ساعة الجيب......مجموعة قصصية


2 قراءة دقيقة

فايزه بازرگان 




لوعة حنين 


بوادر السعادة تظهر على شفتيها بأبتسامة رقيقة وهي تشد على يد حفيدها الذي يرقص فرحا وهما خارجان من باب مدينة الالعاب ، رغم الحزن العميق الذي غزا وجهها واحتل مكامن الفرح في محياها وامتص الوان زهو شبابها ، وإذا بشاب وسيم يتقرب اليها ويهديها وردة نرگز ( نرجس ) وهي تشمها بحنان تملئ رئتيها وتتنعم بعطرها الدافئ وكانها متعطشة لهذا الكم من الهواء العليل ، ترنو اليها كهمسة حنان وردة الشمس للشمس .
توسد الشوق ركن كبدها وعاد يدق بابها من جديد يجدد انتماءه ويبصم جواز العبور همتْ بإعطاءه مبلغا لكنه حرك راسه بالنفي وأختفى في سرعة البرق .وفي الجمعة الثانية وهي في اشد حالات الشوق اليه ونور وجهه اخفى ملامحه تقدم واهداها وردة اخرى ، حاولت ان تعطيه مبلغا لكنه قال ثمن وردتي ابتسامة هذا اليتيم ، توارى كعادته وهي ترمقه بنظرات الحنين وتجليات اللهفة كنسمة ربيع أينعت الامال بين مجرات قلبها الذي اختل خفقانه ، واضبت المجئ الى المتنزه ليس لتسلية حفيدها الذي فقد اباه في التصدي لداعش بل لرؤية الشاب النوراني الذي تعودت على هديته واشباع عينيها بجماله اليوسفي وهي ترمي بنظرها ذات اليمين وذات الشمال تتفحص الوجوه علها تحظى برؤيته لكنها عبثا تحاول . تقربت من الشابين الاخرين الذين يبيعان الورد ، لماذا لا ارى زميلكم الثالث ! اجابا نحن هنا من نبيع الورد ولا ثالث هنا. احمر وجهها من الخجل وهي تهمهم مكلمة نفسها ايتها المتصابية هل خرفك العمر ام جننك عشق النور المنبثق من وجه بائع الورد ، تنفست بأسى اليائسين واشترت بعض الملاعيب لحفيدها ورجعا الى البيت . فتحت الباب وهي خائرة القوى كخيمة متكسرة الاوتاد وإذا بالشاب النوراني الذي سلب لبها جالس وسط الصالة ينتظرها ، رمت ما في يديها من اغراض وارتمت في حضنه تقلبه وتبكي بحرارة من لهيبها ينصهر الحديد وتقول اين كنت يا حبيبي فلقد غلبني الاشتياق وارهقتني لوعة البعاد وورودك زرعتها في خابية كبدي واسقيتهامن ندى روحي وهو متضايق من شدها له ويحاول الهروب منها وهي تزداد تمسكا وصراخا وافلت من بين يديها نحو الصورة المعلقة على الجدار واستقر بداخلها وهو يقول لم يكن عهدي بك هكذا يا اماه ألم تعلمي ان الميت يعذب ببكاء اهله ...

_________

المخاض 


في الطرق والاثقال هّدَتْ كاهلها وهي تنقل البضاعة من القرية الى الشارع العام لشحنها الى الاسواق وهي مثقلة بالوجع  ولهيب الثكل وقهر الفراق يمتد ليخترق كل كيانها يغتصب قوتها ويلتهم انوثتها تراءت امام عينيها في منتصف الذكريات زوجها وطفلتها وقريتهم كيف داهمها الجيش هدموا البيوت واحرقوا الزرع وقتلوا اغلب المواشي وساقوها وكل اهلالقرية  كالبهائم نحو مصير مجهول في اشرس حملة ابادة عرقية عرفها التاريخ سميت بالانفال ، سطوة الاحمال  داهمتها لتتذكر مخاضها في الشاحنة المملوءة برجال ونساء قريتها وهي تكتم انفاسها خوفا واستحياءا وتعض على شفتها السفلى تمتص صرختهاحيث الحزن يغزو وجهها الشاحب وترتجف من برد الضمائر وهول المصيبة المباغتة . احس احد الجنود القائمين على الشاحنة بحالتها يراقب توجعها يبكي لبكاءها ويتهرب من توسلاتها للمساعدة وهو عاجز لا يستطيع فعل اي شيئ .
بعد مخاض عسير انجبت طفلا باسنانها قطعت السرة ورمته من الشاحنة وقالت ليكن قضمة في فم الكلاب اهون من ملاقاة المصير المظلم الذي ينتظرنا . لم يتحمل الجندي تنهيدتها الحارة وصرخ باعلى صوته لقد ماتت النفساء وهمس في اذنها سوف القي بابنتك ايضا ورماها من الشاحنة العسكرية . زحفت على الارض مخضبة بدم نفاسها تحبو تارة وتمشي اخرى كالمجنونة لتلحق بأبنها ثم تستدير لترى ابنتها تهرول نحوها واغميت عليها لتجد نفسها وولديها مختبئة في احدى البيوت في منطقة طوبزاوه ولسان حالها يلهج بالدعاء لذلك الجندي الذي ساعدها ، كل هذه الذكريات الضبابية تراءت لها وهي تمشي الهوينا بحملها الثقيل فلقد ربت ابنتها وابنها ا بهذا العمل قبل ثلاثون عاما والان ستربي ولدي ابنها الذي استشهد وهو يدافع عن كركوك وبنفس الطريقة
( الفكرة من كتاب الشاهدين على حملات الانفال للاستاذ عارف قورباني مع الشكر والتقدير)

___________

الخضر المزيف 


في شارع فرعي ضيق شديد الانحدار في منطقة التقسيم وعند الباب الجانبي للقنصلية الهولندية في استانبول ذات فترة وفي مقابلة مع القنصل برفقة صديقتي التي تعمل في شركة اجنبية لتساعدني في ترجمةبعض المفردات ان عصت عليى . من خلال شق ضيق في الباب قال الحارس بالتركي لانقبل ترجمان الاقارب وهذه ابنتك قلت هي ليست ابنتي انظر الى الجوازات وستجد الفرق بالاسماء لكن لم يأبه لكلامي واغلق الباب بعصبية . واذا بإمرأة في الاربعينيات من عمرها تتقدم نحونا وقالت لم يقبلوا بزوجي ايضا ليترجم لي وبعد دقائق جاءت اخرى ووقعت في نفس دوامتنا . كان الجو شديد البرودة وزخات المطر تبللنا والغضب احتل وجهنا لسوء المعاملة والوقت يداهمنا راودنا قلق شديد وتفسخت حيلتنا وتهدمت حصون افكارنا كيف نخرج من هذا الظنك وقال زوج احدى النسوة ساذهب الى آق سراي وابحث عن مترجم . ثمة رجل مرتدي معطفا اسودا جالس في الكافتيريا الصغيرة القابعة بجانب القنصلية يراقبنا عن كثب وبين فترة واخرى يلقي بنظراته المريبة واذ اقبلت امرأة بدينة لا تكاد تقوى على المشي مستندة على مرافقها ، ودخلت معنا نفس معمعة لا نقبل بترجمان الاقارب . قام الرجل ابو المعطف من الكافتيريا وبدا يمشي بخطى بطيئة يتظاهر بتجاهلنا منشغل بموبايله وكأنه يهاتف شخصا ما ثم تقرب منا وقال بالعربية الفصحى انا مترجم قانوني وبكل اللغات هل من خدمة اسديها لكم ؛ لم تكن من المرأة السمينة الا ان صرخت بأعلى صوتها بعفوية مفعمة بالبراءة ؛ اللهم صل على محمد وآل محمد وكلنا رددنا وراءها وكأن هماً ثقيلا انزاح من كاهلنا وهي تتمم كلامها ان الله دليل الحائرين ها قد ارسل لنا الخضر ليخرجنا من مأزقنا . ادخلنا نحن النسوة الاربعة دون المرافقين بعد ان اتصل بهم تلفونياً وحيث الباب يؤدي الى ممر ضيق فيه اربعة كراسي كانه مجهز لنا وصعد الى الدرج وقال انتظروني خمس دقائق . قلت بصوت خافت يا خضر يا بطيخ ها متفق معاهم ويمكن دلالهم . قالت المرأة السمينة لا يقتلوننا مثل القاشخجي وقالت لها المراة الاخىرى سوف يصهرونك لانك سمينة ضحكنا ولا ادري لِمَ القلق سيطر علينا مرة اخرى وتجدد الاضطراب فينا وبدات السمينة ترتعد خوفا وقلقا ووضعت كلتا يداها في يدي وانا اشد عليهما اطمئنها واذ فض المترجم السكون مناديا باسم احدانا وبعدها بدقيقتين نادى على الثانية ثم نادى عليى لكن المراة السمينة متشبثة بيدي بخوف تقول لا تتركيني صعدت معي الدرج . ثمة شباك في نهاية السلم خلفه موظف تركي جالس امام كومبيوتره سالني بالتركي لماذا تسافرين قلت زيارة وسياحة ثم قال للمراة السمينة وقعي هنا واستلمي اوراقك لقد رفضوا طلبك والمترجم واقف معنا ولم يترجم حرفا واحدا وقال لنا بعدما وقعنا في مصيدته انتظروني في الكافتيريا آتيكم بارقام المعاملات . طلب من كل واحدة منا مئة دولار وكالقطيع المطيع دسنا المبلغ في يده وقلت للسمينة هل هذا الخضر ام ظله قالت انه الخضر المزيف ضحكنا على انفسنا وتعالت قهقهاتنا على سذاجتنا وعلمت ان الفساد كالاخطبوط مستشري في دوائر كل الدول

