خاطرةُ الصباحِ _ 1_


26 قراءة دقيقة



خاطرةُ الصباح

التشدُّق بالحبِّ
كقضمِ الهواءِ
...
لا يفهمُ ما يجري على الأرضِ
يريد إقناعي بما في السماء
...
أحيانا أريد إقناعَ غيري بما لستُ مقتنعا به
...
كوخُ الشاعرِ أجملُ من بروجٍ مشيدةٍ
...
الفنُّ أسهلُ طريقٌ للشهرةِ
كذلك الكذبُ
...
القصيدةُ كالبحرِ ..يرتادهما الإنسانُ للتمتعِ بالشمسِ
...

لديَّ يدانِ تضجَّانِ
بالوردِ والقافيهْ
ولي شغفٌ بالصباحِ يجيءُ
من الجزر النائيهْ
ولي حلمي المستحيلُ الذي
يتسلَّقُ قلبي وحينَ يُفيقُ
يُفيقُ على الهاويهْ




خاطرة الصباح

شكراً لسيِّدةِ الصباحِ
والقلبُ مخمورٌ وصاحِ

يا طفلةَ الأحلامِ يا
مشيَ المسيحِ على جراحي

ردِّي الحرائقَ عن دمي
ودمي مهبٌّ للرياحِ

يا ألفَ نجمٍ في سمائي
وارتياحي وانشراحي

نامي فإنِّي طائرٌ
لا تتركي أبداً جناحي
...


خاطرةُ الصباحِ

نعدُّ الذي قد تبقَّى لنا
ولم يبقَ إلا حطامُ المنى

فكلُّ السماوتِ مهجورةٌ
كأنِّيَ ما عدتُ قطُّ أنا

غريبٌ هنا وهناكَ على
ظلاليَ أمشي ويمشي الضَّنى

بقلبي عصافيرُ ميِّتةٌ
وكانتْ تطيرُ هنا وهنا

إلى الشمسِ أرنو بلا رغبةٍ
كأنِّيَ أعمى.. عدوُّ السَّنا

أحدِّقُ حولي ولستُ أرى
سوى زمنٍ شوَّهَ الزَّمنا

سوى جبلٍ كنتُ أرتادُهُ
وما عادَ يصلحُ لي مسْكنا

فإن الحياةَ تضيقُ.. تضيقُ
ويتَّسعُ الموتُ رفقاً بنا

فلا بيتَ نأوي إليهٍ غداً
غداً صارَ ..صارَبأيدي الفنا

ولا حلمَ يرسمُ أحلامَنا
ولا نجمَ في الحلمِ منَّا دنا



خاطرةُ الصباحِ

مرتينِ رأيتُكِ
لكنَّني
متُّ في الثالثَهْ
..
آهِ..
لا تنصحيني
بأنْ أهربَ الآنَ منِّي
ومنَ الغربةِ العابثَهْ
..
لي حياتانِ:
موروثةُ الحالِ
أو وارثَهْ
..
القصيدةُ فوقَ السريرِ..
السريرُ على الأرضِ
والأرضُ فوقيَ
باذرةٌ.. حارثَهْ
..
بعدَ جهدٍ جهيدٍ
أنا ما اقتنعتُ ببلسمِها
اقتنعتُ بدائيَ
والغربةِ النافثَهْ



خاطرةُ الصباحِ

صهوةٌ للرحيلْ
صهوةٌ للغيابْ
أقتني حصَّتي
من خريرِ السرابْ
كلُّ شيءٍ هنا
كانَ شمعًا وذابْ
كلُّ عصفورةٍ
فوقَ نافذتي
وقفتْ لتعدَّ السحابْ
كلُّ مئذنةٍ
سكتَتْ
لستُ أسمعُ
إلا الخرابْ
وجعي أخضرٌ
كحقولِ العذابْ
وأنا راكضٌ
بينَ بابٍ وبابْ
ربما أمتطي
صهوةً للرحيلْ
صهوةً للغيابْ
ميِّتٌ تاركٌ قبرَهُ
يمتطي موتَهُ
فوقَ هذا الترابْ



خاطرةُ الصباحِ
...

هزائمي المتوحشةُ
لم تفقدْ أملها بنصرٍصغيرٍ كجروٍ
...
نظرياً
أنا باشقُ السماءِ
عملياً:
أنا سماءٌ مكسورةُ الظَّهرِ
...
أموتُ وفي نفسي
قمرٌ يركلُهُ الموتُ
...
أمسِ
تفاءلتُ باليومِ
واليومَ أتفاءَلُ بالغدِ
وغداً سألعنُ أمسي ويومي
...

مثخناً بالحنينِ
أعودُ إليكَ
أيا وطني المستحيلَ
أعرْني قليلا من الممكنِ
لم أزلْ في الدروبِ
أفتِّش عنِّي
وعن حلميَ المزمنِ
أولم ترَني
بعدُ
ماذا أصابَكَ من سالفِ الشجنِ
أولم ترَني
وهنَ العظمُ منّيَ
وابيضِّ شعري
وطودٌ من الجمراتِ
على ظهريَ المنحني



