شارع المشجر


1 قراءة دقيقة


شارع المشجر

كان شارع المشجر شارعاً مزدحماً بعيادات الأطباء ، ومراجعيهم الوافدين من كل ناحية وصوب ، والمستشفيات الأهلية ، والمختبرات ، والصيدليات ، والفنادق التي تهيأت لإستقبال المرضى من المحافظات الذين كانوا يودون مراجعة الأطباء في بغداد مما جعل هذا الشارع تدب فيه الحياة ليل نهار .
وكانت عيادتي كطبيبة أختصاصية للنسائية والتوليد في الطابق الثاني " لعيادة دار السلام" وضمن أثنتي عشر عيادة لمختلف الإختصاصات في وسط شارع المشجر من الجهة اليمنى بإتجاه شارع السعدون وبعدها مباشرة عمارة ملتصقة بها في مدخلها محل صغير ( لجايجي ) كان يبيع الشاي للمارة ولمرافقي مرضى العيادات . وتقابل"عيادة دار السلام" في الجهة اليسرى من شارع المشجر صيدلية "بثينة الأمين" وقبلها ساحة كبيرة مشتركة بين شارع المشجر وشارع ساحة النصر وهي "حديقة السعدون" . الحديقة التي كانت تزهو بجمال الورود فيها وتنوع أشكالها وألوانها وأريجها الفواح وخضرة ساحتها وجمال أشجارها الباسقة . مما جعل أهل المنطقة والمناطق القريبة منها والعاملين فيها والمارة يتخذونه مكاناً للتنزه والإستمتاع .
لكن الحروب التي حلت في العراق بدءاً من الثمانينيات والحصار الجائر على الشعب العراقي جسد لدى غالبيتهم شعوراً عميقاً بالبؤس والظلم والإحساس القاتل بالحزن واليأس لمناظر الدمار والخراب التي ظهرت بوضوح في كل شبر وزاوية من أرض العراق فغدت عماراتها هياكل من حديد وتجمعت الأنقاض والنفايات في شوارعها الفرعية والرئيسية وتبخرت الخدمات اليومية للمسؤولين عن نظافة بغداد وتجميلها . وقتها كان العالم يشهد البناء والتطوير والعراق يشهد الخراب والتهديم والتدمير .
شارع المشجر كسائر شوارع بغداد عانى نفس الدمار والخراب وأبرز ماتحول فيه هو تغيير ساحتها الكبيرة والجميلة " حديقة السعدون" الى ساحة لتجميع حاويات النفايات وتراكم الأنقاض والقاذورات على أرضيتها وأبرز تلك النفايات مخلفات المطاعم والفنادق والمستشفيات والعيادات وبها فقدت حديقة السعدون هويتها كمتنزه جميل للمنطقة .
وغدت مأوى وملجأ للأطفال المشردين الذين برزوا وقتها بأعداد كبيرة لسوء معيشة وفقر عوائلهم وأصبحت مرتعاً لعيشهم وعبثهم بتلك النفايات والقاذورات من أجل التفتيش عن علب الثنر وإدمانهم على إستنشاقها وكذلك التفتيش عن حاجتهم من الأكل وسد رمق الجوع لديهم من مخلفات المطاعم والفنادق القريبة في أكياس وحاويات النفايات .
كانت النفايات والقاذورات المتراكمة والمبعثرة والمتروكة بعد فترة تبدأ بالتعفن لعدم إزالتها في وقتها السريع والمنتظم وذلك لعدم وجود من يقوم بهذا العمل أي تنظيف الساحة والإعتناء بها . مما جعلت الغازات الضارة والأبخرة السامة والنتنة تتصاعد من تلك النفايات العفنة وتغدو مصدر أذى لصحة كل من يستنشقها وذلك لنمو وتكاثر مختلف أنواع البكتريا والحشرات والقوارض الضارة عليها إضافة لمنظرها المقرف للذوق العام والخاص .
كان المشردون أطفالاً قريبين من سن المراهقة أوربما قبلها بقليل أو بعدها ثيابهم رثة ومتسخة ، أقدامهم هزيلة وحفاة ، وجوههم بائسة وقذرة ، أكفهم وأرجلهم مغطاة بطبقة كثيفة وداكنة من القذارة .
هم وأقرانهم يلتقون بأستمرار معاً لفقدان متابعة وحرص أهلهم وأقربائهم لهم . يتجولون معاً أو فرادى دون هوادة ودون هدف في شارع المشجر .
في ذلك الوقت والحين لفَّ بغداد حزن کبیر بسبب الجثامین فوق السیارات ومواکب تشییع الشهداء ورقصات الامهات الثكالى في مقدمة المشيعين وهن يزفن فلذات اكبادهن الى المقابر والتي غدت من مشاهد التعاسة اليومية .