_____________

عزف الحب



كانت فتاة على الهامش منسية  ماتت فيها احاسيس الانوثة مهملة فلم تكن تهتم بنفسها تسكنها الاستحياء  قابعة في الاعمال المنزلية ، فتحت باب المنزل فوقعت عيناها على عينيه فخفق قلبها وتلعثمت لسانها ونسيت اللغة التي تتفاهم معها فأشارت اليه والى والدته بالدخول نحو غرفة الضيوف حيث اخواتها الاصغر منها ووالدتها في انتظارهما ترجلت نحو المطبخ ووضعت كاسات الماء على صينية التقديم واتجهت نحو الغرفة وقدمت له الماء فوقعت عيناها مرة اخرى في عينيه بحيث عزف الحب في دهاليز قلبها الفتي الذي لم يقرع احد بابه وهي تحاول حبس ارتباكها وإخفاء لهفتها لهذه النظرة التيهي  كقطرات ندى الصباح تبلل ضمأ روحها ، وهو يشرب الماء قائلا  لها شكرا وصوته الرخيم يزاحم اشواقها وهي تحترف اللامبالاة ، كبلت مشاعرها مرة اخرى وكبحت جماح احاسيسها وتجنبت التفكير فيه  وتقول في نفسها : ضرب من المستحيل ان يفكر فيى واصدق الخفقة الاولى واخون اخواتي اللواتي  تزيِن ولبسن اجمل ما عندهن تنتظرن اختيار احداهن كزوجة له لكن خانتها السيطرة لكبت هيجانها فامتطت صهوة عشقها تعنف حياءها  ووضعت كاسات العصائر على الصينية وهرعت نحو الغرفة كفراشة تحوم حول نظراته تتدثر بها وتنتحر خجلها على نور  اللحاظ ، والحب يغرس بذوره وهو مستبشر  بارتعاشة يدها وترتجف العصائر على الصينية مع ارتجاف يدها وهالة البساطة تكسوها بقميص نومها وشعرها الاشعث ، لم تتحمل نظراته المختلسة فركضت نحو المطبخ وقفلت الباب على نفسها وهي تهمهم هل خرفت يا ترى ؟  تلوم نفسها لماذا اشاكس حظي وارسل حلمي يحط على غصن مائل يجب ان ارضى بقدري ، مرت ايام وجاءت ام العريس تقول للوالدة لقد وقع اختياري وابني على الخادمة فحدثيني عن اصلها واخلاقها قالت ليس لنا خادمة قالت تلك التي فتحت لنا الباب واسرتنا بكرم ضيافتها قالت انها ابنتي الكبرى فهلهلت الام وقالت اذن الفرحة فرحتين فقالت العروس في نفسها  وهي تقص جدائل الخيبات : - ان الله قادر على ادهاشك ايتها الفتاة كريم على صدمك برحمته فله الحمد والثناء .

______________

يالطيف


قالت لها والدة خطيبها ورائحة الغدر يفوح منها في احتراف السطوة بقلب متحجر يقطر قسوة ومرارة :- ان ابني صرف النظر عن الارتباط بكِ . اجابتها بمنتهى الرقة ودموع الاسى تصخب شفتيها ،  وشحوب وجهها من العملية الجراحية لاستئصال العقدة في صدرها قد اخذ منها تورد وجنتيها :- لكن بتيجة الزرع لم تظهر بعد وهل الراي لابنك ايضاً ؟ اجابتها العجوز وهي تدوس على امنيات العروس الصغيرة  في اقتحام قاسي لقلبها بجملة اشد وقعاً عليها من ضرب الرصاص :- انا وابني لا نتعامل على السمك في البحر . بكآبة المرضى حاولت موازنة وقفتها وهي على وشك السقوط واستجمعت قواها ورجعت هداياهم قائلة :- الله الغني وعسى هذا المرض منع كارثة تضمر في ثنايايا شراً . ثم لذٌتْ الصمت واهلها يواسونها بشتى الطرق لكن كلماتهم لم تكن سوى قطيرات ماء لاتروي العطش ولاتطفئ جمرة الالم التي تحرق كبرياءها ٠
في غرفة الجلوس الكل يتابعون فلم ام العروسة ، همت بالخروج من الغرفة حيث الفلم ممل وفي لحظة خروجها البطلة جاءها الطلق والممثلين يرددون ؛ يا لطيف ؛ وانجبت البطلة مولودها . كانت كلمة يا لطيف بمثابة جرعة امل انقذتها من الغرق في دوامة حزنها وانتشلتها من وحل انكسار كرامتها فدخلت غرفتها ووضعت يدها على جرحها وهي تردد يا لطيف حتى غابت في نوم عميق لم تصحى الا على آذان الفجر وهي لم تسكت عن موالها المقدس الى ان جاء موعد نتيجة الزرع فذهبيت مستبشرة مؤمنة بقضاء الله واذا بإبتسامة الطبيبة تسبق بشارتها :- ايتها العروس الجميلة تهانينا العقدة حميدة ولسان حالها لاتزال تردد يالطيف يا لطيف

_____________

عقوق 
.............
هرع مسرعا نحو غرفته ليبدل ملابسه التي تبللت من رذاذ خرطوم حنفية الماء وهو يرشه على جسم والده العجوز الذي غلبه الاسهال ولم تقوى رجليه على حمله الى دوره المياه . والوالد يئن من ضعفه وقد تجمدت اوصاله ليس من البرد و البلل انما من تصقع قلب ابنه الذي لم يكف عن تانيبه .
ارتمى في حضن زوجته التي امرته بتنظيف والده في الجراج خارقاً حجاب البر والاحسان ورائحة العقوق تصخب حركاته والرحمة امتهنت التغرب في قلبه . احس بالدفئ وتذكر انه لم يبدل ملابس والده المبللة فخرج اليه رافعا صوته بالشتائم والاهانات لماذا لم تنزع عنك ملابسك المبلله هل شُلٌت يداك والعجوز لا يجيب ساندا جسمه على السيارة المركونة في الگراج . تقرب الابن من ابيه وهو يشتاظ غضباً ، فإذا بالاب متخشب وعيناه مفتوحتان طريتان لم يُعْرَف أهو بلل من رذاذ الماء ام انه دموووووع

________________

خيالات ايزدية
.............................
قادتها عيناها المتعبتين الى حيث تمثال السيدة مريم وابنها عليهما السلام في ليلة صاخبة من الاحتفالات باعياد الميلاد ورأس السنة وفي مخيلتها المرهقة صور الرعب التي ذاقتها طائفتها حين هاجم داعش على مدينتها ألآمنة وقتلوا بني قومها وسبوا النساء وحيث هربت مع من هربوا من بني قومها صوب جبل سنجار ملاذهم الآمن كسفينة نوح يختبؤن بين اخاديدها خوفا من الذئاب المفترسة التي تنش لحومهم خلال ٧٣ مرة من الابادة والتطهير العرقي .
ألتبست عليها اصوات استغاثة اخواتها الاسيرات مع اصوات الموسيقى والاغاني وهي متخمة بالحزن تحدق في التمثال وانبرت قائلة :-
يا سيدي يا روح الله وكلمته القاها الى مريم البتول انت كلمتَ الناس في المهد وكهلا ساعدني ارجوك أحيي لي اهلي وعشيرتي !!
فإذا بالسيد المسيح يومأ ؛- ايها الموتى قوموا بإسم الله ، فقام اهلها وكانهم كانوا نياما واتجهوا صوب مزارعهم . الارض التي كانت مكتظة بتناثر جثث القتلى على انقاض البيوت المتهدمة تملأها العشب الاخضر وازهار الاقحوانة الحمراء تزيدها حيوية وجمالا ، والصبايا بملابسهن الزاهية في ايديهن شموع موقدة بزيت عفتهن تحتفلن بالعيد على طريقتهن وهي لا تزال تحدق في التمثال سارحة في خيالاتها