خاطرةُ الصباحِ

لنا الهجرانُ والحلمُ العضالُ
لنا وطنٌ يُنالُ ولا يُنالُ

لنا منفىً تعفَّنَ في دمانا
لنا العيشُ المحرَّمُ لا الحلالُ

لنا الغسلينُ نشربُهُ دهاقاً
لنا الشوقُ المجنَّحُ والخيالُ

لنا الحبُّ الذي يبدو سراباً
لنا الزبدُ المنمَّقُ والرِّمالُ

لنا ما نشتهي من مستحيلٍ
لنا كلُّ الذي ما لا يُقالُ

لنا اللهُ الذي عنا تخلَّى
لنا سيزيفُ تعرفهُ الجبالُ

لنا ما نشتهي من كلِّ موتٍ
لنا قبحٌ وليسَ لنا جمالُ

لنا التاريخُ زورٌ زقنبوتٌ
لنا ماءُ الكرامةِ فيهِ بالُوا

لنا الشهداءُ في همٍّ وغمِّ
فما عنهم جوابٌ أو سؤالُ

لنا أيضاً هداياتٌ تلاشَتْ
لقد بلعَ الهداياتِ الضلالُ



خاطرةُ الصباحِ

إلى متى في صقيعِ الليلِ أغتربُ
فلا دمشقُ تغطِّيني ولا حلبُ

كم حاولَ الليلُ من ليلى يجرِّدني
ولستُ إلَّا إلى ليلايَ أنتسبُ

كم لذتُ بالحلمِ في صدقٍ وفي كذبٍ
لم ينفعِ الصدقُ في حلْمي ولا الكذبُ

حبيبتي في أقاصي الليل شاردةٌ
تفرُّ منِّي فراراً ما لهُ سببُ

إليَّ أرجعُ والخيباتُ تحرقني
تحيَّةً وسلاماً أيَّها اللهبُ

***
إلى متى
في صقيعِ الليلِ
أغتربُ
فلا دمشقُ
تغطِّيني
ولا حلبُ

كم حاولَ الليلُ
من ليلى
يجرِّدني
ولستُ إلَّا
إلى ليلايَ
أنتسبُ

كم لذتُ بالحلمِ
في صدقٍ
وفي كذبٍ
لم ينفعِ الصدقُ
في حلْمي
ولا الكذبُ

حبيبتي
في أقاصي الليل
شاردةٌ
تفرُّ منِّي فراراً
ما لهُ سببُ

إليَّ أرجعُ
والخيباتُ تحرقني
تحيَّةً
وسلاماً
أيَّها اللهبُ



خاطرةُالصباحِ

أحنُّ إلى الماضي وطيبِ ظلالِهِ
وإني أرى كلَّ الدنا من خلالِهِ

أحنُّ إلى بيتي القديمِ يمدُّني
بنسغِ القوافي في مهبِّ جمالِهِ

إلى كاهنِ النعناعِ يسقي صباحَنا
بحلمٍ يذوبُ القلبُ دونَ اكتمالِهِ

إلى أمِّيَ الخضراءِ وهْي تشدُّني
من القلبِ تحميهِ وشمسَ زوالِهِ

إلى جنَّةِ الأيامِ حينَ لقائِنا
مع الحبِّ فوَّاحاً وطيبِ وصالِهِ

" وكانَ الربيعُ الطلقُ يختالُ ضاحكاً "
وكانَ الذي في بالِنا مثلَ بالِهِ

إلى أن أتت حربٌ ضروسٌ تبيدُنا
وأصبحَ حلمي الثرُّ رهنَ اعتقالِهِ

وأصبحَ شعري خائباً ومضرَّجاً
بأغلالِ خيْباتي ونيرِ اشتعالِهِ



خاطرةُ الصباحِ

جعلتني دمشقُ آهاً وآها

ليتني لم أكنْ أسيرَ هواها


أشتهي أن أزورها ذاتَ حبٍّ

فمتى الحربُ تستريحُ رحاها


أرتقي قاسيونَ.. ألمسُ نجماً

وأعبُّ الحياةَ من برداها


غيرَ أني منفايَ كلُّ جهاتي

وحروفي تعتَّقتْ في دجاها


كم تمنيتُ أن أعودَ إليها

بغتةً بين ليلةٍ وضحاها


وجبالٍ من العذابِ تراءَتْ

تعبَ القلبُ في ارتقاءِ ذراها


طالَ.. طالَ الغيابُ عن سلسبيلٍ

تيَّمتني في غربتي غوطتاها


لم يعدْ لي إلا الخيالُ ملاذاً

ويتيماً أغدو إذا ما تاها


أذرعُ الحلمَ جيئةً وذهاباً

لا أرى في الأحلامِ إلا أساها


لا أرى إلا نجمتي قد توارَتْ

لم أعدْ في هذا الظلامِ أراها

كلُّ..كلُّ الرؤى تموتُ سريعاً

وعلى الدهرِ باقياتٌ رؤاها


أيها الجرحُ داوِني أو أمتْني

لم أعدْ قادراً على بلواها

إنَّ شوقي إلى دمشقَ مميتٌ

من لشوقي بحفنةٍ من ثراها


ليَ فيها قصيدةٌ ملءَ قلبي

وفؤادي مردِّدٌ : أهواها



خاطرةُ الصباحِ

أحنُّ إلى حفنةٍ
من رحيقِ يديكِ
إلى جمرةٍ
في الرمادِ الأخيرِ
إلى الحبِّ
في منتهى صمتِهِ
إلى الحلمِ
يلهو بقلبي الأسيرِ
وصوتُ صبايَ
يعودُ إليَّ
وما زالَ في المهدِ
يحكي عبيري
أحنُّ إلى النجمِ
خلفَ الظلامِ
إلى امرأةٍ
من فراتٍ نميرِ



خاطرةُ الصباحِ

أمس الخميس 13/8/2015كان لي لقاء مهيب مع إخوة لي لم تلدهم أمي ..التقيتهم كما ألتقي وطنا من شعر ونور في ضيافة شاعرنا الكريم محمد البياسي في مكتبه بالرابطة في دبي.. استلمني أخي محمد سمحان وكأنه يكمل حديثا بدأنا ه منذ شرخ الصبا أما أخي سعيد فقد كان نجم الشعر والحب والمرح والبياسي يوزع نظراته علينا بالتساوي وهو النحيف جسدا بين أصدقاء سمان لا يشبعون من الحب والشعر والحياة ...
وشاعرنا الدمث نزار أبو ناصر ضيف الشرف الذي صرنا ضيوفا على مائدته السمكية العامرة لم يكن يقل جمالا شعريا وإنسانيا ...
ما هو السر الذي تخبئه عيون الشعر التي تحول الصحراء إلى واحة خضراء..
أجل.. اللقاء بهؤلاء الأحبة فرح في زمن الحزن وارتواء في زمن الظمأ وأمان في زمن الخوف..

من وحي اللقاء كان هذا النص :

عندما يلتقي بكَ الشعراءُ
تزدهي الأرضُ بل تفيضُ السماءُ

تسمعُ الصوتَ صوتَ حلمٍ قديمٍ
وتعودُ الذكرياتُ والأصداءُ

وكأنَّ التاريخَ ينهضُ توَّا
معَهُ خيرُ أهلِهِ قد جاؤُوا

من زهيرٍ إلى الحطيئةِ يهجو
بالصعاليكِ ضجَّتِ الصحراءُ

ليسَ للشعرِ أيُّ حدٍّ ففيهِ
الحبُّ والحربُ غالباً أصدقاءُ

مثلاً عنترٌ تذكَّرَ عبْلاهُ
وفوقَ الرماحِ كانَتْ دماءُ

ما تزالُ الحروبُ كرَّاً وفرَّاً
فإذا الموتُ والحياةُ سواءُ

التقينا كانَتْ رؤانا عذارى
وهوانا من راحتيهِ الماءُ

اتَّفقنا بأنَّ آدمَ صفرٌ
إن نأتْ عن حياتِهِ حوَّاءُ

وتبادلنا الشعرَ شرقاً وغرباً
ورأيْنا بأنَّهُ الأضواءُ

فحياةٌ من دونِهِ محضُ موتٍ
خارجَ الشعرِ كلُّ شيءٍ هباءُ

في سويعاتٍ سافرَ الكونُ فينا
فإذا الكونُ لحظةٌ وانتهاءُ



خاطرةُ الصباحِ

ورأيتُني في الموتِ والمرآةِ
ورأيتُني متخلِّياً عن ذاتي

وكأنَّما الماضي نداءُ حبيبتي
وكأنما رجعُ الصَّدى في الآتي

الأرضُ مثقلةٌ وحلمي فوقَها
سأخفِّفُ الأحمالَ عن طُرقاتي

ما عدتُ أنزفُ غيرَ أشواقي إلى
قلمي وأوارقي.. إلى ضَحكاتي

الكونُ ..كلُّ الكونِ سجنٌ ضيقٌ
وترابُ بيتي أوسعُ الجنّاتِ

تدرون ما معنى الترابِ أليس منهُ
أتيتمُ وإليهِ كلُّ حياةِ..؟



خاطرةُ الصباحِ

في الطريقِ إليَّ
رأيْتُ الزمانَ يكشِّرُ عن نابِهِ
لم أجدْ غيرَ صوتي
يلمُّ صداهُ..
يدقُّ على بابِهِ
تركَ الليلُ نجمي
فغابَ عن الوعيِ
غابَ عنّي وأحبابِهِ
في الطريقِ إليَّ
لقد كانَ ثمَّةَ
رتلٌ طويلٌ من النملِ
في غابِهِ
عندما عدتُ نحوَ الوراءِ
رأيتُ الزمانَ على دأبِهِ
صارَ يسألُ: ما بي
وأسألُهُ :ما بِهِ



خاطرةُ الصباحِ

أصحو على صوتِ الدم
الدم المندلق من فنجان الوطن
الوطن الذي يحمرّ من شدةِ الدم
هنا سوريا
هنا القاتل يأكلُ لحمَ قتلاه
هنا القتلى لا يموتون فينا
هنا سوريا
حضارةٌ عمرها أكثر من أربع سنين عجاف..
سمان بالموت
والموت وجد ضالته فيها
فهو سفير العالم ورسوله إليها
أيها الموت السائح
كلُّ الوطن تحت تصرفك
من دوما إلى عامودا
فارشقهُ بزهوركَ الجميلةِ
استحمَّ بدمه
ونشِّفْ جسمك بالماءِ
....
وحدَها ..وحدَها الدماءُ تسيرُ
ورؤوسُ المعذَّبينَ تطيرُ

وحدَها سوريَّا مقابرُ شتى
فهيَ الأولى إنْ تُعدَّ القبورُ

وكأنَّ المماتَ فيها خلاصٌ
وكأنَّ الحياةَ فيها سعيرُ

...

كأنَّ جبلاً فوقَ ظهري
كأنَّ قمراً يائساً
يهربُ من قلبي
ويغرقُ في الظلامِ
...
رأسي منكَّسٌ
قلبي منكَّسٌ
رايتي منكَّسةٌ
حتى بالكادِ تتنفَّسُ
ديدانُ الكلامِ
...
أكلتُ كلَّ أحلامي
فالجوعُ كافرٌ
...
ظمئي لا يُطاقْ
وصباحي على كتفِ الليلِ
مرُّ المذاقْ
...
أدافعُ عن قلبي وعن نبضَاتِهِ
فمِنْ حقِّهِ المشروعِ نجوى صلاتِهِ

فلا تمنعوني من هبوبِ حنينِهِ
ولا تحرموني من حقيقةِ ذاتِهِ

ولا تسجنوه في غياهبِ وجهةٍ
فكلُّ جهاتِ الكونِ أضحَتْ جهاتِهِ



خاطرة الصباح

في أي جهة من الكون يقع الشعر؟
ما السر الذي يجعلك تسلمه رايتك وتسير وراءه مرفوع الجبين
هل الشعر طائر من الكلمات أم طائر أسطوري كذاك الذي ينهض من رماده ويملأ الكون ببكائه الممتد من المهد إلى المهد ومن الطفولة إلى الطفولة
ما سر الشباب الدائم في روحه... أيتخطاه الزمن ويتركه في لحظته الأولى أم هو نفسه عصي على الوقوع في براثن الزمن الذي لا يرحم..
للشعر رائحة التراب والحب ..
له أجنحته الخرافية التي يحلق بها أبد الوقت دون كلل أو ملل..
تفرح أو تحزن تحب أو تشتاق تهاجمك المشاعر جميعا من كل الجهات فيقول لك الشعر دعني أتصرف معها .. دعني أسجلها بالنار على الريح وبالنور على الظلام..
إنه تاريخ القلب والجغرافية التي تتضاءل أمام قدرته على قطع المسافات كالضوء أو كالصوت..
قال بدوي الجبل :

أيطمعُ الشعرُ بالإحسانِ يغمرهُ...والشعرُ يغمرُ دنيا اللهِ إحسانا

أنا ومحمد البياسي والضيفان العزيزان من الأردن :محمد سمحان وسعيد يعقوب
كان لنا لقاء في العاصمة الجميلة أبو ظبي مع الشعر ومع لفيف من الشعراء والغاوين والغاويات وكانت هناك قصائد في الحب والوطن والحياة والموت
كان حديث الروح للروح وجها لوجه وقلبا لقلب..
تساءلت ببراءة :ما السر الذي يجعلنا نقطع المسافات الطويلة من أجل دقائق من الشعر.. والضيفان الشاعران الأردنيان قطعا آلاف الكيلو مترات من أجل لحظة شعر .. أليس هذا الجنون بعينه ..
ثم ما الذي يجعل شاعرا كمحمد البياسي صاحب مشروع شعري كبير هدفه إنهاض الشعر من رماده وجعله منتشرا كالماء والهواء وقد بدأ الخطوة الأولى في طريق الألف ميل وما زال ساعيا إلى مشاريع شعرية لا يربح من ورائها إلا خسارة المزيد من ماله ووقته وراحة جسمه وكأن المتنبي كان يعنيه حين قال:

