فرحة لم تكتمل / قصة قصيرة واقعية


1 قراءة دقيقة


فرحة لم تكتمل / قصة قصيرة واقعية

ذاع صيت عيادتي في شارع المشجر لعاصمة العراق بغداد بنجاحي كأخصائية للنسائية والتوليد ومعالجة حالات العقم.
في أحد الأيام راجعت مريضة عيادتي مع زوجها لتبحث معي علاج لحالة عقمها وعدم تمكنها من الحمل رغم مضي عشر سنوات على زواجهما . كانت في غاية الإحباط بسبب طول فترة العقم لديها ولأقوال وتدخل وأسئلة المحيطين بهما من دون الشعور بمعاناتهما الحقيقية .
لدى دخولهما للعيادة تسمرت عيناهما على لوحة كبيرة كانت تحتل الجدار المواجه لمدخل عيادتي كنت قد علقتها من بدايات عملي في عيادتي لتثبيت صور الأطفال الذين أنجح في معالجة والديهم العقيمين وقيامي بتوليدهن في الغالب . كانت صور الأطفال مثبتة بأعداد كبيرة على اللوحة وفي أسفل كل صورة مكتوب أسم الطفل وأسم والديه وفترة العقم التي سبقت ولادته . لأنني كنت أشترط على الزوجين منذ بداية مباشرتي بإستلامهما والبدء بعلاجهما القيام بإهدائي صورة لطفلهما بعد نجاح الحمل والولادة لتعليقها على تلك اللوحة . كان هدفي تحفيزهم وإعطائهم الأمل الأكبر بنجاح العلاج ، ولأنها صور أطفال جميلين بالتأكيد تبث الفرح والسعادة في قلوب ناظريها خصوصاً لدي كطبيبتهم المعالجة وكذلك والديهما الذين عانوا الإنتظار الطويل واللهفة الشديدة لتواجدهم في حياتهما ، واللوحة تأكيد للجميع بأن غالبية حالات العقم تتعالج بسرعة وسهولة عندما يكون التشخيص والعلاج صحيحان ، ولإثبات بأنه لامستحيل أمام علاج غالبية أنواع العقم .
أستمرت الزوجة بالتمعن في لوحة الأطفال تلك وهي مبهورة برؤية براءة وجمال الأطفال الذين أزدحمت صورهم عليها وكانت تقرأ بإمعان جميع المعلومات عنهم والملاحظات السعيدة المكتوبة من قبل آبائهم مما دعتها من الوهلة الأولى لدخولها عيادتي أن يدب الأمل في قلبها وتغمر السعادة روحها والتي بانت بوضوح على أسارير وجهها عندما ألتقيتها وزوجها للبدأ بالإستفسار منهما معاً وأتضح لي بأن تواجدهما معاً مستمر من يوم زواجهما كون الزوج موظف في بغداد وعمله في النهار فقط بعدها يتواجد في البيت مع زوجته مما جعل إجراء الممارسة الجنسية الطبيعية لديهما منتظمة ومستمرة وهذه من النقاط الأساسية لحدوث الحمل عند غياب ألأسباب الأخرى التي تعيق وتؤخر موضوع الحمل وأكملت معهما باقي إستفساراتي الضرورية والمهمة لموضوعهما ثم أجريت الفحص الطبي النسائي الكامل عليها وطلبت إجراء بعض التحاليل الضرورية لكليهما وفي النهاية وصلت الى تشخيص سبب العقم لديها والذي أتضح لي من الفحص السريري لها . وأخضعتها لوحدها لعلاج مدته ثلاثة أشهر ومعها التوجيهات والإرشادات الضرورية لكليهما ثم أضفت بعض العبارات التأكيدية اللطيفة بأن عقمها من النوع البسيط والممكن علاجه بسرعة وذلك لتطمينهما وحددت مراجعتها الثانية بعد ثلاثة أشهر .
غمرت المريضة سعادة عارمة أرتسمت على أسارير وجهها مع تباشير الفرح والسرور والغبطة وزالت منها علامات اليأس والقنوط التي عاشت معها لفترة طويلة . بعد ثلاثة أشهر حَضَرتْ مجدداً للعيادة وحدها وأعلمتني بتأخر دورتها الشهرية وكونها معتادة على تأخر دورتها سابقا لذا لم تعر لها أي أهتمام . لكن أختلف الأمر عندي ورفَّ قلبي باللحظة وخمنت نجاح علاجي معها لأن تشخيصي لحالتها كان واضحاً كما ثبته على أوراق مراجعتها لذا أرسلتها فوراً لتجري التحليل المختبري لحدوث الحمل من عدمه .