______________

الفاجعة المباغتة


ترمق اعتاب البيوت علها تجد من يقرأ لها احدى رسائله القديمة لتتوغل في بهجة كلماته ووالدمعة رابضة في عينيها وتارة تحوم بنتظراتها المتوسلة  على امتداد الشارع تستجدي العطف تنتظر ساعي البريد لياتي لها برسالة جديدة من ابنها الوحيد الذي ذهب في بعثة دراسية الى الازهر حيث باتت الرسائل غذاءها الاساسي تقتل بها نهم الشوق وتروي ضمأ الامومة  لتخفف قيظ سياط الوحدة وضبابية الظروف المحيطة بها حيث الفراق يقوض الباقيات من ايامها . غاصت في لواعج روحها المتعبة تتخيل ابنها يخطب في الناس يؤومهم في صلاة الجماعة تتمرغ في الامال لتخفي قلقها وارتباكها من تأخر ساعي البريد عنها والله فقط يعلم بعمق حزنها ، قفلت راجعة الى بيتها تجر اذيال الخيبة بعد ان رسم اليأس خيوطه في وجههاالذي يعج بالتجاعيد . وصل ساعي البريد حاملا برقية فيها خبر وفاة ابنها وحار اهل الحي في كيفية اخبارها بهذه الفاجعة المباغتة بحيث لا تؤثر  على صحتها وهي قاربت السبعين من عمرها ،
اوكلوا إمراءة حكيمة من اهل المنطقة لاخبارها بأمر الله في وحيدها ، دفعت الباب ومعها نسوة من اهل المحلة واذا هي جثة هامدة قد فارقت الحياة تاركة لهفتها واشواقها على بضعة وريقات مختومة فيها محبة لا ريب فيها ولا نفاق وضعتها على صدرها واطبقت كلتا يديها عليها

________

ريتا


رجعت ، من السويد لزيارة اهلها  برفقة كلبها ريتو مع المغتربين عن طريق الاردن حيث الطيران كان محظورا على العراق في اواسط التسعينات من القرن المنصرم . سارت الاقرباء والاصدقاء للترحاب بها ولينهلوا مما تعلمتها من علوم وثقافة من ذلك البلد ، فإذا بهم يتفاجئون بعفونة  فكرها وضبابية انتماءها وزيف معتقدها جم كلامها عن ريتو وكيفية غسله ومنامه الوثير وان فطوره هو البيض المقلي والصمون الابيض وغذاءه لحم وعظام الفروج وعشاءه الخضر والبطاط ( حتى اولاد اخوته كانو يقولون لها اعتبرينا ريتو واطعميننا من طعامه ) ومعظم من اهل البلد يعانون الفاقة ويلفح الفقر وجوههم بسبب الحصار الاقتصادي الجائر وهي غير آبهة تنعت جماعة نقاط السيطرة  بالغجر لان اخذوا منها المعلبات التي هي طعام ريتو . سالوها زوارها عن معالم السويد وحضارتها حين سئموا من الحديث عن ريتو فلم يسمعوا منها الا الخواء وحيث امتزجت البطر بطباعها واتسعت رقعة التكبر في مداركها واذا تكلمت يطل الغرور من شفاهها وهي تعتز بتمردها عن عرف وعادات شرق اوسخها ( كما تدعي ) وارتدادها عن دينها الحنيف وتهجمها عن الايات القرآنية والاحاديث الشريفة وتعتبر انفصالها عن زوجها وتمرغ اولادها في وحل الحرية وتقليدها ارتداء ازياء ذلك البلد واستعمال الالفاظ الاجنبية  تطوراً  وارتقاءا على سلم التقدم . انتهت اجازتها وهمت بالرجوع مع رفاقها لكن عند نقطة الطريبيل رجعوهم لاجراء تحقيقات امنية مما اضطر اهلها ان يسفروها من ايران حيث المهرب رفض اصطحاب الكلب لذا تركته عند اهلها واوصتهم بالاعتناء عليه لكن الحصار كان اشده لذا تركوا ريتو سائباً ياكل خشاش الارض فهزل كزهر مُنِع منه الماء والضوء ثم نفق ، حزنت عليه كثيرا ولم تنساه بحيث خلّدت اسمه بتسمية حفيدتها (لابنتها التي تصاحب سويديا ) بِإسم ريتا (  نقلا  من  فم ابنة اختها كتبتها باسلوبي )

_____________

العجوز والاضحية 


ارهقته هتافات الصبيان وهم ينعتونه بالمجنون ويتضاحكون عليه حثا على الارض لتصدي ضرباتهم وهم يرشقونه بالحجارة ، لكن الارض دفعته بقوة ولسان حالها تقول ابتعد عني ايها الشيخ ولا تفزز من اضمهم بين ثنايا ترابي .... مشى الهوينا وبدا برجم الصبيان بزخات دموع عينيه وهو ينظر الى السكاكين تذبح اضحية العيد . ترآءت له كيف حثالى وصعاليك البلدان هجموا على قريته الجميلة ( كوجو ) وذبحوا ابناءه امام عينيه وبدا ينزف الماً في باحة صمته القاتل وإذا باحدهم يقدم له كيسا من اللحم ليقطع عنه خلوته مع اوجاعه ... قال لهم لا احتاج الى لحم اضحياتكم انما اريد هذا السكين لاقطع اغلال ارجل بناتي السبايا ... اختنقته العبرات وولى وجهه شطر الجبل صديقه الوحيد وروحه تكبلها الغربة وحسراته تسعرها الفراق المر

_____________

ذاكرتي وعرعر  


بينما الشمس تسحب خيوطها الذهبية وتولي شطر المغيب والليل يرخي سدوله في صحراء عرعر في طريق عودتنا من السعودية الى العراق براً بعد اداء فريضة الحج توقفتْ الحافلة امام خيمة خُصِصَتْ لنا لحين انبثاق الفجر خوفاً من قطاع الطرق المنتشرة آنذاك في ٢٠٠٤ وكنتُ منهكة من الصداع تمددتُ على ارضية الخيمة وحولي اهلي وبعض اصحاب القافلة يسعفونني . تنسمتُعطراً طيباً كالذي في البقيع وفي جبل احد وعند قبر اخي صلاح فانتعشتُ وتجاوزتُ مرضي وتحركتُ صوب الرائحة الطيبة والناس حولي يمنعونني من النهوض كي لا افقد توازني لاني فقدتُ سوائل كثيرة في الطريق حيث المطاعم والمرافق الصحية قذرة ومرتع القطط والحشرات . استطعتُ ان اقاوم وانزلقتُ كالسمكة اللزجة بين ايدهم واتجهتُ حيث الرائحة الزاكية التي نفختْ الروح في جسمي كشحنات ايجابية تمدني بالطاقة واخترقتُ جدار الخيمة كالشبح رغم خطواتي المتثاقلة ، رايتُ ايادي تشاور لي بالتقرب واصوات تناديني بإسمي فإذا اطفال بأيديهم دفوف ينشدون طلع البدر علينا بصوت محفوف بالحزن كتشييع جنازة أو مظاهرة ضد جلاديهم ، دخلتُ معهم حفرتهم افتش عن ألألم في عيون الموتى اساير خيباتهم وصراخاتهم تراقص انينهم في خراب الذاكرة حيث الضمائر غافية ، اجهشتُ بآيات من سورة الانفال في بريق ارواحهم لتتنور الحفرة وتصبح روضة ازاهير بعبق دموعهم وصفاءها ، تقربتُ من الورود النابتة على انامل اياديهم المرفوعة الى السماء كأكليل فخر موشومة بكبرياء . رؤوس انفصلتْ عن اجسادها وعيون تنظر ببراءة الى رحمة السماء ، اطفال تنادي أٌماه التراب تخنقنا والحفرة مظلمة وشيخ عجوز متفاءل يقول عسى ان تجئ سيارة وترسل واردهاوكما انقذت يوسف لكن النسوة قلن بصوت واحد حتى اذا اتتْ السيارة فسوف تهوينا الى اعمق الحفرة لان الناس اعمتهم العنصرية وتجردوا من الرحمة ، التفتن اليى وقلن بصوت العز خذي بقايا عظامنا وادفنينا في وطننا فالغربة قاسية وليتكِ قلتٍ للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إن بعض من امته دُفِنوا هنا احياء لا ذنب لهم سوى انهم كورد وبإسم سورة من الكتاب الذي انزله الله عليك . رفعتُ راسي الى السماء وبكيتُ معهم ودموعي تتكسر وجعاً ونزلت الى الحفرة اواسيهم واداعب الجماجم المتعفرة في التراب وحسراتي تغسل بقايا اثوابهم التي غدتْ خرق بالية ، وإذا اسمع صوت الممرضة تقول الحمد لله على سلامتك لقد عديتِ مرحلة الخطر وابكتنا هذيانك.