وإذا كانتِ النفوسُ كباراً ...تعبَتْ في مرادِها الأجسامُ
أجل ليس بالأمر اليسير أن تجعل من الشعر متنفسك ومبدأك وهاجسك في زمن الفوضى وزمن الحرب والموت وكأن الشعر هو البديل الجميل لكل هذا القبح الذي يتغلغل في جسم العالم وروحه كسرطان خبيث لا يبقي ولا يذر..
بوجود الشعر والشعراء أتفاءل بعالم جديد سينهض على أنقاض العالم القديم
بوجوده سيبقى " كوخ " عمنا سمحان ملاذا دافئا يضمنا جميعا في أرجائه الرحيبة
تحية إلى الشاعرين الجميلين :محمد سمحان وسعيد يعقوب رسولا الشعر إلينا من خلف المسافات ومن خلف الحكايات..
تحية إلى الشاعر الوفي للشعر الحامل رايته خفاقة :محمد البياسي صاحب مشروع شعري نهضوي وصاحب قلب ينبض بالشعر والعطاء والوفاء..
وللحديث بقية ...



خاطرة الصباح "2"

إن تتعب كثيرا فنم تحت ظل القصيدة
...
في القصيدةِ تزدحمُ الكلماتْ
وتعيشُ جميعاً سواسيةً
في جحيمِ الحياةْ
...

يلتقي القلبُ بالقلبِ
ألسنةُ النارِ ناطقةٌ
بالقصيدةِ والحبِّ والذكرياتْ
...
لمَّ..لمَّ الهواء
لمَّ هذا الفضاء الفسيحَ
لكي تستريحْ
...
كم يلتقي الشعراءُ والغاوونا
ويظلُّ قلبي طائشاً مجنونا
...
كنتُ أمسِ على جبل الشعرِ
ناديتُ آلهةَ الأولمبِ
قلتُ: لا..لا تغيبي
فعلى ظمئي يقفُ الماءُ
مثلَ حبيبي
...
أمسِ كانتْ دمشقُ تئنُّ من الموتِ
عاصمةُ الموتِ
والشعراءِ الذينَ يموتون
في الجلجلهْ
..
ينظرُ الموتُ في وجههِ قائلا:
آهِ..
ما أجملَهْ
..
لذ بنفسِكَ..
شذِّبْ جنونَكَ..
واحتضنِ الزَّلزلّهْ



خاطرةُ الصباحِ

سأموتُ غداً
أو بعدَ غدِ
خليكِ معي ..
لا تبتعدي
لا لستُ ترابيَّاً
فلذا
واريني في هذا الزَّبدِ
قد عشت بلا أمل..
أملي
ميؤوسٌ منهُ
إلى الأبدِ
قولي لي:
إنكِ باقيةٌ
وحياتُكِ جرحٌ
في كبدي




خاطرةُ الصباحِ

حينَ كنا نمرُّ بتدمرَ
كانَ الخيالُ الدليلَ
إلى غابرِ الأزمنهْ
كانَ هذا المكانُ
تُشدُّ إليهِ الرحالُ
من الأمكنهْ
التماثيلُ ناطقةٌ
حينَ تدمرُ كانتْ تمرُّ بنا
نتباهى بأنَّ لدينا التواريخَ مذعنةٌ
مذعنهْ
أمسِ كانَ ثمَّةَ موتٌ
على يدِ مَنْ يدهُ
مثخنهْ
بدمِ الحجرِ البشر..
اللغةِ المؤمنهْ
محوُ ذاكرةُ الأرضِ
محوُ القصيدةِ
كي يستريحَ الطغاةُ
ويرتزقُ الكهنهْ
في بلادي العصافيرُ ممنوعةٌ
القصائدُ ممنوعةٌ
التماثيلُ ممنوعةٌ
يسمحونَ فقطْ للغزاةِ بأنْ
يتولَّوْا شؤونَ العبادِ الذينَ
يعيشونَ بينَ الحرائقِ والأدخنهْ



خاطرةُ الصباحِ

ومالي سوى البحثِ عنِّي
فإني أضعتُ جهاتي
فلا نجمَ أبصرُهُ
في سمائي
ولا فجرَ ياتي
ومالي سوايَ
أجرِّبُ فيهِ قوايَ
وأصنعُ منهُ رحيلي
إلى عمقِ ذاتي
أفيضي عليَّ
بنزرٍ من الحبِّ
كي أستعيدَ الكثيرَ
من المعجزاتِ
لماذا أرى الموتَ يحسدُني
يتمنَّى زوالَ حياتي
لماذا أسيرُ ..أسيرُ
وليس هناك مكانٌ
أسيرُ إليهِ
سوى ذكرياتي
لماذا الصباحُ بعيدٌ بعيدٌ
وأبعدُ منهُ صدى أمنياتي
ومالي سوى البحثِ عنِّي
فخلْفَ الزمانِ البعيدِ شتاتي



خاطرةُ الصباحِ

كي تكونَ سعيداً
عليكَ بإتعاسِ غيرِكْ

كي تكونَ مهمًّاً.. مهاباً
عليكَ وراءَ الكراسي
بإسراعِ سيرِكْ

كي تكونَ غنيَّاً
عليكَ عنِ الآخرينِ
بإيقافِ خيرِكْ

كي تكونَ جديراً بحبِّ الطيورِ
عليكَ بتكبيلِ طيرِكْ



خاطرةُ الصباحِ

ذبابةٌ تسلَّقَتْ قصيدتي
ثانيةٌ تهيمُ في الفنجانْ

ثالثةٌ في أذني
كأنَّها ربيبةُ الشيطانْ

رابعةٌ تطنُّ
في الزمانِ والمكانْ

خامسةٌ لجوجةٌ
تأتي تروحُ
دونما استئذانْ

سادسةٌ عمياءُ
في وجهي تطوفُ حرَّةً
موطنُها العينانْ

سابعةٌ تنهضُ في الفجرِ
معي وتسمعْ الأذانْ

ثامنةٌ ليليَّةٌ
تسهرُ معْ هواجسي
وحلميَ الظمآنْ

تاسعةٌ مسكينةٌ
فتستحي الخروجَ من قصيدتي
تعدُّها من خيرةِ الأوطانْ

عاشرةٌ نائمةٌ
إذا صحتْ تجرُّ خلفها
ذبابَ الكونِ في ثوانْ



خاطرةُ الصباحِ

سرتُ معْ غيري وراءَ العربَهْ
لأرى ماذا وراءَ الهضبَهْ
لم أشاهدْ غيرَ طفلٍ ميِّتٍ
وبكاءَ امرأةٍ مغتصَبَهْ
عدتُ أدراجي حزيناً
بخطىً مضطربَهْ
ودمي يضحكُ كالمجنونِ
عندَ العتبَهْ
عنكبوتُ الفجرِ أهدانيَ
خيطاً واهياً
تمتمَ لي: رتِّقْ رؤاكَ الخربَهْ
ليسَ يُجدي أيُّ قولٍ صادقٍ
معْ هؤلاءِ الكذبَهْ
زمنٌ مغتربٌ
أمكنةٌ مغتربَهْ



خاطرةُ الصباحِ

البعيد عن العين
ليس بعيدا عن القلب
في القلب نجم يروح ونجم يجيء
مهرجان الضياء
قبل أن ألتقيك أراك على الدرب
نبع زهور
ومنبع ماء
هكذا ابن العطش المتوارث من ألف عام
يعيش وأحلامه في الهواء
هكذا يرتمي في الخيال
يرى نفسه مفعما بالعصافير وهي
تعب السماء
البعيد قريب من القلب
يسكره بنبيذ الحنين
وهذا الحنين صباح مساء
...
وأنتِ سيدتي الأَوْلى
ونبض يدي
وغفوةُ النارِ في حلمي
وفي كبدي
منذُ الصباحِ على ظهري
أحطُّ غدي
لكيْ أقي
من جنونِ الذارياتِ غدي
طولَ القصيدةِ
ملتمٌّ على جسدي
روحي الجميلةُ
قد فاضَتْ على جسدي
ونلتقي رغمَ هذا الموتِ
نبعدُهُ
نلفُّ في جيدِهِ
حبلاً من المسدِ
فاضَ الجنونُ
فما للعقلِ متَّكأٌ
إنَّ الجنونَ طريقي
نحوَ مُعتقَدي
عيناكِ سيِّدتي
نبعانِ من ظمأٍ
كمثلِ عينيكِ في الأحلامِ
لم أجدِ
لا لستِ لي
فأنا لي ألفُ قافيةٍ
إن قُرِّبَتْ من سماءِ القلبِ
تبتعدِ
سأبحثُ الآنَ عني
في سعيرِ دمي
لأوقدَ الحبَّ في منفايَ
أو بلدي
فهذهِ الأرضُ..
كلُّ الأرضِ مقبرتي
عيشي معي
بينَ موجِ الحلمِ
والزَّبدِ



