خِصالُ الحُرِّيَّةِ نماذج من بطولات المرأة الكردية


1 قراءة دقيقة

الأمةُ الكُرديَّةُ أمةٌ عريقةٌ وغنيةٌ عن التعريف، من حيث الأصل والنسب، وأيضاً من حيث الثقافة والتاريخ والتميز بالأصالة، فقد أنجبت العديد من الشخصيات والعوائل التي أثرت في أجزاء كردستان الأربعة، فمن ضمن هذه العوائل والشخصيات، وشجاعة المرأة الكردية تاريخٌ طويل وقصص خالدة، حيث لعبت المرأة الكردية دوراً هاماً منذ العصور القديمة في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والعسكرية، ولها تاريخ يشهد على إنجازاتها والفعاليات التي قامت به منذ زمن وإلى يومنا هذا كان للمرأة الكردية عبر تاريخ دور مميز بالرغم من اقتصاره في البداية على كيفية الحث على الجهاد والمشاركة في المعارك وذالك في الخلفية لمداواة الجرحى وكذلك الاهتمام بالعلوم الشرعية.

ونستطيع القول إن الأميرة والملكة الأيوبية (صفية او ضيفة خاتون) ابنة الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد أبن أيوب شقيق صلاح الدين الأيوبي التي حكمت حلب على مدار ست سنوات وحين توفيت اغلقت أبواب حلب لأجلها ثلاثة أيام حداداً على رحيلها

وإيضاً، كأمثال عادلة خان زوجة عثمان باشا زعيم بكزاده، الذي كانت الحكومة العثمانية قد عينته قائمقام لمنطقة شهروز كلها، واشتهرت عادلة خان بذكائها وقوتها وأفكارها بين أبناءِ قبيلتها في حلّ جميع المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تقع في القبيلة، وبعد أن سيطرَ البريطانيون على مدينة السليمانية قرر الاحتلال البريطاني التقربَ من عادلة خان باعتبارها شخصية قوية ومؤثرة ولذلك منحت الحكومةُ البريطانية عادلة خان وساماً من الدرجة الأولى

ومن بين سرد أسماء النساء المشهورات في تاريخ الكورد، بريخان خانم التي قادت قبيلة رمان حتى أصبح أبناؤها كباراً، و أيضاً شمسي خاتون من قبيلة أومريان التي تولت الزعامة عندما قتل زوجها محمد، وقد بقيت في القيادة حتى بلغ ابنها سنّ الرشد وقد سمي هذا الابن محمد شمسي، وأيضاً المرأة المثالية فصلة خاتون التي قادت قبيلة تمكا حوالي أربعين عاماً حتى وفاتها في عام ١٩٦٣م، وهي أول امرأة تشغل منصب المختار في تركيا.

وفي الخمسينات من القرن التاسع عشر، برزت سيدة كردية مقاتلة أدهشت الخيال الأوربي والصحف الأوربية، وهي تغطي حرب القرم، لم تذكر فقط أعمال التمريض الرائعة (فلورنس ناينتغل) بل المآثر الحربية لقره فاطمة خان (فاطمة السيدة السوداء) الزعيمة الكردية لِقبيلة كردية من مرعش (قهرمان مرعش) جنوب شرق تركيا، وقد تولت السيدة فاطمة شخصياً قيادة فرقة كردية في تلك الحرب.

ويستمر تاريخ النساء الكرديات، وفي زمن السلطان سليم الرابع من عام ١٦٢٨م إلى ١٦٤٠م كانت مناطق حرير وصوران تُحكم من قِبل سيدة جليلة تدعى خانزادة سلطان، كانت تتولى قيادة جيش مؤلف من اثني عشر ألفَ جندي مشاة مسلح وعشرة آلاف فارس نِبال في ساحة المعركة، كان وجهها مغطى بلثام وجسدها مغطى بعباءة سوداء وكانت تتمايل مع البطل الأسطوري سام ابن ناريمان، وهي تمتطي حصانها الأصيل وتقوم بأعمال قتالية شجاعة بالسيف، كانت على رأس جيش قوي مؤلف من أربعين إلى خمس وأربعين ألفَ مقاتل، وكانت تقوم بالغارات على إيران في مناطق عدة، وكانت تعود منتصرة إلى صوران محملة بالغنائم،