كانت فرحتي وسعادتي لاتوصف وأنا أقرأ النتيجة الإيجابية التي أكدت الحمل لدى مريضتي ولا أبالغ لو قلت بأن سعادتي الدائمية والطاغية في تلك الفترة من حياتي كانت في الغالب بسبب نجاحي المستمر في مهنتي كطبيبة خاصة في إختصاصي الدقيق وولعي ونجاحي بمعالجة حالات العقم المختلفة . وهذا النوع من النجاح يلمسه الكثيرون حيث كانت تسعدني وتبهج حياتي وتشعرني بالزهو والفخر بعملي الطبي المتقن . مثلما تسعد الزوجين الذين كانوا يعانون منه ثم أخيراً كان يلمسه المحيطين بي وبهم . وفي لحظة مشاهدتي للتحليل الموجب والسعيد بدأت بالتفكير كيف أعلمها بالخبر السعيد دون أن اسبب لها صدمة . لذا رفعت رأسي من ورقة التحليل مبتسمة وسعيدة وأنا أنظر الى وجهها . وبعد تأكدي من جلوسها على الكرسي الملاصق لمكتبي أعلمتها بهدوء بأنني كنت على يقين ومتأكدة بأن حالة العقم لديها رغم فترته الطويلة كانت بسيطة والعلاج لايستغرق أكثر من ثلاثة أشهر والآن أكد التحليل لي صحة تشخيصي وعلاجي وأقوالي . خلت أن السعادة سترتسم على وجهها وأنني سأرى فرحة نادرة لشخص مر بظروفها ومعاناتها مع النجاح السريع لعقمها وحدوث الحمل لديها كما كنت أراه بأستمرار مع الباقين من مراجعاتي بسبب العقم . لكنها في الحقيقة صدمتني ورأيت العكس منها حيث الحزن طغى على وجهها وأغرورقت عيناها بالدموع لم أتمالك نفسي سألتها مستغربة لماذا لم تفرحي بهذا الحدث السعيد بعد معاناة وإنتظار عشر سنين . أجابتني دكتورة ماالفائدة من حملي الآن لماذا لم أراجعك سابقاً لماذا لم يرشدني أحد عليك قبل سنين حيث وقتها كنت أمنع زوجي من التفكير بالزواج من إمرأة ثانية كي تمنحه الطفل الذي تمناه طوال عشر سنين . وأضافت هل تعلمين دكتورة عندما سمع زوجي بالوقت الذي قمتِ بتحديده لنا أي مدة ثلاثة أشهر لم يتحمل إنتظار تلك الفترة وهي تضاف على العشر سنين التي أنتظرها دون فائدة . وسببها تجاربنا اليائسة لأن الكثيرين من الطبيبات والأطباء وهبونا آمالاً لم تثمر ووعوداً لم نرى النجاح معها لذا غدا فاقداً للثقة بالجميع وأعتبر ماطرحتيه من آمال ووعود كسابقاتها مجرد كلام . لذا لم يكن بمقدوره الإنتظار أكثر وكانت عروسته التي أقنعوه أهله بالزواج منها حاضرة تنتظره فتزوجها رغم رجائي منه الإنتظار للفترة المحددة لكنه رفض طلبي ورجائي منه ليحصل بأسرع مايكون على الطفل . صدمتني بحزنها وكلامها حتى بقيت للحظات لا أعلم ماذا أقول لها وكيف أتصرف مع مشكلتها الجديدة التي فرضت عليها بسبب العقم الطويل الذي لم يتم تشخيصه وعلاجه رغم مراجعاتهما السابقة والمتكررة للأطباء .
لكنني تمكنت في النهاية وبجهد عالٍ تغيير مجرى الحديث معها وأعلمتها بأن حدث اليوم هو أعظم وأسعد حدث في حياتها لأن طفلها سيغير مجرى حياتها ومعاناتها خصوصاً في هذه المرحلة الحرجة بعد زواج زوجها من إمرأة ثانية . واليوم سيكون حدث إعلان حملها من أسعد اللحظات لديها ولدى زوجها وجميع المحيطين بهما . وسيجعل الجميع ينظرون لك نظرة مختلفة مع التأكيد لهم بأنك أنثى طبيعية ومتكاملة وستصبحين أماً حقيقية لطفلها وليس لطفل غيرها لذا نصحتها أن تنظر للموضوع ككل رغم حدوث الشرخ الكبير في حياتها الزوجية بطريقة إيجابية وليست سلبية وذكرتها أيضاً لو كانت الآن نتيجة الحمل سالبة ولا يوجد حمل ومعها حالة زواج زوجها من إمرأة ثانية أكيد كان الأمر سيغدو أقسى وأصعب لذا من الضروري جداً محاولتها الجادة بعدم التفكير بالسلبيات والمواضيع الحزينة لأنها ستدع جسمها وقتها يقوم بزيادة إفراز الهرمونات غير المرغوبة والمتعلقة بالإنفعالات والتي ستنتقل لطفلها عن طريق المشيمة فتضره وتؤثر عليه لذا عليها البدء بالتفكير الإيجابي وأن تفرح وتسعد وتهنأ مع أعز مخلوق هو طفلها الذي سيملأ حياتها بعد ولادته وتسنده دائماً ويسندها مستقبلاً .
د. فيان النجار / بقلمي

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٢‏ شخصان‏، و‏‏‏‏أشخاص يجلسون‏، و‏طفل‏‏ و‏طفل صغير‏‏‏‏