خاطرةُ الصباحِ

الحبُّ كبيرٌ
واللغةُ صغيرةٌ
الموتُ كبيرٌ
واللغةُ صغيرةٌ
أيّتها اللغةُ الصغيرةُ
تنحَّيْ جانباً
...
لديَّ فائضٌ من الليلِ
لا يمحوهُ ألفُ فجرٍ
...
الشجرةُ التي كنتُ أرسمُها بخيالي
اجتثَّها الحطّابونَ
وها هم يحتفلونَ بعيدِ الشجرةِ
...
لا أستطيعُ حملَ نفسي
وكنتُ يوماً ما أحملُ العالمَ
...
عشتُ في امتدادِ الخيالِ
أكثرَ من العيشِ في ضيقِ الواقعِ
ولهذا امتدَّ بي العمرُ
...
عودتي إلى الماضي سببُها
أنَّ الطرقَ إلى الغدِ مغلقةٌ
...
لا أعرفُ دقَّ مسمارٍ في حائطٍ
فكيفَ أدقُّ عنقَ المنفى
...
هذا الصباح واسيت صديقي محمد سمحان قلت له:
طارَ الشبابُ ونبضُ القلبِ لم يطرِ
مهما بلغتَ من الأشواقِ والعمرِ
...
يؤلِّبني على الأشواقِ قلبي
ويبقى وحدَهُ بينَ المهبِّ

وأحلامي التي كانَتْ سُكارى
تهرولُ ظامئاتٍ نحوَ قلبي

وأرضي كلُّها أضحَتْ مواتاً
وكُوِّمَ في خيامِ البؤسِ شعبي



خاطرة الصباح

إذا ما خلت حياتي من الحب والشعر
فارجميني بلسانك السليط
وإذا جلست أحدق في الفراغ
فاسكبي في عيني عينيك
لأرى البحر يطير كنورس مجنون
وإذا رأيتني أبكي بلا سبب
فاضربيني لأبكي بسبب
وإذا مددت يدي إلى القمر
فلا تعامليني كطفل غبي أو مشاغب
وإذا رأيتني مع امرأة ما
فافضحيها على مرأى مني
وإذا بحثت عن الماء لأسقي حلمي
فلا تتهميني بالهدر والطيش
وإذا رأيتني متكئا عليك
فلا تقولي لي : أفِّ
وإذا رأيتني أموت على دفعات
فسددي للموت كل الأقساط
من حياتي المتبقية عندك
وإذا لم تريني ذات يوم
فابحثي عني في الأنقاض
أو تحت مخدتك المطرزة
بآخر قصيدة كتبتها لك



خاطرةُ الصباحِ

ثمة أشياء تنتهي صلاحيتها :
علبة السردين تستفيد منها القطط
الوطن تستفيد منه الكلاب
الحياة يستفيد منها الموت
...
خلق الله الحياة لنركض فيها
خلق الوطن لنُهان فيه
خلق البحر لنغرق
...
من خط الفقر
إلى خط النار
إلى خط الموت
على متنها تجدون كل الراحة
...
يقفُ الموتُ فوق رأسي يقولُ:
دعْكَ منِّي ..إنِّي أنا السَّلسبيلُ

يشربُ الناسُ من مياهي ظماءً
فأنا الجودُ والعطاءُ الأصيلُ

هؤلاءِ الذينَ قد هربُوا منِّي
رأوني أمامَهمْ ..لا أزولُ

لستُ أرتاحُ والحياةُ بقربي
فأنا وحدي للحياةِ البديلُ

شعبُ سوريةٍ لهُ كلُّ حبِّي
وسواهُ من الشعوبِ دخيلُ

نصبَ عيني وضعتُهُ كي أراهُ
يتلاشى.. فزغردي يا طلولُ

يقفُ الموتُ فوق رأسي ويبقى
إنَّ رأسي مكانُهُ المأمولُ


خاطرةُ الصباحِ

في الضلالةِ يمشي هدايَ
وفي البحرِ فزَّاعةٌ من زبدْ
هؤلاءِ القادمونَ إليَّ من الأرضِ
لم يجلبوا لي سوى روحهمْ
هربتْ من جحيمِ البلدْ
هربتْ ثم لاذتْ بحلمٍ جميلٍ
وماتتْ معَ الحلمِ
لم يدرِ بالميّتينَ أحدْ
في السحابةِ تمشي البلادُ
وتسقطُ في البحرِ
والبحرُ ظمآنُ
يشربُ ما طابَ
من والدٍ وولدْ
في القصيدةِ يمشي صباحي
عدوِّي يكشّرُ عن نابِهِ
وصديقي عدوٌّ ألدْ
في المسافةِ بيني وبين الحبيبةِ
ألفُ طريقٍ
لكلِّ طريقٍ رصاصٌ
يُعدُّ وليسَ يُعدْ
في الخيالِ الذي يتأبَّطُ شعري
هواءٌ فسدْ
...
أيُّها المستغيثُ لملمْ صداكا
وتجرَّع في البحرِ وحلَ خطاكا

انتهى الموتُ من أداءِ رؤاه
بدأ الآنَ ساكناً في رؤاكا

كلُّ نجمٍ عن السماءِ توارى
فارتشفْ في عزِّ النهارِ دجاكا




خاطرةُ الصباحِ

مِنْ أيِّ كأسٍ يَحْتـَسِي الشُّعَرَاءُ خَمْرَتـَهُمْ
لِـتـَشْتـَعِلَ الـْحَرَائِقُ فِي الـْحُرُوفْ ؟؟

***
أمس أهداني شاعرنا الكبير محمد سمحان نصا شعريا جميلا منتهيا بالسطرين السابقين المفجرين سؤالا لا ينتهي فكان ردي عليه بنصين على مبدأ رد الصاع صاعين أو التحية تحيتين :

دمُنا الذي لا يرتوي
دمُنا الذي يطأ الهواءَ
وينتشي بهبوبِهِ
وعلى هداهُ نسيرُ
بينَ عدوِّهِ وحبيبِهِ
يا أيُّها السَّمحانُ
سامحْ ظلَّكَ الممتدَّ من
أقصى الشمالِ
يسيرُ نحوَ جنوبِهِ
بحروفِنا تتوهَّجُ الأحلامُ
تمتلئُ الكؤوسُ
وكلُّ قلبٍ يهتدي بلهيبِهِ
بالشِّعرِ نرتكبُ الجنونَ
وبالجنونِ نعاقرُ الشِّعرَ الذي
فاضَ الخيالُ بكوبِهِ
الشعرُ وامرأةٌ تمشِّطُ حلمَها
والكأسُ مترعةٌ بخمرِ القلبِ
حيث الحبُّ ملءُ دروبِهِ
الشعرُ يملكُ ألفَ قلبٍ
فهو يزهو دائماً بقلوبِهِ

***

إن شئتَ ملهمةً فاجلسْ مع البحرِ
فإنَّهُ امرأةٌ من حيثُ لا تدري

واشربْ من الثغرِ أطيافاً معتَّقةً
وانهلْ من الصدرِ أصنافاً من الخمرِ

وسرْ وراءَ جموحِ الحبِّ في شغفٍ
معانقاً كلَّ ما في الكونِ من سحرِ

إن الحرائقَ في قلبي تحرِّرني
من بعدِ كلِّ قيودِ الأسرِ من أسري

إذا خلا الكونُ من ماءٍ ومن كلأٍ
فسوفَ أحيا على بعضٍ من الشعرِ



خاطرة الصباح

ما زال الموت حنونا
كأم مجنونة
ترضعنا البحر
تطعمنا الرمل
تهدهدنا في التابوت
ما زال القاتل تمساحا يغسلنا بدموعه الطاهرة
ويشرف على نهاياتنا التراكوميدية
نحن حفدة الماء والنار
نتراشق بهما
نغرق فيهما
ونقضم الهواء
نحن الصاعدون الجلجلة
الخارجون من الوطن
الخارجون على القانون
الداخلون في البحر بجوازاتنا اليابسة
الداخلون في العصر من بوابته الصدئة
الوطن مغلق لأعمال الصيانة
الجهات مفتوحة لأعمارنا الهاربة من الموت إلى الموت
لا الحب ينقذنا
لا الحرب تنقذنا
وحده البحر مكان اللجوء الأخير
وحده يرحب بنا في هذا الخراب الكبير
...