نعم إنها المرأة الكردية التي استمدت نورها وشجاعتها من السيدة الأولى (همايل محمود آغا زيباري) ابنة زعيم قبيلة زيباري القوية، وزوجة الزعيم الملا مصطفى البارزاني، ووالدة الرئيس مسعود البارزاني، فقد كانت من إحدى النساء الشامخات اللواتي كان لهنَّ القوة المميزة في كوردستان العراق خلال فترة الستينيات من القرن العشرين

ولم تتوقف المرأة الكردية يوماً عن الجهاد والكفاح
واستمرت المرأة الكردية في بذل الكثير من الجهود والمثابرة من أجل إثباتِ ذاتها في جميع مجالات الحياة، لِكي تلعب دورها في مجتمعها، و تبقى نموذجاً للحرية في المجتمعات الأخرى.

وأكبر مثال لحركة المرأة في سبيل التضحية والنضال للقضية الكردية المستمرة، الشهيدة ليلى قاسم حسن، الشابة الكردية من مواليد ٢٧/ ديسمبر عام ١٩٥٢م بانميل إحدى ضواحي خانقين، فقد أرادت ليلى أن تنسجَ من صلابة قلبها وجبروت دموعها وجرأة شخصيتها بثوبها الجميل وإكليل عرسها أن تصنعَ نموذجاً حقيقياً لِلنساء الكرديات، لكي تكتب بأصابعها الناعمة من وراء فكرها الواسع وعشقها العميق الذي تمتلك كيانها ووجدانها بحبّ الوطن، وتلوّنَ صفحات التاريخ بالقيود والسلاسل وحبال المشنقه، وصرخات التعذيب وفقدان النظر وتشويه الجسد على خشبة الواقع ضد العبودية والديكتاتورية والسلطة الدموية، من أجل التصدي لهذا الظلم ، و لهذا الاضطهاد اللذين كانا يُمارسان بحقِّ الشعب الكرديّ، وهكذا أرادت ليلى أن تنالَ شرف الشهادة وتضحي بأغلى ما لديها من أجل الحفاظ على رفاقها و بقاء مكان النساء، واللبواتِ الكرديات في الحزب الديمقراطي الكردستاني وكافة أجزاء الوطن شامخاً.
في ليلة ٢٤ أبريل من عام ١٩٧٤م، تمَّ القبضُ عليها بشكل تعسفي بتهمة الانتماء إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني، وقبل إعدامها بأسبوع وأثناء الزيارة الأولى لوالدتها و شقيقتها طلبت منهما أن يحضرا لها المقصّ وملابس جديدة في المرة القادمة، وبعد أن أحضرا لها أخذت المقصّ، وقَصّت به خصلاتٍ من شعرها، وأهدتها الى شقيقتها لتبقى شاهدةً على نضالها وتحديها للموت والطغاة .
وفي ١٢ أيار من عام ١٩٧٤م، تمَّ إعدامها شنقاً حتى الموت، كان نداؤها الأخير، وهي على خشبة الموت: كردستان أغلى بكثير ممَّا تعتقدون، كردسنان أغلى من الروح والجسد وأغلى من العين والنظر، ارتديتُ اليوم أجملَ ما لديَّ لكي تفوح مني رائحة العطر من أجل أن تمتلئ هذه الساحة بعطر الحرية و زغاريد النصر على صفحات التاريخ، ومن الصعب أن يمحوَها الزمان و أيضاً أريد أن تحضنني الأرض وأنا بكامل أناقتي .