لكن مشاهد اطفالنا الغارقين في وحل الفقر والجهل والمرض والتشرد والعبث والجنوح كان لايقل الماً إنها حالة استشهاد الثقافة لشريحة ليست بالقليلة من جيل في دور الصيرورة .
الفقر والجهل والمرض هذا المثلث العالمي السيء الصيت كنت أجده شاخصا بوضوح في بغداد وحي البتاوين وشارعه المشجر ولم تخل محافظة في العراق من امتداد أضلاعه المرعبة . لذا غدا الألم يرافقني بشدة لمجيئي الی عیادتي أو خروجي منها لأعود الى البيت ويزداد هذا الألم يوما بعد يوم بسبب تلك الظروف الصعبة والعسيرة .
ولفقدان الأمن في بغداد وزيادة الجريمة فيها مما دعا زوجي يفضل توصيلي اليومي للعيادة والمستشفيات الأهلية وإعادتي منها . عند تأخري فيهما كان يمكث جالساً في السيارة ينتظرني ويغلق جميع أبواب ونوافذ السيارة تفادياً منه لمخاطر الجرائم المتوقعة وقتها في يوميات بغداد . وعند إنتهائي من العيادة قبل مجيئه كنت أنتظره في صيدلية "بثينة الأمين" وأرى بإنتظاري مجاميع المشردين وهم يعبثون بقاذورات ونفايات الساحة القريبة بحثاً عن علب الثنر لإستنشاقها وإيجاد مايأكلونه .
كنت أتألم لوضعهم خصوصا بعد سماعي من الصيدلانية "بثينة الأمين" بأن أحدهم مات قبل أيام أمام مدخل صيدليتها لإستنشاقه مادة الثنر ونومه العميق منها لحد التخدير وذلك لشدة البرد ليلتها مما وَلَّدَ عندي الرعب أكثر لموضوعهم . وبدأت مع نفسي ألوم الطرفين المسؤولين بصورة مباشرة عن هؤلاء الأطفال المشردين . الطرف الأول والأهم هم أهلهم . والطرف الثاني مسؤولي الدولة العراقية الذين من واجبهم الإعتناء بتنشئة وتعليم ورعاية جميع الأطفال في العراق وأخذ مسؤولية تطويرهم والتعب عليهم ليكونوا مواطنين منتجين ومفيدين لأنفسهم وللعراق .
لدى حضور زوجي وجلوسي في السيارة كنت أبدأ النقاش معه عن قضية هؤلاء المشردين لأسمع رأيه بهم ولنجد معاً حلاً وعلاجاً مشتركاً لمنع تشرد هؤلاء الأطفال والتفكير بطرق إرجاعهم لبيوتهم ليعيشوا بكرامة وأمان مع أهلهم ولمنع إدمان الثنر عنهم لما فيه من أضرار كبيرة على صحتهم ومصيرهم وكذلك مصير عوائلهم ومجتمعهم لكن مناقشاتنا ومقترحاتنا كانت لاتوصلنا إلى حلول مقنعة ونافعة لغياب مساعدة الدولة لهؤلاء المشردين .
بعد أيام قليلة لحادثة موت أحد المشردين أمام صيدلية " بثينة الأمين " وإنهائي لعمل العيادة وخروجي من باب العمارة التي فيها عيادتي رأيت زوجي جالساً في السيارة بإنتظاري وقبل وصولي للسيارة رأيت أحد هؤلاء الأطفال المشردين يَغُطُ في نوم عميق داخل كارتونة لإستنشاقه الثنر حاولت إيقاضه وأنا في طريقي للسيارة لكن لم ينفع أعلمت زوجي بأنه لابد لنا من مساعدته وعدم تركه يموت من البرد كصاحبه في هذا الليل البارد حيث كنت أشعر بالبرد الشديد رغم ارتدائي معطفاً صوفياً طويلاً . والمشرد ملابسه كانت خفيفة ونائم داخل كارتونة دون غطاء . سألني زوجي ماذا برأيك علينا القيام به كي نتمكن من مساعدته قلت نتمكن من إخبار دورية الشرطة كجهة رسمية ومسؤولة لأن واجبهم حماية المواطنين والمحافظة على أرواحهم خاصة أرواح هؤلاء الأطفال المشردين وذلك بمنعهم من المبيت في الشوارع وإيجاد مأوى آمن لهم يقيهم من البرد وعليهم تقع ضرورة تزويدهم بالأكل الضروري الذي ينقذ جوعهم وحاجتهم . نزل زوجي من السيارة حاول بدوره إيقاضه دون نفع وذلك لعمق تأثير الثنر عليه وعدم شعوره بما يدور حوله . بعدها تبعت زوجي لنستفسر من ( الجايجي ) ونطلب مساعدته لأنه كان آخر من يغلق محله في شارع المشجر . بدأ زوجي بالإستفسار منه عن كيفية تعامله مع هؤلاء الأطفال المشردين بعد إستنشاقهم مادة الثنر هل يتركهم لحالهم عند إنتهائه من عمله ويذهب للبيت أم هناك إجراء