ضاقّتْ مقابرُنا فالموتُ يسْتشري
حتى الشياطينُ لا تدري بما يجري

قبضٌ على الرِّيحِ حتى الريحُ قد نفدَتْ
فاقبضْ على الموتِ أو فاقبضْ على الجمرِ

بلادُنا انقرضَتْ حتى إذا وُلدتْ
فلن تكونَ سوى قبرٍ على قبرِ



خاطرة الصباح

إنه زمن الفقد والضياع تمد خطوتك الأولى إلى الوطن والخطوة الثانية إلى المنفى وأنت معلق على مشجب الريح تتضاءل أمام جبروت الزمن المكتنز بآلهة رثة تتحكم بك وترشقك بنار الجنون..
في الصباح تبحث عن زهرة في صحراء روحك
في الظهيرة تبحث عن ماء لهذه الزهرة الظمأى
في المساء تحفر قبرك وقبر الزهرة
تحفر الكون علك تجد قطرة ماء عذبة
إنه زمن الفقد والضياع فلا تجد فرقا بين نجمة تغرق في صمت الظلام وأخرى تغوص في طين الأبجدية ..لا ترى إلا ظلك يقودك بعصاه المكسورة إلى واحة من سراب أو روضة من رماد..
...
بيني وبين الوقتِ حلمٌ عاقرُ
يحنو عليهِ الشاعرُ
والوقتُ ممسحةٌ لأيَّامي
وبحرٌ فاجرُ
وطفولتي هرمَتْ قُبَيْلَ أوانِها
والموتُ في أطلالِها يتفاخرُ
وطنٌ تشرَّدَ أهلُهُ
منفى تورَّمَ ظلُّهُ
فكأنَّ هذا الكونَ مبغىً آخرُ
يا أيُّها الزمنُ المسجَّى في دمي
دعْني قليلاً
أيُّها المتآمرُ
...
دعْني ألملمْ ما تبعثَرَ من بلادي
دعْني أفتِّشْ في رمادي
فلعلَّ ناراً ما تنادي
...
ماذا أسمِّي ما يدورُ
وطنٌ أمامي أم قبورُ
الحزنُ يقتلُني
متى يوماً سيقتلُني السُّرورُ
...

ما زلتُ أركضُ من تيهٍ إلى تيهِ
كشاعرٍ هربَتْ منهُ قوافيهِ

فراحَ يسألُ عنها كلَّ داجيةٍ
ولا يرى أحداً يبكي ويبكيهِ

أكادُ أخرجُ من روحي ومن جسدي
يا ليتَ لي وطناً ..يا ليتني فيهِ
..




خاطرةُ الصباحِ

فيكِ ما فيكِ من ينابيعَ تتْرى
وضفافٍ من البنفسجِ سكرى

أنا ما عدتُ شاعراً خلبيَّاً
فالقوافي تجرُّني الآنَ جرَّا

تعبَ العمرُ في الهروبِ من الدُّنيا
إلى أنْ رجعتُ أطولَ عمرا

نسي الماءُ نفسَهُ في سرابي
فإذا الكونُ كلُّهُ صارَ نهرا
...

سألْتقي بي وراءَ الغيْمِ والبرقِ
أليسَ هذا اللقاءُ الحُلْمُ من حقِّي؟

قد ضقتُ ذرعاً بأيَّامي وأوْدِيتي
في كلِّ وادٍ أعاني رِبْقة الرِّقِّ

لعلَّني ها هناكَ النَّجْمُ أحضنُهُ
لا نيرَ بعدَ زمانِ النَّجْمِ في عُنْقي

أدري بأنَّ ورائي ألفَ حاسدةٍ
ممَّنْ يضقْنَ بأحلامي ومن عِتْقي

يضقْنَ أيضاً بنومي تحتَ قافيتي
ووجهِها العذبِ والميمونِ والطَّلقِ



خاطرةُ الصباحِ

وقفتُ على الأطلالِ أبكي وأستبْكي
وأصبحْتُ مكسوراً عصيَّاً على السَّبكِ

تأملتُ في الأنقاضِ حتى أصابني
دوارٌ وألقاني يقيني على شكِّي

وعدتُ إلى نفسي لأشعلَ شمعَها
وأنزعَ أحلامي من الموتِ أو منْكِ

على أيِّ بحرٍ تشتهي الموتَ صاحبي
تعالَ إليَّ الآنَ واركبْ على فُلْكي

تعالَ نذقْ طعمَ الحياةِ للحظةٍ
فقد لا نرى مِنْ بعدُ طيراً على الأيْكِ

أموتُ كثيراً في دقائقَ عدَّةٍ
ولكنَّني أُخفيهِ عنِّي ولا أحْكي

لديَّ من الأحزانِ ما لا تُطيقُها
جبالٌ .وقد صارَتْ خزائنُها ملْكي

لقد كان لي أرضٌ تقيني من النَّوى
ولكنَّها حثَّتْ عدوِّي على سفْكي

فها جرحيَ الممتدُّ يقتاتُ من دمي
ويهتفُ للأرضِ الحبيبةِ: لبَّيْكِ

إذا ما أرادَ الوقتُ سلبَكِ من غدي
فلا كانَ هذا الوقتُ لا لا وعينيْكِ

وأصدقُ ما في الكونِ أرضٌ أحبُّها
وأكذبُ ما في الكونِ منفىً من الإفكِ

فيا أرضُ قومي وانهضي من جراحِنا
ودكِّي حياةَ الذُّلِّ من بعدِها دكِّي
....



خاطرةُ الصباحِ

أبحثُ عن شيءٍ ما
شيءٍ لا أذكرُهُ
لا يذكرني
يشبهُ قمراً أعمى
يشبهُ وجهَ حبيبٍ ميْتٍ
يشبهُ منفايَ الممتدَّا
أأظلُّ أفكِّرُ فيهِ
وأسعى خلفَ سرابٍ
ينقذُني من عطشي
أم أنتظرُ المطرَ المنسدّا
أبحثُ عني في الآخرِ..
في ذاتي
فأرى شخصاً يشبهني
يتحاشاني
يضحكُ في وجهي
وأنا أبكي
وبكائي صارَ من الليلِ أشدَّا
ما عدتُ أرى أحداً
يأخذُني مني
فأنا خطِرٌ جدَّا
قد أقتلُ نفسي
قد أقتلُ ذئباً
قد أقتلُ إنساناً مرتدَّا
أبحثُ عن شيءٍ
ما عادَ لهُ أثرٌ
طللٌ في الروحِ
تفحَّمَ واسودَّا
...



خاطرةُ الصباحِ

في بلادي يُطاردُ العصفورُ
ويظلُّ الصيَّادُ والشُّعرورُ

وتغيضُ الأدواحُ فالأرضُ ظمأى
وتفيضُ الأرواحُ تنمو القبورُ

ليسَ فيها للوردِ أيُّ جمالٍ
ليسَ فيها للياسمينِ عطورُ

الأغاني حتى الأغاني عجافٌ
ليسَ إلا هباؤُها المنثورُ

والحكاياتُ كلُّها قد تلاشَتْ
وحدَهُ الموتُ في الحياةِ يسيرُ

في بلادي الليلُ البهيمُ مقيمٌ
فحرامٌ على رباها النُّورُ

فترى الأغنياءَ سلباً ونهباً
ومن الجوعِ يستغيثُ الفقيرُ

فترى الزاحفينَ صاروا طيوراً
أرأيتم يوماً حماراً يطيرُ

هكذا نحنُ لا مكانَ لشهمٍ
فيسوسُ الأمورَ نذلٌ حقيرُ

هذه الحربُ شوَّهَتْ كلَّ حسنٍ
تحتَ أنقاضِها كواعبُ حورُ

فمتى تولدُ الحياةُ من الموتِ
ويحيا الإنسانُ وهو أميرُ


...




خاطرةُ الصباحِ

في آخرِ موتٍ لي
لم أُخرجْ رأسي أو رجليَّ
من التابوتْ
كنتُ بنفسي مشغولاً
كنتُ أموتْ
...
وطني منفايَ
ومنفايَ الوطنُ الثاني
فهما ذئبانِ
لا يكترثانِ كثيراً
بكلابِ الحلمِ
ولا الرُّعيانِ
...
لن أكتبَ تاريخَ الحربِ
فليسَ لديَّ الأوراقُ الصفراءْ
لن أبنيَ لي وطناً
إلا بينَ النارِ
وبينَ الماءْ
...
فوقَ فراشي كم متُّ
وفوقَ الخازوقْ
موتانِ جميلانِ
وربِّ الفاروقْ
...
في الفجرِ
تسخرُ مني الشمسُ البلهاءْ
في الليلِ
يصيرُ حديثُ الانجمِ
محضَ هراءْ
...
هاجرْ يا بنَ بلادي
هاجرْ
فالوطنُ الآنَ
زنيمٌ أو فاجرْ
...
أو إنْ شئتَ فظلَّ مقيما
كلْ من قلبِكَ
واشربْ غسَّاقاً وحميما
...
إلخ..
...




خاطرةُ الصباحِ

ما زلتُ في أولِ الطريقِ
بلا نديمٍ ولا صديقِ

أمشي وراء الصدى أنادي
صدايَ في فجِّهِ العميقِ

أتيهُ في الدربِ ..كلِّ دربٍ
لا يرتوي داخلي حريقي

كـأنَّني كائنٌ غريبٌ
في عالمٍ موحشٍ صفيقِ

تحمَّلي كلَّ موبقاتي
بذنبيَ الثرِّ لا تضيقي

وعامليني كأيِّ شمعٍ
وإن أردتِ الدجى فذوقي

أصمُّ قلبي كما جدارٍ
مزيَّفُ النبضِ أو حقيقي

طفولتي لم تزلْ هباءً
ولم أزلْ دونما شروقِ

فهل أنا سيِّد الأغاني
أم تاجرُ السُّوقِ والرقيقِ

وفي مهبِّ الجنونِ عقلي
طارَ إلى نجمِهِ السَّحيقِ
..




