صقيع الغربة قصة إخلاص فرنسيس. من المجموعة القصصية "على مرمى قُبلة"


1 قراءة دقيقة

نتساءل: ما معنى وطن؟

سيقولون: هو البيت، وشجرة التوت، وقنّ الدجاج، وقفير النحل، ورائحة الخبز، والسماء الأولى، ووو....

هل تتّسع كلمة واحدة من ثلاثة أحرف لكلّ هذه المحتويات، وتضيق بأبنائها المرميين في الغربة والصقيع؟

"صقيع الغربة" العنوان لافت للنظر، يدعونا إلى معرفة النصّ وأوجاعه، إنّه الصقيع، هرباً من واقع أليم على أرض الوطن، لكنّه بالمقابل صقيع. أليست الغربة منشودة لتحسين الوضع الحياتيّ والاجتماعيّ؟ هكذا نفهم عادة الغربة والاغتراب، لكن في العنوان ما يناقض ذلك، إنّه صقيع الروح والمشاعر الذي يخضع له الغريب.

كلّ حالة تحمل في ذاتها سلبية وإيجابية، لكن مع صقيع الغربة نسفت الإيجابية بالكامل، ليبقى اليقين أنّه صقيع مؤلم، ففي العنوان يقين لما يندرج في مجريات القصة.

كلنا نعلم سبب هجرة أغلبية شعوب المنطقة، وظروف الحروب والفقر والفساد إلى عالم الغربة، والغربة أرض من جمر، ألم يكبر ويكبر، معاناة وتجارب قاسية، فليست بهيّنة مغادرة أرض الوطن، مغادرة النسيج الاجتماعيّ والفكريّ.

هي غربة الإنسان عن وطنه وملاعب طفولته، ومراتع ذكرياته، والغربة ليست فقط المسافة التي تبعد بين الأشخاص بل هي البعد الروحيّ والنفسيّ والاجتماعيّ.

لقد عبّرت إخلاص عن ذلك بأحاسيسها ومشاعرها أفضل تعبير، عن الحبّ والسلام بلقاء أطراف من جنسيات وأديان مختلفة، جمد الشعور بوجع الغربة، وبيّن بجلاء دفء الانتماء للإنسانية.

إضافة إلى ذلك أخذتنا الكاتبة بتساؤلها عن الاختلافات بين أوطاننا وأغلبية المجتمعات الغربية، عن أسباب التقارب في بلاد الغربة بين مختلف الجنسيات والأديان، والتباعد بين مكونات البلد الواحد، لنلاحظ أنّ الفرق في التوجه للإنسان كقيمة إنسانية، إضافة إلى الفارق في قيم الثقافة، في النظرة إلى الحياة. وهو الاختلاف حول مفهوم الحرية الذي يساهم في فهم أسباب الإخفاق في قيام مجتمع مدنيّ من المحيط إلى الخليج.

إنها الأنظمة التي تخلق النمطية والسيطرة الفكرية والثقافية، وليس الأفراد هم المسؤولين عن هذا الوضع، لكن مسؤولية الفرد تكمن بخضوعه وعدم المواجهة، لأنّ ثقافة قبول الآخر ترتبط بالفكر الموروث، ولتقبل الآخر من الضروريّ التصالح مع النفس في البداية، فبعدم قبول الذات يصعب قبول الآخر.

إن كانت هناك ثقافة قبول الآخر يمكن أن يحتذى بها، فمعاييرها أنّ الإنسان من الممكن أن يتعامل مع الآخر من أيّ اتجاه دون دون موقف سابق وجاهز ومحنّط ، وأن كلّ الأشياء من الممكن أن تتوافق دونما تسلط.

إذاً قبول الآخر يبدأ من الصغر، والشخص المفكّر ذو أفق واسع، يحتمل الكثير من الاختلاف، ويكون أدب الحوار عنده موروثا اجتماعياً، وهذا لا يكون إلا بتربية سليمة وأماكن عبادة تبثّ أفكاراً صحيحة، وخطاب دينيّ بعيد عن التعصّب والعنف والحقد والكراهية، ورفض الآخر لمجرّد اختلافه في وجهة نظره، ومدرسة تنشئ وتربّي.

سيبقى أحدنا يصارع أخاه الإنسان حتى يدخل إلى قلبه أنّ وطنه الوحيد هو الإنسانية، وأنّ الحدود الوحيدة التي يجب الدفاع عنها هي لا نهائية المحبة لله والحرية الكاملة للإنسان.

أما عن الفارق بين إنسانية العرب والغرب، بين إنسانية تؤمن بأنّ الإنسان هو أخو الإنسان بعيدا عن كلّ لون وعرق وطائفة،

وبين إنسانية تنقص نفسها بنفسها.

إنها ثقافة برمجة العقول لعدم قبول الآخر وخاصّة المختلف بالديانات، للتمكّن من السيطرة، وأسهل الأمور العزف على وتر الاختلافات الدينية التي لم يكن لديك الاختيار فيها، فمثلا بعد 5 دقائق من ولادتك سيقرّرون اسمك، جنسيتك، دينك، وطائفتك، وستقضي حياتك كلّها تدافع جاهلاً عن أشياء لا ناقة لك فيها ولا جمل.

الفروقات كثيرة جدّاً، لأننا نسير بوعي أو دونه نحو العنصرية.

تقسمنا بالأديان ثمّ تقسمنا بالحدود ثمّ باللغات ثمّ بالمال ثمّ بالطوائف، ولجهلنا الشديد نسينا في غمرة سباقنا المحموم إنسانيتنا.

لكن الله علّمنا قبول الآخر، علّمنا الحبّ لكلّ الناس ، نحبّ الكلّ ونحترم الكلّ، لا ننظر إلى الإنسان لدينه ولا جنسه ولا أيّ شيء سوى إنسانيته.

مع "صقيع الغربة" أقول: غرباء نحن إن لم نتواجدْ في أماكن نحبّها مع أشخاص نحبّهم.

وحده الحبّ يذيب صقيع الغربة.