____________

....ساعة الجيب .....


ضاعت بين زخم أُمنيات زميلاتها واصابها التوتر وهي تسترق السمع لهن وتقارنها مع أمنياتها المذبوحة المخبئة في صدرها في محاورة في درس الانشاء الشفهي في النهار الذي تليه ليلة رأس السنة الميلادية حيث المُدَّرِسة تلح عليها بالاجابة ، هربت منها الاحرف وهي تحاول ان تلملمها وتلعثمت كلماتها وقالت بلغة متعبة اثخنتها الفآقة ممزوجة بتنهدات مخنوقة :- أمنيتي ان اجمع مبلغا من المال ارمم به سقف دارنا كي لا ينهار علينا عند هطول المطر واشتري ماكنة خياطة لِأُمي ، ضحكت عليها صديقاتها ولم تعجب مدرستها واعتبرتها امنية ساذجة .
خطت بتثاقل خطوات مرتبكة نحو البيت بعد انتهاء الدوام وهموم الدنيا تحوم حولها ، ترآءت لها كيف قضت الليلة الفائتة بإرهاق وهي مع أُمها تعالج محنة تسرب ماء المطر الى غرفتهم الوحيدة في بيتهم المهترئ الذي تركه لهم الوالد وتخيلت منظر والدتها وهي تستسمح الجيران بخجل وإنكسار لاستعمال ماكنتهم لتخيط ملابس للاطفال تتقوت بها هي وعائلتها. تبعتهاالمُدَّرِسة الى ان وصلت الى البيت . دخلت المدرسة معاها الدار واستسمحت من أمها ان تصحبها معها الى النادي لقضاء ليلة جميلة لترفع من معنوياتها وتفك عنها حزنها . فرحت الام بالمقترح وهيأَت لها الهندام واخرجت لها ساعة جيب والدها وقالت لها انها التركة الوحيدة من ابوكِ لك حافظي عليها ولا تضيعيها وهي لاتصدق بأن حلما غائراً في بئر احزانها قد يتحقق ،اذ لم ترى في حياتها اية حفلة فكانت لها كالمشكاة التي تشع منها ضوء السعادة فهامت كالفراشة ترقص حولها . قبلت الساعة ولبستها في عنقها وكأنها رصاصة الرحمة بعثت فيها الامل بالحياة .
لكن المُدرسة كانت لها اسقى من ظروفها اذ لم تصتحبها لتواسيها كما ادعت انما كخادمة تهتم بأبنها فانهارت فرحتها ولم تعلم ماذا تفعل حيال مهمتها الجديدة مع هذا الطفل المشاكس الوحك . تخللت الحفلة عروضا لاختيار ملكات الجمال واجمل فستان وقد رشحت مدرستهانفسها لكل الاختبارات لكنها لم تفلح بأي لقب او هدية ووجدت فيها سلوتها وانتقامها منها .بعد ذلك صعد احد رجال الاعمال المشهورين المنصة وبيده ثلاثة ضروف وقال في كل ضرف مئة دولار ، الضرف الاول لمن تحمل في حقيبتها المكحلة العربية وميلها ولم تكن عند اية من الحضور المكحلة . ثم نادى الضرف الثاني لمن عنده عملة معدنية عراقية من اية فئة كانت ولم يملك احداً هذه العملة ايضا ثم نادى الضروف الثلاثة لمن يحمل ساعة جيب ،قديمة ، عم السكون القاعة المكتظة بضجيج الاغنياء وشهقت الفتاة وصرخت باعلى صوتها انا ...انا ونزعت الساعة من عنقها واعطاها لرجل الاعمال واخذت الضروف الثلاثة والفرح يرسم ابتسامة الرضا على ثغرها
قالت المُدرسة في نفسها بأي دعاء دعيتٍ ايتها الصغيرة كي يتحقق حلمكِ وكأنها همستْ لها قلتُ ياااااارب
 ( إهداء الى قرة عيني  وحبيب قلبي Twana Sabah عندما كنا في المزرعة  قص علي قصة الشاب الذي ترك له والده قطة وأغتنى بواسطتها تذكرتُ هذه الواقعة ووعدته بكتابتهابأسلوبي عسى ان تُعْجب الجميع )

_____________

سر الثعبان  


كانت كاليمامة ترفرف بشعرها الكستنائي تملئ البيت هديلا شجيا عينيها العسليتين تضوي المكان كبرعم في لحظة الانفتاح تنثر عبير حبها تتطاير كأنسام الصباح الندية مرحا لكن قدر مخبوء في اطواء ايامها طمس فرحتها في زحمة الحياة واعتصر ماء نظارتها وهي ابنة العشر سنوات ذات ظهيرة وحين عودتها من المدرسة وقعت حقيبتها من يدها من هول ما رأت وهرولت نحو الباب تصرخ أُمي أُمي ، ثعبان كبير لف حول رجلها ، دخلوا معاها البيت ووجد والدتها جالسة على الارض متكئة على الجدار وقد فارقت الحياة ولم يجدوا اثرا للثعبان المزعوم .
حاولت ان تسمو على اسوار مصابها وطآمتها الكبرى لا احد يصدقها فذبلت كزهرة شح ماء سقياها وليس لها بطرد وسوستها الا زفزات خانقة فدخل الخوف فكرها ورقد في صميمها وانخلع قلبها وشاخ الرعب في كيانها ولم تجد من يهدهدها او صدراً ترتمي بثقلها عليه ولم تعرف كيف تبكي او كما ينبغي ان تبكي لا احد ينتبه الى حزنها التي ارتسمت في اعماق ايامها التي تعيشها دون ان تحياها ، قضت ليالي ضبابة صماء لا نهاية لها ولم تجد غير الوحدة تلتهم طفولتها فتقوقعت حول نفسها متحصنة من المبهم المخيف الاتي نحوها . تحاشاها الناس كما يتحاشون من المسلول تخنقها وشوشات الناس بأنها مختلة اينما تتجة وصمة الجنون ترافقها كشجرة تجذرتْ في اركانها وهي مجرد طفلة حُرمتْ من وسائل العلاج الصحيحة . كبُرتْ وكبر معاها مرضها ولم تفيدها تعاويذ الشيوخ ولا زيارة اضرحة الائمة ولا علاج الاطباء بَيد ان طبيبا في بغداد يدعى جاك عبود افادها بعض الشيئ واخرج فكرة الثعبان من فكرها . نسجت قصة حب خيالية بينها وبين طبيبها العجوز الثمانيني لكن سرعان ما اختفى الطبيب يكون قد توفيى او هاجر العراق فعادت عقدة الثعبان تدق بابها من جديد فلم تجد لمصابها الجديد الا البكاء ولعن الثعبان الذي خطف طبيبها المحبوب حسب ظنها .
بدأ اهلها بعلاجها عند الطبيب محفوظ الجومرد الذي كانت تكرهه كرها شديدا وتشببه بالثعبان فأزدادت حالتها سوءا تشرب القلق والكآبة
هبط الموت فجأة وبخطوات متأنية سدد ضربته المبرحة هائلا يلتقط انفاسها يرسم نهايتها . اشعلت منابت الاكتئاب في نفسيتها بحيث اضرمت النار في رجليها متيقنة انها احرقت الثعبان الذي ملتف حول رجليها ، وفي غضون ايام عرجت روحها الى السماء وهي تتوهج بوجعها وتضئ بحزنها تاركة خلفها سر الثعبان اللعين ( انها قصة ابنة خالتي اديبة )

______________

الملاية فاطمة ( مه لا فاتم )


