سمراء العدالة


1 قراءة دقيقة


ذات صباح وضع مسودات مقالاته التي ينشرها في العمود المخصص له في الجريدة في ظرف ابيض كبير وعزم على اعطاءه لجارته السمراء في محل عملها في المحكمة حيث تعمل قاضية ،لكن بدأ التردد يغزو أسارير عزيمته وأوجس في نفسه خيفة أن تحكم عليه بالتوقيف بتهمة الاعتداء او التحرش . لمح خروجها من خلال سياج حديقته بثوبها الذي يتنقط حِشمة ووقار فسارع لتسليمها الظرف ، تسّمر عند الباب وهو غارق في بحر شموخها وراودته فكرة ان تضحك عليه وتمرغ اعجابه بها في كبرياءها وكيف لا وهي الاكبر سناً والاعلى شهادة والارفع مرتبة وظن ان هذه العراقيل تزيل وشاح السعادة عنه وتتعرى أحلامه التي وأدها قبل ولادتها وخانته الشجاعة مرة اخرى ولم تحظى قصاصاته بلحاظ عينيها لتشرق فيها الحياة . ركبتْ سيارتها وبطرف عينها تنظر الى يد جاره وسارت نحو دائرتها ودخلت غرفتها تتصفح الجريدة التي ابتاعتها في باب المحكمة وتقرأ في العمود الذي يحرره جارها وتحدقت في الجملة :- احاول استجمع قواي وأبعث اليك ما يجول بخاطري لكن تخونني الجرأة كل مرة . طوتْ الجريدة ورمتها جانباً وقالت في نفسها ونحن لا نريد متخاذلا مهزوز العواطف مبعثر الفكير يخذلنا بجبنه وانهمكتْ في شغلها .
رجع الى غرفته يلعق خيبته يجرجر نعش امانيه ورمى الظرف على المنظدة حابسا وجهه في راحتيه وإذ دخلتْ عليه ابنة عمه الدلوعة السمراء ايضاً لكن افتح لونا واجمل معاني وشعرها الاسود الفاحم مسترسل على كتفيها يزيدها جمالا وقالت بغنجة ودلال اكتب لي إنشاء ايها الاديب وضحكاتها تملئ اركان الغرفة الكئيبة وكأنها رياح تمسح آثار اقدام حزنه وبأنامها تقلب الرسائل في الظرف وتقرأ العناوين كالنحلة تنتقل من قصاصة الى اخرى تمتص رحيق الكلمات ورمتْ بالرسائل وقالت لا نحتاجها انا ايضا احبك . نظر الى قصاصاته وهي تزقزق كالعصافير التي هدمت اعشاشها . قارن عفويتها وعنفوان شبابها بشموخ جارته وأتزانها التي قد يعقد حياته ،فتزوج من ابنة عمه وسافر الى اربيل وترك الصحافة واشتغل في شركة للمقاولات عن طريق صديقه المهندس ليلبي احتياجات زوجته الشابة مخلفاً لؤلؤته في صدفها ومحتضناً للزبد الذي قذفه امواج تفكيره العقيم . مرتْ سنين وضاقت عليه الشقة وكبر الاولاد فطلب من صديقه المهندس رسم خاطة لبيته الجديد وهذا الاخير عزمهما الى داره ان اعجبهما التصميم ليرسم لهما على شاكلته .
دخلا البيت وابهرهما التنسيق الرائع والترتيب الجميل وزوجته تنظر باعجاب الى اللوحات والتحف والمهندس يشرح لها ، جلس الزوج على الاريكة يقارن الفوضى الموجودة في بيته مع التنظيم الذي يراه وقطع ميكانو اطفاله يجرح رجلة كلما داس على ارضية الشقة ،قطعتْ زوجة المندس حبل افكاره تُعّرفه على ابنها هذا ابني هيمن سميته بإسم شاعرنا الكبير هيمن موكرياني ابتسم قائلا يا محاسن الصدف انا ايضاً ابني اسمه هيمن قالت الحمد لله هما هيمنان ولو قرأنا قصاصاتكم لكان هيمناً واحدا قال الحمد لله وصدق الله فالطيبات للطيبين وبقيى فمه مفتوحاً من هول المفاجأة