتزج عشق الحبيبة مع عشق دمشق مدينة الياسمين ينشد قلب الشاعر: 

"أحبّ، أحبّ إذا الليلُ جاءْ

دمشقي، وأنتِ، وهذا المساءْ"


ما بين التجوال في شوارع دمشق، نرى الشاعر يركن إلى الربّ كي يلهم الحبيبة الغائبة لربما تحضر إلى هذا الطفل الذي في الغياب يحتضر:

"ألهمها ربي، ألهمها

فالموعد حان، ولم تظهرْ

وهوانا طفلٌ، فاحفظه

كي يحيا الطفل، وكي يكبرْ

ألهمها ربّي أن تحضرْ

ألهمها أن لا تتأخّر"

أن تحضر الحلم، أن تفصح عن أحلامها، من أولى منا أن نخبر الطير والغيم بما يجول في صمت هذا الصدر؟ لماذا السكون والسكوت؟ أيّ عذر هذا، وأيّ تفسير يا ترى؟ في حقل ألغام من الذهول خلفتني على رصيف الحياة وحدي، لا شيء لي إلّا أشباح وذكريات، ماذا تصنعين بي، فسّري خطاك، فسّري الشذى، وفسّري حروف اسمي التي هي كالوشم على نهدك، بصمة قلبك على الجبين.

 أيتها العتاب الجميل، أيتها الولاء المهين، والشوق والأنين، أنت سرّ الهوى واليقين، سواء بحت بالحبّ أو لم تبوحي، سيان عندي، بل أريدك هكذا كما تشائين. 

قد طغى العتاب والغياب على حضور الحبيبة في كلّ الديوان إلّا أنّ هذا الغياب العتاب، جعل من هذا البراح حديقة من الشغف، يخلد إليه كلّ من آلمته الحياة، وأدماه العشق والغربة، وفرّق الدهر بينه وبين الحبيبة، صومعة ناسك يردّد فيها تمائم العشق وصلوات التاريخ، وهمسات مشتعلة ترصد اللقاء عيون العجائز، وغمزات جارحة، وتسبح في المقل صورتها، هي ليس إلّاها.

 من سخرية الأقدار ألّا يستطيع الإنسان البوح بمكنون الصدر للحبيب، لكنّه يسكبه على الورق، ومن سخرية الأقدار أن تتبخّر الحبيبة أمام العيون، وتموت الفرحة قبل أن تبدأ، ونركن إلى صمت القبور، يحوي كلّ ما خلجته قلوبنا، الهاوية أرحم، المرض أرحم، والقبر يضمّ الرفات، تنكسر الروح، ومن يحيي الممات، لمسة أم قبلة؟ 

هنا ارقدي بسلام، وهنا أريقت آخر الصيحات، أردّد اسمك في هذياني، وأنتحب يا دمشق صديقتي العجوز مات فيك الياسمين، وخلت البيوت من الأسرار، أغلقت عليّ الحكاية، ورحت أرعى وحشتي في خيام بلدي، تنسلّ منّي صورك، في كلّ حرف أكتبه، أنقش على ورق الشجر وجهك، ومع قوافل الريح أسافر إليك، نامي تحت ستائر الرخام، شاخ الجوري والكادي، وشاخ النهر، شهقة الموتى، زفة عرسنا نامي، لم نقل وداعًا، لا شيء بدا ومضى ومات وانقضى، إن سألوك عنّي فماذا تقولين عن هذا الذي دار بيننا؟ سوف يختار ثيابه وحده، والألوان وحده، ويوغل في العمر وحده، يبكيني، فرغت الطرقات منّي، أراك ولا أراني، تضيء ماضيّ، وأعيش ذكرياتي، أنأى عنّي، وأقفز في ثانية لرائحة ذكرى آخر مرة افترقنا، تهرب الكلمات "سوف أمضي إذن" وأطرقت الرأس، حسمت أمرك، لا مغفرة بعد للغياب، يسخر منّي الزمن قبلة فوق الخدّ، في نهاية الشارع تركت ركامي، أهوي في ضياعي، قبلتك بوصلتي، ورائحتك. 

بعد كلّ طوفان العشق هذا يعيش الشاعر حالة من الركود مثله مثل أيّ إنسان يعيش ولا يحيا، ينام، يأكل، ويشرب، روتين متعب صداه، ملل في ملل، حتى التعب تعب من هذه الحال، وإذا بشهاب يخترق الليل، ويمتلأ المكان بالبخور، تلين صخرة القلب، وينفلت مثل طير حبيس الدمع، يشهق الحنين، تتدحرج حبّات اللؤلؤ تجرح الخدّين، تروي قبلة لتزهر ذكرى، ويرثي حبًّا كان ضاحكًا، في الجنة مثواه، طفل العشق المجنّح. 

إنّ الغياب يتجلى في صور عدة وعديدة في "لكلّ حبّ قصة".

إنّه الوجع الذي يسير على رجلين، الوجع الذي يصيب الروح والجسد، الوجع الذي ينخر العظام، وجع لا ينتهي عبر عنه في جملة:

"لنعش في بلدة واحدة لا نتدانى"