ذات يوم وأنا اتأملُ القبور في تل شيخ محي الدين حيث الصمت اللغة السائدة للجميع يحوم حول الموتى وهم راقدين تحت رحمة الله يستجدون الدعاء من الاحياء . أتساءل :- أَنّى يُعّذِب الله هؤلاء ورحمته وَسِعَتْ كل شيئ !! وكأن الملآئكة تهمس ، لِمَنْ الملك اليوم ؟ ويأتي الجواب :- لله الواحد القهار . مزق حيرتي الصوت الذي تعالى من مأذنة التكية الطالبانية المقابلة للمقبرة بنداء الله اكبر معلنا بآذان العصر والناس رجالا وركباناً يتزاحمون للدخول في منظر قدسي رائع ، حولتُ بصري صوب الموتى وقلتُ كم منكم لبى هذا النداء وكم منكم تخاذل عصياناً او تكاسلاً او ضعف ايمانا ؟ انقبض صدري ضيقاً حرجاً وكأني اراهم على الاعراف من ينزلق الى نار حامية ومن يتهَّنى بجنة عرضها السموات والارض ، نزلت بأتجاه الشارع المؤدي الى إمام قاسم حيث حارتي التي تربيتُ فيها وموطن اجدادي وألقيت نظرة على اطلال جدي يوما ما كانت معمورة بعشيرتي وانقبض صدري اكثر تمنيت ان ارى احدا من جيراني القدامى واذا من بعيد تراءتْ لي إمرأة تتسارع في مشييها موشحة بعباءة سوداء ومعصوبة الجبين بملاءة بيضاء واذا هي الملاية فاطمة التي تُحيي الموالد والفواتح وقد فتحتْ لي ذراعيها ولم يكن مني إلا ان ارتمي في حضنها واتنشق عطر ايمانها واتضوى بنور حنانها قلتُ لها كيف حالكِ باجه مه لا ( وباجه كلمة احترام نطلقها على الاخت الكبيرة ) قالت لستُ بخير باجه خان قلبي يوجعني وكانت في عجلة من امرها لذا لم أُؤخرها ، وبقيتُ أُراوح في مكاني وقد تساقطت مني كل الشحنات السالبة وتمنيتُ ان تكون لي اكثر من رئة كي اتنفسها واتشمم عطرها . تراءت لي صورتها في مجالس العزاء تؤشر لي بالجلوس قربها وانا اتخطى رؤوس النساء وهن تفسحن المجال لي وتقابلني بإبتسامتها الرائعة وتبدأ بضرب الدف وتتعالى صوتينا :- مولانا صلٍ وسلم دائما ابدا على حبيبك خير الخلق كلهمٍ ودموعي تنحدر وتنظر الي بعين الرضا وكأنها تقول دعيها تجرف ما تعلق بقلبك من لوثيات الدنيا . حفظتُ منها اواخر البقرة والفتح والحشر والمدائح والتواشيح الدينية التي تنشدها في المناقب النبوية بصوتها الرخيم ولايزال صوتها يرن في اذني وهي توبخ النساء ان تنصتن لما تقرأ ولا تلغين وتصيح بهن ايها النسوة نحن في مجالس العزاء ولسنا في النادي . رجعتُ الى البيت ونفسيتي هادئة وسعيدة وعطرها ترطب انفاسي وروحي تحتضن روحها ومقلتي تعانق مقلتها واشعاعات عينيها تمدني بالنور ولساني يلهث بالدعاء لها ولكم بالخير

______________

فتاة صغيرة


ثمة فتاة صغيرة باسقة الروح دخلت المطعم بكبرياء نادر رغم إنتهاك الزمن لِلون طفولتها ، وخلفها ثلاث صبيان يستشعرون الامان بمسك طرف ثوبها وجوههم متربة عليها اثار جروح ، لكن  وجهها مشرق بإسعاد إخوتها . أنطفئت الاشراقة حين سألها النادل هل تملكين ثمن ما طلبتِ من طعام ؟ كان السؤال بالنسبة لها أشبه بسيارة مفخخة قطعت فرحتها إرباً اربا ، حاولت الا تنفرط عقدة تحكمها في غضبها وحبست دموعها العزيزة في مقلتها التي عاهدتها الا تهطل حتى عندما وقعتْ القذيفة في بيتها وأودتْ بحياة والديها وجرح اخوتها ....
لم تجبْ انما اخرجتْ حفنة نقود مختلفة الفئات من جيبها ووضعتها على الطاولة ، ورفعتْ رأسها وشموس العزة تضئ وجنتيها تنهش ظلمة سؤاله وفضتْ ضجيج السكون بحركة من يدها حيث الكلام اثقله صخب نبضات قلبها وبكاء الروح على أعمدة اليتم والاحساس بعذاب الغربة تداهمها وكأنها بإيماءة يدها تقول خذ ثمن غذاءنا . وضع النادل اطباق المقبلات والخبز على المنضدة وأحس انه خاض غمار حرب باردة وجرح نشوة التمتع بغذاءها وأن سواد سؤاله اشد عتمة من وطأة الليل حيث سافرت انوار فرحتها عبر قهقهة سؤاله المحرج . قال لها متأسفا ومتوسلاً :- لم اقصد ايذاءك انما استفسرت هل تتغذون على حساب المطعم لانك تبدين غريبة عن الديار . أفاقت من سكرة ذهولها وتدانتْ من القوة تضاهي اللبوات وتدرعت بها وقالت :- انا من البلدة التي طُعِنَتْ غصن زيتونها راودتها الاحساس بالغربة ، كتمتْ انينها وأكملت قائلة :- الحياة مكتظة بالظروف الصعبة . قال ثمن غذاءكم علي ولو سيدتي الصغيرة انتم ضيوفي ،قالت اعرف انكم اهل الكرم والجود لكن لن نرضى لبطوننا تقتات على الصدقة ، قد نحتاج الى جرعة حنان او ملعقة إنصاف . فلقد سقينا نضالاتنا بأمطار من دماء شبابنا وزرعنا الامال في انتظار ان تزهر وحين آن الاوان لنحرث الاحلام غزانا الطغاة واحرقوا النسل والحصاد .
شرعتْ بترميم اطار صورة الفرحة التي رسمتها وهي تدس اللقيمات في فم اخوتها فيزهون حالمين بوهم الشبع المؤقت وهي تمارس مهنة ألأُم بإتقان كشجرة وارفة الظلال تتغشاهم بحنانها وهم فرحين بوجبتهم الشهية وهي لا تأكل الا ما يضعه إخوتها في فمها . شبع الاطفال وركضوا نحو حديقة المطعم يلعبون ، جاءها النادل واعطاها مبلغا من المال وقال هدية بسيطة لاخوتك واعتبريني واحدا منهم . رفعتْ رأسها بشموخ تمنع سقوط النخوة على مشارف زهوها وقالت لا اريد ان تتكسر رجولتهم ويرضخون لأخذ ما لا يحق لهم وانما الصدقة للفقراء ونحن لسنا منهم . لنا اقرباء في الشام يساعدوننا في ايجاد عمل نتقوت به فلا نزال نحتضن بقايا عزنا ولو رفعوا علينا راية الغلبة وهي ليست غلبة انما ظلم الامم ولم يفهمنا احد لان رفعنا شكوانا الى الله بلغتنا التي الهمنا الله التخاطب بها .
خرجت من المطعم وكأنها ملِكة مكتملة التتويج وكل الحاضرين اخذهم جلال حكمتها