خاطرةُ الصباحِ

أيَّ شيءٍ أقولُ.. لا لنْ أقولا
قد رجعْنا إلى القرونِ الأولى

ليسَ إلا مستنقعاً نحنُ فيهِ
قاتلاً أنْ تكونَ أو مقتولا
...
فمنَ الخبزِ يُحرمُ الآنَ طاوٍ
ومنَ الماءِ ظامئٌ بعدَ ظامِئْ

ومنَ الأرضِ عاشقٌ يتلوَّى
ومن اللهِ زاهدٌ ذو مبادِئ
...
كلُّ هذا الموتِ الذي حولَ لحدي
ما لهُ في حياتِنا أيُّ حدِّ

فبِهِ نعتني.. بهِ نتسلَّى
ولهُ منْهُ حصَّةٌ كلُّ فردِ
...
وطنٌ ما لهُ سوى الآلامِ
وتوابيتِ الحبِّ والأحلامِ

إنَّها الحربُ لم تدعْ غيرَ قلبٍ
نصفُهُ ميِّتٌ ونصفٌ دامِ
....




خاطرةُ الصباحِ

شَعبٌ بغالي الرُّوحِ قد ضحَّى
ولهُ يُرادُ الآنَ أنْ يُمحَى

لا تَهْدأُ الآلامُ في دمِهِ
فكأنَّ مِلءَ جراحِهِ مِلْحَا

الموتُ يرصدُهُ ويحصدُهُ
فإلى نبيِّ الموتِ مَنْ أوحَى؟

قد أودتِ الحربُ الضروسُ بهِ
ولَها يُقالُ الآنَ: يا مَرْحَى

والعالمُ السَّاديُّ مُنْشرِحٌ
فكأنَّهُ قد أدْمَنَ القُبْحَا

سوريَّتي ..يا جرحَ قافيتي
قد أشْبَعُوكِ- حَبيبتي- ذبْحَا

أوليسَ في الأَخْبارِغيرُ دمٍ:
قَتْلى على الجبهاتِ أو جَرْحَى..؟
...



خاطرةُ الصباحِ

كلما ضاقَ الوطنُ اتَّسعَ الجرحُ
...
الوطنُ حبرٌ على ورقٍ
الوطنُ نارٌ على ورقٍ
...
أخرجونا من الوطنِ
وأخرجوا الوطنَ منا
...
خسرنا الوطنَ ولم نربحِ المنافي
...
وطنيٌّ يقتلُ وطنيَّاً
أيُّها العملاءُ اتَّحدوا
...
إلى متى نركضُ وراءَ سرابٍ يسمَّى الوطن
...
وطني لو شُغلتُ بالموتِ عنهُ
قلتُ للموتِ: يا حبيبي وأنسي
...
أرى كلَّ ما لا أريدُ
فهلْ من مزيدْ
...



خاطرةُ الصباحِ

"الهنودُ الحُمْرُ.. السوريُّونَ الحُمْرُ"
...
لا جديدَ تحتَ الشمسِ
معَ تغييراتٍ طفيفةٍ
الحلمُ الذي يقفزُ من غصنٍ إلى غصنٍ كالقرودِ
هو الحلمُ نفسهُ قبلَ دهرٍ وثانيتينِ
فقد هرمَ ليسَ إلَّا
الصباحُ الذي أنتظرهُ هو هو
فقطْ صار أعرجَ لا يحملُ شيئاً
وبالكاد يحملُ نفسهُ
الصديقُ الذي هاجرَ ولم يعدْ
ما زال يحصي غربتهُ ويعيدُها إلى حصَّالتهِ المثقوبةِ
الأمهاتُ اللواتي كن يبكينَ على أبنائهنَّ الغرباءِ
صرنَ يبكينَ على أبنائهنَّ الشهداءِ
الجنودُ الذينَ تدرَّبوا لقتلِ الشيطانِ
وهدمِ معابدهِ الوثنيةِ أو المجوسيةِ
صاروا يقتلونَ الأطفالَ والعصافيرَ
كنا نحلمُ بامتطاءِ صهوةِ السلامِ
صرنا تحتَ سنابكِ الحربِ
شارعُ الحبِّ
شارعُ الحربِ
ميدانُ الحياةِ
ميدانُ الموتِ
"متى استعبدتم الناس"
كانَ العبدُ يُشترى ويُباعُ
صارَ يُشرَّدُ ويُقتلُ
كانَ الشاعرُ يفخرُ بنصرِ القبيلةِ
صارَ يفخرُ بهزيمةِ الأمةِ
وعدونا بجنَّاتٍ ونعيمٍ
فكانتِ الجحيمُ هيَ المأوى
تغييراتٌ طفيفةٌ جدا
الهنودُ الحمرُ
السوريُّونَ الحمرُ
...

كنَّا نجرُّ وراءَنا أحياءَنا
صرنا نجرُّ وراءَنا أمواتَنا

كنَّا نجمِّعُ ما تفرَّقَ من يدٍ
صرْنا نفرِّقُ بعدَهُ أشتاتَنا

ولكم كرهْنا الموتَ من أعماقِنا
ها نحنُ نكرهُ في الصميمِ حياتَنا
...



2

لم يتركوا فيها سوى أشلائِها
أتعودُ ثانيةً إليها السيِّدهْ

وبكى الجميعُ على صعيدٍ واحدٍ
وأنا بكيتُ على جميعِ الأصعدهْ

أتذكَّرُ الآنَ الصباحَ صباحَها
وخدودَها السِّحريَّةَ المتورِّدهْ

كانتْ كأطيارِ السماءِ طليقةً
ما أتعسَ الأطيارَ وهي مصفَّدهْ

مبسوطةَ الكفينِ كانتْ حرَّةً
مفتوحةَ الأحلامِ ليستْ مؤصدهْ

لا تتركي سيفَ الهوى في غمدِهِ
شرُّ السُّيوفِ هي السُّيوفُ المغمدهْ

أفكارُها الفيحاءُ تسطعُ في الدجى
تبَاً لأفكارٍ أتتْ متشدِّدهْ

وجمالُكِ السِّريُّ كانَ مصيبةً
فإلى متى تبقينَ فيهِ مهدَّدهْ

ها أنتِ وحدَكِ والرماحُ نواهلٌ
وتقبِّلينَ جراحَكِ المتعدِّدهْ
...




خاطرةُ الصباحِ

تتسربُ الأحلامُ بين أصابعِي
من أوَّلِ الأيَّامِ حتى السابِعِ

أحبابيَ الموتى أرى أطيافَهمْ
وأرى الزمانَ على جبيني الناصِعِ

وأرى الأحبَّةَ في جهاتٍ عدَّةٍ
وحياتُهمْ في البحرِ أو في الشارِعِ

كم جامعٍ في الأرضِ يجمعُ شملَهمْ
وحنينُهمْ أبداً لأوَّلِ جامِعِ

ماذا أقولُ لخيْبتي مدرارةً
والسيلُ مخبوءٌ وراءَ مدامعِي

وطني المسوَّرُ بالفجيعةِ غابةٌ
ما بينَ ذئبٍ مُتخَمٍ أو جائِعِ

وأنا هنا أحصي الذين فقدْتُهمْ
من ميِّتٍ أو مُقعدٍ أو ضائعِ
...




إلى الشاعر محمد البياسي أخا وصديقا وإنسانا :

بمناسبة تكريم رابطة شعراء العرب 

عصوية الشرف 

كنتُ الشريفَ ولكنْ زدتَني شرفَا
وصرتُ من بحرِكَ الميمونِ مُغترفَا

طابَ اللقاءُ بكمْ في عقرِ دارِكُمُ
وأصبحَ الشعرُ فيما بينَنا ورِفَا

كلُّ العصافيرِ في أشجارِنا اجتمعَتْ
وكوَّنَتْ غرفاً ولَّادةً غرفَا

يا أيُّها الشاعرُ الميمونُ طائرُهُ
بوركْتَ من شاعرٍ بالأصغرينِ صفَا

شهمٌ من القلبِ.. شهمٌ من منابتِهِ
فأنْتَ في وسْطِهِ لم ترتضِ الطَّرفَا

إن كنتُ مدرسةً ها أنتَ جامعةٌ
وحولَكَ اجتمعَ العشَّاقُ والظُّرفَا

أنا وأنتَ لهيبُ القلبُ ننزفُهُ
فهل لهذا النَّزيفِ المرِّ أنْ يقفَا



خاطرةُ الصباحِ

إنْ تتعبْ كثيراً فنمْ تحتَ ظلِّ القصيدةِ
...
في القصيدةِ تزدحمُ الكلماتْ
وتعيشُ جميعاً سواسيةً
في جحيمِ الحياةْ
...

يلتقي القلبُ بالقلبِ
ألسنةُ النارِ ناطقةٌ
بالقصيدةِ والحبِّ والذكرياتْ
...
لمَّ..لمَّ الهواءْ
لمَّ هذا الفضاء الفسيحَ
لكي تستريحْ
...
كم يلتقي الشعراءُ والغاوونا
ويظلُّ قلبي طائشاً مجنونا
...
كنتُ أمسِ على جبل الشعرِ
ناديتُ آلهةَ الأولمبِ
قلتُ: لا..لا تغيبي
فعلى ظمئي يقفُ الماءُ
مثلَ حبيبي
...
أمسِ كانتْ دمشقُ تئنُّ من الموتِ
عاصمةُ الموتِ
والشعراءِ الذينَ يموتون
في الجلجلهْ
..
ينظرُ الموتُ في وجههِ قائلا:
آهِ..
ما أجملَهْ
..
لذ بنفسِكَ..
شذِّبْ جنونَكَ..
واحتضنِ الزَّلزلّهْ
...
آهِ..
أيَّتها الأرضُ
منكِ إليكِ جنوني
فاخرجي من عيوني
..