في هذا السياق نجد في التاريخ الكردي نماذج من النساء، وهنَّ يصلنَ إلى أعلى المراتب والقيادات السياسية قائدةً وعسكريةً ومثقفةً، مثل الأميرة روشن بدرخان، وشقيقتها الأميرة سينم بدرخان التي حصلت على وسام الشرف الوطني الفرنسي، وأيضاً هناك الملحمة التاريخية الأم حليمة دشتي التي ضحَّت بحياة أولادها الثلاثة وزوجها في سبيل القضية الكردية،

وهذا ما جعلَ من الكُتَّاب والزعماء أن يبدؤوا الكتابة عن الزعيمات الكرديات، كما قد يتوقع البعض أن معظم الكُتَّاب الذين كتبوا عن تلك الزعيمات المميزات أثناء حياتهن قد اعتبروهن في الواقع ظاهرة كردية بامتياز لذا كتبَ الكثير عن المرأة الكوردية، وقد رصد الكاتب الروسي، (باسيل نيكيتين) والذي شغل منصب القنصل الروسي في إيران سماتِ المرأة الكردية قائلاً : النساء الكرديات أيَّاً كانت طبقاتهن ومهما بلغنَ من العمر يُجِدنَ الفروسيةَ بل يتحدَّينَ الرجال في امتطاء الخيل، كما رأى (ميجر سون) الحاكم الإنجليزي لمدينة السليمانية في العشرينات في كتابه / رحلة متنكر إلى بلاد النهرين وكردستان / أن نساء الكورد أشجع النساء في استخدام البنادق، وهن على صهوة الفرس، وقد عرفنَ ببسالتهن في القتال على مرّ التاريخ الكردي، وكما قال الرئيس مسعود البارزاني : إن النساء الكرديات كُنَّ يتبرعنَ بحُليِّهنَّ من أجل الثورات،

ورغم كل هذا التطور وروح المقاومة التي تمتلكها المرأة الكردية، وما وصلت إليه المرأة الكردية من الانتصارات والإنجازات، فما زالت تلك الروح الناعمة، والمثقفة ضحية المجتمع الدولي والأنظمة الديكتاتورية، وتتعرض لأبشع مؤامرات القتل على الساحة السياسية وخلف الكواليس الظالمة.

ولم يكتفِ أعداء القضية الكردية بليلى قاسم، فلم يشفوا حقدَهم على النساء الكرديات، وما زال العنف مستمراً والحرب دائمة على البنات والفنانات والناشطات والنساء الكرديات في أجزاء كردستان الأربعة، وبما فيها عفرين الجريحة، حيث تُمارس الميليشيات الموالية للجيش التركي أبشع جرائم القتل والانتهاكات بحقِّ النساء، لذا نُدينُ ونستنكر هذه الجرائم البشعة بحقِّ الإنسانية، ونطالب الهيئات الدولية والمنظمات الإنسانية بالتدخل والاطّلاع على ما يجري في عفرين بحقِّ النساء الكرديات، فإلى متى تكون المرأة الكردية ضحية هذه الاعتداءات أمام أعين المجتمع الدولي؟ ولماذا هذا الصمت الدولي لما يجري على أرض الواقع؟ وأين تلك المنظمات الدولية التي تنادي بحقوق المرأة وحماية المرأة من العدوان التركي؟

وأخيراً: مهما تنوعت أساليب التعذيب والقتل والممارسات اللاأخلاقية التي يمارسها أعداء الأمة الكردية، فإن النساء الكرديات لن يتوقفنَ عن النضال بل على العكس تماماً، فإن المرأة الكردية يزدادُ حبُّها ووفاؤها يوماً بعد يوم للحرية وعشقها للمقاومة في سبيل نيل حقوقهنَّ، وحرية وطنهنَّ الكرديّ..

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٢‏ شخصان‏، ‏‏‏‏‏أشخاص يقفون‏، ‏محيط‏‏، ‏‏سماء‏، ‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏ و‏طبيعة‏‏‏‏ربما تحتوي الصورة على: ‏‏٢‏ شخصان‏