______________

الرغبة 


شعرتْ بالغثيان من الحركة التعمدية لزوجة اخيها وهي تحتضن طفلها تقبله وتشمه ، التفتتْ اليها وقالت :- لماذا كلما تقابلنا تقبلين طفلك وكأنك تفتخرين بأن الله مَنَ عليك بطفل وحرمني من الانجاب !!! اجابت انه ابني اقبله كيف اشاء ومتى اشاء لماذ تغتاضين ؟ نظرت الى اخيها بتعجب فقال انها أُم وانت ليس لك الاحساس بالامومة .... اختلط صمتها بالحزن وهي تحاول اخفاءها بين ضلوعها وتلعثمت كلماتها وضاعت منها الحروف وهي تحاول تركيب ما خبأته في صدرها وهدأت ما في نفسها بالبكاء الذي داهمها رغم مقاومتها لقساوة الكلام الذي سمعته وهرعت الى بيتها تكلم نفسها في الطريق وكأنها مجنونة .
وصلت الى البيت وارتمت على صدر زوجها واطلقت لرغبتها العنان وانفجرت بالنحيب قائلة لنبيع البيت ونجري عملية طفل الانابيب مرة اخرى عسى هذه المرة ان نرزق بطفل ...قال واين نعيش ؟ قالت نذهب الى احدى القرى فالشماتة جاءتني من اقرب المقربين فلم اعد اتحمل . حاول الزوج ان يهدأ عنف توترها ويقلل من حدة الاعصار الذي حطم ميناء ها فلقد هيض اخوها فيها ألألم . رضخ الزوج لمشورتها ولملما بعض الحاجيات الظرورية واتجها صوب القرية وعرض البيت للبيع لتحقيق حلمها الفطري ورغبتها العارمة في الانجاب الذي اصبح شغلها الشاغل وهاجسها والهواء الذي تتنفسه ومهما كان الثمن .استأجرا غرفة في بيت إمرأة عجوز وسكنا معها . أعجبتها الحياة في القرية تخرج في الصباح مع العجوز الى المروج تنظف الزرع من النباتات البرية وتفتح الحنفيات الموزعة للسقي . تملئ قلبها من هواء الحقول العذراء وصوت العصافير وشدو البلابل والطيور وتشبع عينها بالليالي القمراء والاشجار المليئة بالامل . تحسست الفرح في اعماقها وخرقت الحزن بعملها لعله يمتص ولو قليلا من معاناتها ،وزوجها يذهب الى محل عمله ويرجع آخر النهار . مرت قرابة ثلاثة شهور احست بعلامات الحمل وبكبر بطنها وسعادتها لا توصف اذ بدون طبيب او بيع الدار انعم الله عليها وحقق مبتغاها ، قفلا راجعين الى بيتهما في المدينة للتحضيرات للضيف القادم الذي طالما انتظراه بفارغ الصبر وهي ترفض التصوير بأشعة السونار لمعرفة جنس الجنين وتقول كل ما يأتي من الله خير ولد اوبنت ، بعد عشر سنوات من الركض بين عيادات الاطباء والسحرة وعلاجات العجائز . فاتت الشهور التسعة واحست بألآم الولادة وفي المستشفى وحيث الطبيب يقوم بالفحص والتوليد شك في الحمل وبعد التدقيق في اشعة السونار وجد الحمل مجرد كتل دموية مخثرة والحمل يدعى بالكاذب اذ المرأة من فرط احساسها بالامومة ورغبتها الشديدة في الانجاب توهم نفسها بانها حامل وهذا الحس من صنع العقل الباطن ويجب الاقتناع بقضاء الله وقدره ويجب ان تتهشم المرآة وتتلاشى الخيال .

______________

مزحة 


تقول الست كوثر :-
لم احس بالغربة عندما وطأتُ باب غرفة المعلمات في المدرسة التي انتسبتُ اليها ، قلتُ وصوتي تخنقه العبرة انا كوثر المعلمة النازحة ... قاطعتني احدى المعلمات . ، انتِ لستِ نازحة كلنا اهلك وكل بقعة من الوطن هي بيتك ، وبدأتْ كل استاذة تعرف بي نفسها وتعرض علي خدماتها . غمرتني سعادة لا حد لها ونزلتْ عليَ السكينة وبدأ قلبي ينبض بالطمأنينة احسستُ فعلا اني بين اهلي احببتُ الكل والكل احبوني ، الست نور معلمة ذوي الاحتياجات الخاصة طلابها الثمانية لهم اعاقة ذهنية لكنها تؤدي واجبها بكل تفاني قلبها الكبير تسع ارهاصاتهم وجنونهم . الست ريتا تقرأ الابراج ، الست تارامسؤولة الفتوى و مفسرة احلام وابنة إمام جامع يدعونها ملاية ، اربعة معلمات تتسابقن في الاناقة والجمال ، واربعة معلمات لهن مشكلة تاخير الراتب لكون تعينهن على اقليم كوردستان الذي يعاني من مشاكل اقتصاديةالست فاطمة ويسموها رويتر تنقل لهن الاخبار الرياضية والسياسية وحالة الجو والطقس ، المديرة جدية وصارمة ولا تحيد عن الحق ابدا والمفاضلة بينهن في اي منهن تخدمن العملية التربوية بأحسن وجه، وكل المعلمات تتهافتن على الحصص تهافت الفراشات على اللهب ، انا اعطتني المديرة حصص الفنية كوني لا اجيد اللغة الكوردية . ثمة معلمة ( ام ايمان ) في الستينات من عمرها قابعة في احدى زوايا الغرفة قليلة الاختلاط ونادرا تشارك في حوار ما سألتُ عنها ست رويتر :- قالت انها مشفرة والتجاوز على مصلحتها خط احمر لكن ست نور قاطعتها .. انها لا تعتدي على مصلحة احد كلامها موزون وتساعد جماعة الاقليم بإعطاءهن قروض بالتقسيط الممل وتوزع عليهن حصتها التمونية بالكامل ، علمت ان الاصيل مدرك لمعنى الاصالة وان هذه المدرسة كخلية نحل تعمل سوية وتنتج عسلا تتذوقه الطلبة والمدرسة تلفها المحبة والاخاء . اقتحمتُ عالم ام ايمان :- لماذا لم تمسكي زمام الادارة وانت مقتدرة والكل يجلونك ؟ قالت الادارة مسؤلية وانا لي ظروفي الخاصة ابنتي الوحيدة مريضة وليس لي احد ، قلتُ ووالدتك قالت توفيت من زمان وانا تكفلت برعاية ابي واخي الصغير ولم اتزوج الا عندما هاجر اخي الى السويد وتوفي والدي ، قلت واهل زوجكِ قالت قطعتُ علاقتي معهم عندما اجبروا زوجي على إرجاع زوجته الاولى . تأسفتُ لحالها وتقربت منها اكثر وتعلمت منها الخياطة والحياكة وفنون الطبخ . كانت قدوتي ومثلي الاعلى اشبهها بالشجرة المثمرة بالحكمة والنباهة . في احد الايام جاء ولي امر طالبة يسأل عن ابنة اخيه وتكررت زياراته والوقوف معي في ساحة المدرسة والظاهر كان ينوي التعارف علي فضاقت المديرة ذرعا بتصرفي وام ايمان تشجعني على مناقشة المديرة للدفاع عن نفسي ساء التفاهم بيننا بحيث وصل الى مجئ المشرفين للمدرسة لاستجوابي ، فقلت اني استشرت ام ايمان عندم تكلمت مع الشاب ولي امر الطالبة وغضبت ام ايمان مني بإستدراج اسمها في استجوابي وقالت المدرسة ليست مكان للعشق والتعارف وليدخل من الباب اذا نيته صافية ، تعجبتُ من موقفها بينما كل المعلمات وقفن معي قالت لي ست فاطمة ( رويتر) الم انبهك انها خط احمر ، المهم انتهت المشكلة بالصلح مع المديرة . سمع الشاب بالقصة وتقدم لخطبتي ورفض والدي لكن ام ايمان تدخلت وحصلت الخطبة وتصالحنا . بعد فترة أُحيلتْ ام ايمان على التقاعد لاكمالها السن القانوني اشتركنافي شراء هديةتكريما لسنوات خدمتها وعزمتنا الى بيتها . تعالتْ اصوات ضحكاتنا في بيتها الانيق واندمجتْ مع الاغاني التي تسافر عبر المسجل الى اعماقنا وبدأن بالرقص والدبكات بعدما اكلنا ما لذ وطاب مما أعّدتْ لنا الست والانوار تنعكس على خدودنا المتوردة وشذى عطرنا كربيع متطاير تملئ الجو بهاءا وبهجة ولكلنا تفننا في التبرج والتزين فالحفلة نسوية وزوجها في بيته الثاني والتصوير ممنوع . ناهيك عن بعض اللقطات تاخذها الست للذكرى . في الصباح وفي طريقي للمدرسة قابلني زوجها وقال لي رقصك جميل وسنصبح ثنائي رائع انا بصوتي الرخيم وانت برقصك الفاتن ، نعمل كليب يهز الدنيا ومن خجلي وارتباكي لم اجاوبه وسارعت الى بيتها لماذا راويت الفيدو لزوجك قالت لا اخفي عنه شيئ قلت يطلب مني ان اعمل كليب معه ضحكت وقالت يمزح معك اي كليب ؟ في الصباح اليوم التالي عارض طريقي وعاكسني وقال لي نفس الشيئ.. تسارعت الى بيتها وقلت لها الفيدو كان أمانة لم تحافظي عليها وهو يلعب بالنار وانتِ اسقطتِ الوفاء على نزواته اللا انسانية ، أتقي الله واعطيني موبايلك امسح اللقطات التي اظهر فيها وكما يقولون يا دار ما دخلك شر غضبت وفالت تعلين صوتك علي وتتهمينني بالخيانة اخرجي من بيتي ودفعتني الى الشارع . قصصت الموضوع على خطيبي واهله وفي الليلة التي يتواجد زوجها في بيتها ذهبنا الىهاواخذنا مسدسات لعب الاطفال وتشبه الى حد كبير المسدسات الحقيقية حيث تعلمت لغة الحيلة وأتقنت طريقة الخداع في استرجاع حقي فلا بد هناك غيمة محملة بالفرج وبعد التهديد اخذنا الموبايلات الثلاثة واحرقناها امامها وتركنا المسدسات وقلت لزوجها خدها لاطفالك يلعبوا بها انها ليست حقيقية وكنا نمزح معاكم