خاطرةُ الصباحِ


كيفَ لحروفي البائساتِ

أن تعبِّرَ عن امرأةٍ باذخةِ الجمالِ والثراءِ

كيفَ لها أن تتحدَّثَ عن طفلٍ حلوٍ كالعسلِ

أخذه البحرُ إلى أحضانِهِ المالحةِ

كيفَ لها أن توبِّخ الموتَ الذي فقد شرعيَّتَهُ

منذُ أوَّلِ رصاصةٍ في القلبِ

كيفَ لها أن تتغنَّى بوطنٍ

يجري من تحتِهِ ومن فوقهِ أنهارٌ من دمٍ ورمادٍ

حروفي البائساتُ

هي نفسُها الحروفُ التي يتشدَّق بها الإمامُ والقوادُ

والشاعرُ والتاجرُ

والطاهرُ والفاجرُ

حروفٌ مشاعةٌ كأتانٍ في كتيبةٍ من حميرٍ

حروفي البائساتُ

حمَّالات الأوجِهِ والأذنابِ

الحقُّ الذي يُرادُ به الباطلُ

لغةُ الأحرارِ

لغةُ العبيدِ

لغةُ العشاقِ

لغةُ الأسواقِ

اللغةُ الساحرةُ

اللغةُ الماكرةُ

حروفي البائساتُ

ليستْ بريئةً من دمي ودمِ يوسفَ

حروفي التي تأخذُني إلى النبعِ

وتعودُ بي ظمآنَ

فهل أعتصمُ بحبلِ الصمتِ

بحبلِ الموتِ

حروفي شرٌّ لا بدَّ منهُ

...



نعيشُ على الماضي نخيطُ وشاحَهُ
وندخلُ هذا العصرَ نكوي رياحَهُ

فهل بشرٌ نحنُ الذينَ نجرُّهُ
كما جرَّ كلبٌ في الفلاةِ نباحَهُ

إلى القمرِ العالي توصَّل غيرُنا
وما زال فينا مَن يهزُّ رماحَهُ

إلى الموت نسعى فالحياةُ بعيدةٌ
وأقربُ منها ما نريدُ اجتراحَهُ

أبو لهبٍ ما زالَ يسرحُ بيننا
ويُشهرُ في وجهِ الحياةِ سلاحَهُ

وهذا أبو ذرٍّ يموتُ بحسرةٍ
وأسمعُ من خلفِ الزمانِ نواحَهُ

وهذا بلالٌ عادَ للرِّقِّ عنوةً
وقد منعوا عنهُ الأذانَ وساحَهُ

وهذا صلاحُ الدِّينِ في السجنِ قابعٌ
وقد نزعَ السَّجَّانُ عنهُ صلاحَهُ

لكلِّ شريفٍ تهمةٌ وجنايةٌ
فكيفَ لهذا الحكمِ يبدي ارتياحَهُ

فما بينَ مهدِ الوجودِ ولحدِهِ
ترى الحرَّ طولَ الوقتِ يُخفي جراحَهُ

إذا ما تمنَّى شاعرٌ لثمَ نجمةٍ
أحاطَ بهِ الشُّذَّاذُ ..قصُّوا جناحَهُ

وهذا ظلامُ الليلِ أرخى سدولَهُ
كأنَّ وراءَ الشمسِ ألقى صباحَهُ

تحكَّمَ فينا كلُّ قردٍ وثعلبٍ
إلى أن فقدنا حلمَنا وكفاحَهُ
لقد لوَّثَ الشيطانُ حتى صلاتنا
ولم يُبقِ للماءِ القراحِ قراحَهُ

أما آنَ أن يأتي هبوبُ قصيدةٍ
ليطلقَ للقلبِ الأسيرِ سراحَهُ
..



خاطرةُ الصباحِ

أأنجمٌ ما أرى.. ماذا لديكِ أرَى
أم موكبٌ من عبيرِ الوردِ قد عبَرَا

تأتينَ قبلَ قدومِ الشمسِ قافيةً
فأقرأُ الطيرَ والأنسامَ والشَّجَرَا

أضمُّ فجرينِ في آنٍ كماسنرى
شخصينِ قد أمسَكَا من جيدِهِ المطَرَا

حتى ولو لم تكوني غيرَ أخيلةٍ
فأنتِ مَن قد وهبتِ العاشقَ العُمُرَا

لا وقتَ للقلبِ يقضيهِ بلا قمرٍ
فكلَّ أوقاتِهِ يستدرجُ القمَرَا

الكونُ خاوٍ وهذا القلبُ ممتلئٌ
فأيُّنا بعدَ هذا الفرقِ قد فَقُرَا

لا حبَّ في الكونِ لا نيرانَ في دمِهِ
فكلُّ هذا لديَّ الآنَ قد كَثُرَا

كلُّ العصافيرِ تأتي عبرَ نافذتي
في ظلِّها أتحدَّى الموتَ والخطَرَا

حبيبتي في حنايا الغيبِ نائمة
لا توقظُوها لكي لا توقظُواالقَدَرَا
...



بائعُ الهوى
بائعُ الضميرِ
بائعُ الكلامُ
وغيرُهم من الباعةِ
أولاد ُالحرامِ
باعوا الوطنَ
فقطْ بائعُ الكليةِ
يبحثُ عن وطنٍ لكليتِهِ الثانيةِ
...




خاطرةُ الصباحِ

يأتي إليَّ الميِّتونَ
يعلِّقونَ على صباحي الأغنياتْ
يتأكَّدونَ
ألمْ أزلْ حقَّاً
على قيدِ الحياةْ
...
لا يستطيعُ الشِّعرُ أن يحميني
وغدوتُ لا أعنيهِ أو يعنيني

منذُ الطفولةِ والزمانُ وراءَنا
فتراهُ يلحقُني إلى السِّتِّينِ

الشعرُبحرٌ لا أطيقُ فراقَهُ
لولاهُ ما شقَّ العبابَ جنوني

جئنا معاً ومعاً سنرحلُ بغتةً
إذْ ذاكَ لن تجدوهُ أو تجدوني




خاطرةُ الصباحِ

العيدُ زادَ العيدَ بلَّهْ
لا لا أريدُ العيدَ..قلْ لهْ

متضايقٌ من بعضِهِ
أأطيقُ بعدَ البعضِ كلَّهْ

متشائمٌ من وجهِهِ
ويريدُ فوقَ الخدِّ قبلَهْ

كم زارني ورفضتُهُ
وكرهْتُ عشرتَهُ وظلَّهْ

يُضري بقلبي نارَهُ
يطفي أزاهرَهُ وفلَّهْ

عيدي بلا معنىً أنا
دنيايَ شمسٌ مضمحلَّهْ

لا..لا يراعي حالتي
لكنَّني لا لسْتُ مثلَهْ

أعطيهِ من قلبي أسىً
مستغرباً واللهِ جهلَهْ

ويدقُّ بابي فارضاً
أفراحَ عودتِهِ المُذلَّهْ

وتغيظُني بسماتُهُ
شكوايَ منهُ غدَتْ مملَّهْ

ألَّفتُ فيهِ قصيدتي
فعساهُ يتركُني..لعلَّهْ

و" يحلُّ " عني بعدَها
ويحلُّ شيطاني محلَّهْ
....




نبيُّ الحزنِ..
مجنونُ القوافي
يسافرُ في السرابِ
وفي الفيافي
على أنقاضِهِ
يبكي ويبكي
كما تبكي الضِّفافُ
على الضِّفافِ
بلا سببٍ
يصولُ الموتُ فيهِ
كأنَّ الموتَ
حيْوانٌ خرافي
ويتركُ نفسَهُ
يمضي بعيداً
كعصفورٍ رجيمِ الرِّيشِ
حافِ




أتمنى..هـل غيـرُ أن أتمـنَّـى
أن تصيـر َالحيـاةُ حبـاً وفنّـا

وأرى العيدَ يبهجُ النفـسَ حقّـاً
بـدلاً أن يثيـرَ حقـداً وضغنـا

وأرى الناس َكلهـم يـومَ عيـٍد
قابَ قوسين ِمن نعيـمٍ وأدنـى

غير أني قد ضقتُ ذرعاً بحلمي
وهو يمضي مطأطئَ الرأسِ حزنا

فلقد جاءَ العيدُ والأرضُ مـلأى
بحـروبٍ تبيـدُ إنسـاً وجـنّـا

فهنـا معـدمٌ تضوّرُ جوعـا
وهناكَ الغنـيُّ يصبـحُ أغنـى

وهنا طفلٌ دونَ لبـسٍ وحلـوى
دمعُهُ قـد كـواهُ عينـاً فعينـا

وهناكَ التجارُ من كـلِّ صنـف
ينهبون َالحياةَ مبنـىً ومعنـى

كم دعيٍّ دعا إلى العـدلِ قـولا
وطغـى عندمـا رآهُ استغـنـى

ما أمر َّالعيدَ الذي فيـه يشقـى
كلُّ طفلٍ قد فـاض َقهـراً وأنَّـا

إنَّ موتَ الأطفـال ِعـار ٌعلينـا
وهنـاكَ بالمـوتِ مـن يتغنـَّى

بئس َمَن يقتـلُ الطفولـةَ فينـا
نعمَ مَن كـانَ للطفولـةِ عونـا

إنما العيـد ُأن يكـونَ سلامـاً
وترى القلـبَ دائمـاً مطمئنـَّا

أيها العيدُ لا تكنْ قاسيَ القلـبِ
علينـا وزِّعْ سـلامـاً وأمـنـا

امضِ.. لكنْ تعـالَ من بعـدِ عـامٍ
وسِّعِ الكونَ.. إنَّهُ صارَ سجنـا
...