يقوم به لمساعدتهم بعض الشيئ . كان جوابه بأنه يتركهم لحالهم ويذهب للبيت لأنه لا يتمكن من مساعدتهم وليس بيده أدنى حل لمشكلتهم . الجايجي كان يعرفني من سنين عديدة بحكم جيرته لعيادتي رأى بأنني أرفض ترك الطفل بهذه الحالة وفي برد تلك الليلة وأذهب للبيت دون إيجاد حل منه أو من زوجي لأمنع عنه الموت المحتم . قام بإحضار سطل مملوء بالماء من محله ولم يعلمنا بما سيفعله قام بسكب الماء على الطفل في ذاك الجو البارد . جنَّ جنوني لفعلته لذا لم يبقى أمامي سوى الطلب والترجى من زوجي بضرورة أتصالنا بدورية الشرطة لتلك الليلة وكنا نعلم بأن دوريات الشرطة تقف في مدخل شارع المشجر منطقة إتصاله بشارع السعدون أو في بداية ساحة النصر . وافقني زوجي وكانت الساعة تشير للعاشرة ليلاً رأينا معاً سيارة لدورية الشرطة تقف في بداية ساحة النصر وعدد من الشرطة خارجها مجتمعين يأكلون البقلاوة من محل قريب . نزل زوجي من السيارة وتركني داخلها بالقرب من وقفتهم ليعلمهم بحادث الطفل المشرد والنائم دون غطاء في كارتونة وقيام ( الجايجي ) بعد طلبنا لمساعدته بمحاولة إيقاضه وذلك برشه بسطل ماء في هذا البرد الشديد . طلب زوجي منهم راجياً مساعدتهم بإنقاذه مما هو فيه . جميع أفراد الشرطة الواقفين وجهوا أنظارهم وإنتباههم لأقوال زوجي عن الطفل المشرد وعلى وجوههم علامات التعجب والإستغراب الشديد تبرع أحدهم نيابة عن الباقين ليقول وباللهجة العامية المتداولة ....
"عمي دروح الله يخليك صدك أنت بطران أنت خايف عليه يموت مايموت ! بالجهنم عليه " ولم يتوقف الباقون من الشرطة عن أكل البقلاوة وأحاديثهم وضحكهم كأنهم لم يسمعوا شيئاً من طلب ورجاء زوجي منهم وحتى ربما لم يسمعوا جواب صديقهم الشرطي المسؤول معهم في دورية الشرطة لتلك الليلة ولم يكترثوا للموضوع مطلقاً .
رجع زوجي للسيارة مغتاضاً لأنني دفعته لتلقي ذلك الموقف الصعب والمحرج له من أناس لايملكون ذرة من الضمير والإحساس رغم وجودهم في الواجب وأنا بدوري تأثرت للموقف الذي عانى منه زوجي وفضلت وقتها السكوت لأنني كنت عند تفكيري بالطفل ومعاناته خاصة وأنني تسببت زيادة على الجو رشه بالماء .
تمنيت وقتها لو تمكنت الطلب من زوجي جلب غطاء ثخين من البيت لذلك الطفل المشرد ليقيه برودة تلك الليلة وحصولي على موافقته لطلبي كحل وقتي . لكنني لم أطلب منه ذلك لأنني كنت واثقة بأن طلبي سيلقى الرفض منه خاصة بعد تصرف الشرطة معه بطريقة غير لطيفة . ولأن الطلب غير معقول لهكذا حوادث تتكرر يومياً والعلاج أكبر بكثير من عاطفة فردية .
ولفنا صمت مطبق وحزين ذهبنا للبيت وليلتها كانت من أصعب الليالي التي مرت بحياتي تعمدت فيها تحمل البرد وعدم تغطية نفسي لكن شتان بين جو البيت ودفئه والجو خارج البيت وبرده الشديد خصوصا في منتصف الليل ومعها تسببت في بلل المسكين دون قصد أو سيطرة مني . تخيلت ليلتها بأنني سأصعق بخبر وفاته في اليوم التالي لكن عند وصولي وأستفساري أكد لي ( الجايجي ) بأن الطفل النائم في الكارتونة أستيقظ فجأة وهرول لبيته بعد ذهابي مع زوجي لإبلاغ دورية الشرطة فشكرته وحمدت الله بأننا ساعدناه بطريقة غير مباشرة ولم نتسبب في موته كما راودتني الأفكار السوداء والأحلام المزعجة ليلتها .

بقلمي / د.فيان النجار

ماهو الثنر ؟ / منقول
الثنر تركيبة كيمياوية تتميز بالتطاير يستخدم في الصباغة وإزالة الأصباغ . لإستنشاقه مخاطر جسيمة ويؤدي الى الإدمان السريع . يدمن عليه الأطفال دون قصد أو استشعار لأن لدى استنشاقه يولد نشوة كنشوة باقي المخدرات .

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‎Vian AlNajar‎‏‏، و‏‏لقطة قريبة‏‏‏