____________

نخوة 


بدت عتمة الليل تحوم حول بيتها وهي تراقب الاحداث عبر التلفاز تجاذبها الافكار الرديئة ، كيف يكون وضعهم والهجمة الوحشية لاتزال مستمرة تحت صمت الدول الكبرى والتي تدعي بحقوق الانسان وسكوت شيخ الازهر والدعات عن الاية الكريمة :- وإن طآئفتان من المؤمنين أقتتلوا فأصلحوا بينهما ... أغمضت عينها حالمة بذلك الامل واستيقظت على صوت القنابل تشق سكون ليلها ، نظرتْ بحنان الى اطفالها النائمين ... يا ترى هل سيكونوا ضحايا هذه الهجمة الشرسة ام ينجون ؟ وماذا بعد هذا اليوم !!! إن مَّر بِسلام فالايام تشبه بعضها ، لفَّها إحساس مخيف بِأن التشرد والموت والظلم من أقربائها المخلصين تزورها بأستمرار ولا تقطع صلة الرحم بها . عاشت ساعات شاردة من القلق يغشاها حزن عميق ، وبدأت خيوط الشمس تتسلل داخل الغرف تملئها ضياءا وهي لاتزال قابعة على التلفاز ...
نفضت عنها كا هواجسها ووثبت على رجليها تحدق بأسى في جثة بارين المجردة من ثيابها ووالحوش يرقصون ويمثلون بجثتها وكأن روح هند بنت عتبة حّلَّت فيهم وهي وكأنها سليلة حمزة ينبشون لحمها بينما هي سلمت امرها الى خالقها كالشاة المذبوحة لا يهمها السلخ .
مضت في جنون الى بندقيتها تحملها وتضحك بِألم وتقول :- وماذا تفعل نبدقيتي في هذه الدبابات العملاقة والاسلحة الفتاكة للعدو !! لكني سأنتقم لك يا بارين يا رمز الصمود وسأكتب على غصن الزيتون سننتصر ...
قد يصعب عليكم فهمي ... لكني ......سأنتقم

___________

ما اشبه ايام عفرين بأيامنا عام ١٩٩١


أطلق لعيني العنان لمراقبة النجوم لانتهي غسقاً واغرق في الظلام .
احد الخبثاء أطلق على سراجي رصاصة قاتلة وخبَّأ كيداً غادراً. بكآبة الثكالى حاولتُ إنقاذ سِراجي من السقوط وشربت من كأس النديم رماد تاجي لأضئ مملكة الغدر ، تختطَف من يدي الحقيقة ... ماذا احاول ان اكون وغضبي المشع كأرنب وحشي يقفز من مخيلتي ويقوم من شجري بخار فاسد . صرتُ انا الغريقة ولا بحر امامي . بدموع عيني غسلتُ القتيل وبشغاف قلبي كفنته وبكيتُ سنبلة بيتي ودفنتُ شقيقي
أود لو سرب اليمام يأتي ويطير في فضوات تكويني وانقذ من القصف والنيران اهلي وأعن خطاي على الطريق . حتى حتى مشيي كان رخواً وأجمع في الطريق الاشلاء التي مزقتها القنابل كنتٌ مرتابة أحن لكلمة .
عطر الدم في كفن والروح يصعد الى السماء ونفسي تتجه للغربة ويد الزمان على الرحى تطحن قلبي المجروح . كان الطريق خطراً وزنارا على جسدي ولم اعترض .
بيدين غاضبتين هيأتُ احتفالا محزنا ودفنت في جسدي قلبا ثائرا وجذبت خيط القوس ابعد عن صدى صوتي واعمق من ذبول نرجسة متوسلة ...
عبث ... عبث لا شيئ الا الصمت ولا جدوى .. ملك الموت خلف قوسي تهيأ لأمر الرحمن ... اصرخ املئ الافاق ... قسما بكل شهيد سابكيك مع كل روح تصعد وأدعو لك بالرحمة ، وما اشبه ايام عفرين بأيامنا عام ١٩٩١

__________________

الخير لايزال موجودا 


كانت صالة انتظار عودة المسافرين تعج بالناس ، وانا في انتظار رجوع اخي الى ارض الوطن ، دخلت فتاة صغيرة وجلست بجانبي ابتسمتُ لها قالت هل انت ايضا في انتظار جنازة ؟ قلت متعجباً بسم الله . علمتْ ان سؤالها لم يكن في موضعه فقالت وألق البراءة تشع من كلامها ؛- نحن في انتظار جنازة ابي واول مرة أأتي الى المطار فظننتُ ان الناس كلهم هنا مثلي واجهشتْ في البكاء اشتعل قلبي لها كبيدر حقل ، وتقيدَ الكلام على فمي ولم يكن مني الا ان حضنتها ، علَني امتص جزءاً من آلآمها . كانت شفتاها مثلجة تترنم كمزمار داوود تذيب الصخر وعيناها متعبتان من البكا والسهر داعبتُ شعرها الاشعث احاول اكفكف دموعها الحائرة واخلع عنها رداء الحزن . قالت وكانما تترنم بمزمار داوود :- الدكاترة هنا قالوا سيشفى لو العملية القلبية تمت في الهند ، فباعت أُمي كل ما نملك وارسلته الى الهند مع جارنا الذي كان ينوي زيارة ابنه الذي يدرس هناك ، ضاعت الفلوس ومات ابي ....
احسستُ ان كل آمالها تناثرت كقطع زجاج مهشمة ، اسمع دقات قلبها واشعر بإرتعاشة جسمها ، حار فكري ماذا اعمل لها ! اخرجت بعض النقود من حقيبتي ودستها في يده ا عسى ارسم ولو فرحة قليلة في وجهها المصفر والتهم بعض الحزن من قلبها المجروح وتكون لها مظلة تقيها قيظ اليتم لكنها أبتْ ان تقبله .
قال لها الرجل الجالس قبالنا :- خذيها من السيدة ولا تردي يدها واشكريها !
رفعتُ بصري نحوه فإذا هو جدها .. الفقر ينز من ملبسه والهموم اثقلت كاهله وشاخ قبل اوانه . علمت بمدى الحزن العميق في عينيه يمطره بوابل من رذاذ الاسى وهو غارق في بحر الغم يحاول السيطرة مصيبته بتمتمة كلمات الحمد والثناء لله يخبو صوته تارة ويعلو اخرى .
سبحان الله دائما هناك علاقة وثيقة بين الفقر والمرض وكأنهما متلازمان للبائس الذي لا يجيد لغة السعادة وتاتي المصائب وقت العجاف والفرحة لغة مشفرة لا يعرفون ترجمتها وفك رموزها للولوج فيها .
سألت الجد لاساعده في نقل جثمان ابنه هل معاكم سيارة او احد ما ؟
قال لا .. نستأجر سيارة .
كان هناك شاب يتابع ما نقول عن كثب وبيده جهاز لاسلكي اظنه كان من أمن المطار كسر صمته قائلا :- انا اتكفل بالنقل وصاح في الحاضرين بصوت عال :- ايها الخلق هل من يستطيع مساعدة هذه اليتيمة ولو بمبلغ بسيط !!!
هطلت عليها امطار الفلوس من الحضور ومن العائدين من السفر وحتى الحمَّال البنگلادشي جاء بورقة من فئة الف دينار وقال ولو هو مبلغ بسيط استحيي ان اعطيه لها لكن هذا امكانيتي . ... كانت صدمة للحضور وفي نفس الوقت فرحة عندما رأوا فقيرا يتبرع لها فتصدقوا عليه ايضاً ..
بينما التابوت على سيارة الشاب والرجل يعانق حفيدته وينظر للناس بعين الرضا ، رفعت كل الحضور ايديهم الى الاعلى مشيراً بالسلام على الميت .
ادركت ان الخير لا يزال موجودا فقلت الحمد لله.

 ___________

الخاتم 


جلستْ بإستحياء في مطبخ صديقتها والانكسار يسكن مآقيهاوالذل يسيطر على ملامح وجهها تفكر في كيفية مفاتحتها بحاجتها الى استدانة مبلغ معين من المال بعد ما استنفذتْ كل مدخراتها في علاج زوجها ، بينما صديقتها تتمايل مع ضحكاتها تعدد لها تارة ما تطبخ وتارة تُريها ما اشترت من ملابس . مدّتْ يدها الى علبة الشوكولا التي قدمتها لها وأخذتْ قطعة كانت اصغر من ان تحلي حلقها المُر وهي تشرح لها شظف العيش مع صرخات آلآم زوجها ونفاذ المدخر من المال . احسّتْ بحرارة تسري في عروقها واتسعتْ مساحة تضجرها من اللامبالاة التي اظهرتها صديقتها وكانت تأمل ان تمد لها يد العون لكنها لمستْ التهميش في جوابها بأنها لاتملك سيولة نقدية حيث اشترت معملا أخرا بمشاركة اولادها.
تلطخت يدها بالشوكولاتة التي سالت بين اصبعيها فهرعت الى المغسلة لتنظيفها ووقعت عينها على خاتم ذهبي وضعت بجانب الصابون وسولت نفسها على اخذهاوانتزعتْ النزاهة من خُلُقها وانتعش عنصر السرقة في فكرها المتنوم مغناطيسيا من ضبابية حياتها ارادت ان تقتل نَهَم العوز وبطريقة هستيرية خبأته في فمها وقفلت راجعة الى بيتها .
 في الطريق وّْبخَتْ نفسها لخيانتها ثقة صديقتها التي أأتمنتها على بيتها وتيقظتْ وجدان الحس في محراب ضميرها فَهَّمتْ بإسترجاع الخاتم ، لكنها ترددت وتمتمتْ ان صديقتي تستحق ان اسرقها وماذا يساوي خاتما صغيرا بالنسبة لمجوهراتها وقد بخلت عن مساعدتي وجرفتني الى الانزلاق في جرم التلصص وجعلتني اتمرغ في سوء حظي ونكبتي وهي تتلذذ بهوان روحي الضائعة وكانت تستطيع ان تمد لي يد الحنان وتنتشلني من فآقتي بقليل من التواضع ولمسة ترحم لا ان تغرز سكينة التكبر في كرامتي . وصلت الى البيت وهي لا تزال في دوامتها وتقربت من سرير زوجها وشدتْ على يده وبإبتسامة تنم على الامل قالت سأشتري لك الدواء وتُشفى ان شاءالله وترجع الى عملك وسنشتري لصديقتي خاتما اغلى واجمل من خاتمها ونطلب منها السماح ، احستْ ببرودة يده ونظرت الى وجهه المصفر وشفاهه الزرقاوتين وصرخت بأعلى صوتها لقد سرقتُ لك وأتحمل وزر عملي وانت تموت .... غفرانك ربي ... كم انت لطيف بعبادك قبضته اليك نظيفا لم يتلوث بإثم الحرام ولم تدع الحرام يدخل بطنه لك الحمد يالله .

_________________


 هل جزآء الاحسان الا الاحسان 


بينما الدكتور ئاري يعاين المرضى في المستشفى في قسم الاستشارية ، ثمة إمرأة شابة تبكي و تتناقش مع الطبيب الجراح وهو يردعها قائلا ان العملية في المستشفى تحتاج الى تسجيل مسبق ويمكن يأتي دور ابنك بعد شهرين او اكثر واذا حالته تصعب عليك خذيه الى مستشفى خصوصي . قالت وهي تبكي وترتجف كطير يحط على غصن مهدد بالانكسار  ليس لنا مال وزوجي جريح حرب داعش ،
صفن الدكتور ئاري في وجهها ونظر الى دموعها المنهمرة بصدق ومغلفة بالذل ، ركبه متن الذكرى ورست سفينته على شاطئ الطفولة حيث هو ابن ثلاث سنوات توفيت والدته ، وهو ابن تسع سنوات توفي والده وبقي تحت رحمة ( فاتى) زوجة ابيه القاسية المجردة من الشفقة منعته من التعليم وجعلته بائعا جوالا امام ابواب المدارس . وذات يوم وقعت منه صينية الحلوى عندما عاكسه بعض صبيان الحارة وعاقبته زوجة ابيه الا ينام معهم في الغرفة بل في مبنى التنور في الحوش . وفي ليلته المكتظة بالبرد وألم الجوع والخوف من اشباح الظلام ووحشة الوحدة اشعل بعض الحطب ووضعه في غطاء التنور ليحتمي من برد الشتاء اشتمت ( فاتى) رائحة النار وخرجت لتقصي الامر ولما رأته صرخت بغضب ان اطفئ النار بيدك والا رميتك فيها لتشتعل وهو يرتجف رعباً وبردا. قبض على الجمرة واكتوت اصابعه وهو يبكي بحرقة اكثر من ذي قبل ، تذكر كل هذه المأساة وهو ينظر الى دموع تلك الشابة المتكسرة وأفاق بصوت زوجها يقول لها :- هيا يا سعاد لا مناص ... لنذهب ونستجدي من الجيران ، دفعت سعاد عربة زوجها وابنها في حضن والدتها التي لزمت الصمت . استنشق ئاري شذى انين سعاد وهي تدفع بالعربة وعيناها ضائعتان تحدق في اللاشيئ ، قام مسرعا نحوها وقال يا سعاد انا اتكفل بالعملية حددي موعدا مع الجراح . وقعت على يديه تقبلهما وتلثمهما وتدعو له الله ان يوفقه .
 بعد نجاح العملية وشفاء الطفل بدأ الدكتور يتردد الى بيت سعاد وفي كل مرة يجلب لها علبة من اللبن الرائب والكل لا يعلمون سر اهتمامه بهم وسر علبة اللبن وسعاد في كل مرة تحدق في عينيه الزرقاوتين وتقرأ فيهما الحب الحنان وتزداد تعلقا به . وبينما هي في انتظاره بلهفة دخل عليهم واعطاها اللبن وقال :- سوعه خوشه قالت زور خوشه اي سعاد اللبن طيب واجابت بسعادة طيبة جدا ووقعت علبة اللبن من يدها وهي تحتضنه وتقول قلبي دق لك من اول لحظة رأيتك  اخي العزيز ئاري .التفت الى زوجها وقال احترقت يدي وجاءت اختي خلسة عن والدتها  بكأس لبن ودهنت  يدي لكن من فرط جوعي لحستها وقلت انها طيبة وجلسنا نطمس اصابعنا في اللبن ونلعق ما تعلق بها من لبن  ونقول طيبة وتعانقنا ونمنا وفي الصباح رأتنا والدتها ونحن نائمين بسعادة وفرح على التنور  طردتني وشردتني وذقت شظف العيش لكني اكملت دراستي وعندما احتجت الى جنسية واوراق والدي منعتها مني لكن بتبليغ الشرطة حصلت عليها وخافت مني واختفت مع اختي ولم اجدهما الا في المستشفى . ارادت تحطيم  مستقبلي وأبى القدر الا ان يرسم مصيري المكتوب فالحمد لله

_________________

ناداها من تحتها :- أُماه
 لاتتمني الموت ليموج النسيان في بواطن وجودك فإنك لم تخطئي فالبشرى الالهية المباركة وهبتني لك فحبلتِ بي ، ومولدي اكليل عفتكِ يكسوكِ هالة من الجلالة فَكُلي من الرطب الجني واشربي من الكوثر الرقراق وضميني بين ذراعيك فحرارة روحي تُذيب ثلج قلبك ولا تخافي سفاهة القوم ورعونتهم . اركبي متن التوكل على الله وأشيري اليَ بأصبعك وألزمي الصوم بالكلام فسوف ألبس ثوب المحاماة وادافع عن قدسية طهارتك واتكلم نيابة عنك فأنا كلمة الله أُلْقيَتْ اليك من لدنه وأنا روحه وعبده أيدني بفيض ربوبيته ومَثَلي كَمَثلٍ آدم قال له كن فيكون وانا وانتِ آيتان