خاطرة الصباح

اليوم فجرا سيتوجهون إلى المقبرة في عامودا
الطريق إليها مزروعة بالذكريات والألبومات التالفة وعطش الماء
الشحاذون العميان والمقعدون ينتظرون رزقهم غدقا
سيقرؤون القرآن ويذرفون الوجع الممتد من حريق السينما 

حتى حريق المسرح السوري كله
أموات يتوجهون إلى أموات
سيصلّون حتى محو آخر ذنب
ثم سيعودون إلى بيوتهم سالمين غانمين
...
وأنا أتوجه للكلمات
الكلمات التي في القلب تأبى الخروج
كلمات أضربت عن الكلمات
من يمنحُني العيديّةَ منْ..؟
وطناً مثلًا
أو نصفَ وطنْ
أو سكَّرةً
في يدِ طفلٍ
لا يدري هوَ مَنْ
اليومَ صباحاً
لنْ أبكيَ
لنْ
..



تقبَّلَ اللهُ أحزاني وأشجاني
هذا.. وأدخلَني أنقاضَ أوطاني

العيدُ راحَ ولم أحصلْ على فرحٍ
والعيدُ أدبرَ معْ منفايَ خلَّاني

لا طفلَ عيَّدني فالعيدُ أفلسَني
من الطفولةِ ..من أحلامِ إنسانِ

أما الفراشاتُ فهْيَ الآنَ ميِّتةٌ
من أوَّلِ القلبِ حتى قلبِهِ الثَّاني

لا ابنُ زيدونَ في الزَّهراءِ منتظرٌ
ولا جميلٌ أراهُ ملءَ فنجاني
...



خاطرةُ الصباحِ

في الطريقِ إليكِ
كثيرٌ من الشَّوكِ والشَّجرِ
الزَّمانُ الذي في طريقي طويلٌ
مسافتُهُ من ظلامي إلى القمرِ
كيفَ..كيفَ أراكِ
وكيفَ ألمُّ صداكِ
وعينايَ مرهقتانِ
من الدمعِ والسهرِ
أخلطُ الماءَ بالرملِ
والرملَ بالريحِ
والريحَ بالحجرِ
يتكوَّنُ عندي مزيجٌ
من الشوقِ
شوقٌ غريبٌ
يبدِّدُ لي عُمُري
أخرجيني من الكون
لا تتركيني وحيداً هنا
ومعي سافري
صدأُ الروحِ يذهبُ بالسفرِ
لستُ من هذهِ الأرضِ
لا شيءَ فيها يدلُّ عليَّ
كلانا بلا أثرِ
ربَّما نلتقي بعدَ دهرٍ وثانيتيْنِ
فلا قبرَ لي
لا طريقَ إلى وطني
أو إلى قدَري
...

لا تبحثي عنِّي ولا تقلقي
إنَّ مكاني الآنَ في المطلقِ

لا تبحثي عن رجلٍ ضائعٍ
يبحثُ عن جنونهِ الأزرقِ

إذا اهتدى يوماً إلى نفسِهِ
فأنَّهُ بالنفسِ لن يلتقي

فربَّما خاطبَها قائلا
خرافةٌ أنتِ ولم تُخلقي

لا تبحثي سيِّدتي وارجعي
فالموتُ في المغربِ والمشرقِ

حياتُكِ الآن بلا مأزقٍ
فابتعدي عني وعن مأزقي

القهوةُ.. في بخارِها موعدي
تبخَّري لكي ..لكي نلتقي



انطباعٌ سريعٌ حولَ أوَّلِ أيامِ العيدِ:

كلَّ شيءٍ رأيْتُ إلا العيدَا
كانَ مثلَ السَّماءِ عنِّي بعيدَا

وحدَهُ الموتُ كانَ شرقاً وغرباً
يتسلَّى ويأخذُ الموجودَا

منهُ لم ينجُ أيُّ طفلٍ وشيخٍ
لستَ تدري للجوعِ فيهِ حدودَا

وكأنَّ الحياةَ أضعفُ منْهُ
فتراها تبكي وتكوي الخدودَا

وكأنَّ الزمانَ تمثالُ تبنٍ
تأكلُ النارُرأسَهُ والمزيدا

أيُّ عيدٍ هذا ونحنُ سكارى
نجرعُ اليأسَ ..يأسَنا المعهودَا

لم يعدْ للقلوبِ أيُّ حنانٍ
فاستحالَتْ حجارةً أو حديدَا

لو نظرتُمْ إلى بلادي رأيتُمْ
فِرَقَ الموتِ عدَّةً وعديدَا

ولهذا لاذَ الجميعُ ببحرٍ
يبلعُ البحرُ شيخهُمْ والوليدَا

وإذا لم يلذْ فمأواهُ بيتٌ
سوفَ ينهارُ فوقَهُ لو أُريدَا

هذهِ الأرضُ غابةٌ من وحوشٍ
فمتى كانَ الوحشُ سمحاً ودودَا

إنَّ أرضي حرائقٌ ورمادٌ
وكأنْ صارَتْ للحروبِ وقودَا
...



أصدقُ القولِ:"لاتَ حينَ مناصِ"
لغةُ اليومِ معجمُ القنَّاصِ

فبلادي تفرَّقَتْ لبلادٍ
وأراها تجمَّعَتْ بالرصاصِ

هو ذا حبلُ الموتِ أصبحَ مُرخىً
لا تفكِّر إذاً بحبلِ الخلاصِ

هل لهذي الحربِ الطويلةِ حدٌّ
وقصاصٌ يجري وراءَ قصاصِ

فوقَ أشلائِنا ولائمُ عرسٍ
المغنِّي قد جاءَ بالرقَّاصِ

وعلى البحرِ نازحونَ تخلَّتْ
عن معاناتِهِمْ يدُ الغوَّاصِ

إنَّ قلبي نهرٌمن الحزن أضحى
من حدودِ الفراتِ حتى العاصي
..



خاطرةُ الصباحِ

إلى وجهِكِ القمريِّ أحنُّ
وقلبي كما جرسينِ يرنُّ

غيابُكِ طالَ وطالَ انتظاري
فصرْتُ أشكُّ وصرْتُ أظنُّ

وأذكرُ كانَ الهوى يستفيضُ
ووحديَ كنْتُ عليكِ أجنُّ

من الكلماتِ بنيْتُ هوايَ
هوايَ مع الفجرِ نايٌ وبنُّ

تغيَّبْتِ عنِّي وعنْ عرسِنَا
وقد حضرَ العاشقونَ وغنُّوا

على قلقٍ في انتظارِ الصباحِ
متى القلبُ قولي متى يطمئنُّ

أنا محضُ رملٍ بغيرِ شذاكِ
وقلبُ القصيدةِ دوماً يئنُّ

إلي من الماءِ ولو قطرةً
حياتي مع الماءِ حبٌّ وفنُّ

ولا تتركِيني على ظمأٍ
فمثلُكِ يسخو ولا لا يضنُّ

إذا طلبُوا نوقَ نعمانَ منِّي
على الكونِ أقوى الحروبِ أشنُّ
...



في قلبي جثثٌ ..دَمْ
في رأسي معركةٌ بدأَتْ
أخرى لَمْ..
سأعودُ إلى أصلي
وأصيرُ تراباً
هذا أسلَمْ
هذي ليسَتْ بحياةٍ
بل حاويةٌ ملأى
بالقططِ الضَّالَّةِ
والأكلِ الفاسدِ
والسّمْ
...



ليسَ عندي سوى سلاحٍ واهِ
كيفَ أحمي حبيبتي يا إلهي

جفَّ حلقي والأرضُ تحتي مَواتٌ
ولقدْ ماتَ الزهرُ فوقَ شفاهي

وبعيداً في آخرِ الكونِ طيفٌ
أسرابي هنالكمْ أمْ مياهي؟
..


خاطرةُ الصباحِ
زيارةٌ
زرتُها زرتُ قبرَها في دبيَّا
جذبَتْني بقوَّةٍ من يديَّا

زرْتُها زرْتُني سواءٌ سواءٌ
أإليْها زيارتي أم إليَّا

هل رأتْني أهدِّئُ القلبَ سرَّا
وأصدُّ الدموعَ عن عينيَّا

كلُّ حزنِ الماضي تجمَّعَ حولي
كلُّ حزنِ الماضي تغلْغلَ فيَّا

ما تزالينَ حيَّةً في فؤادي
أوَما زلْتُ في فؤادِكِ حيَّا

كنْتُ دنياً من القصائدِ تتْرى
فإذا بي ما عدْتُ ما عدْتُ شيَّا

ذقْتُ موتيْنِ: واحداً في اغترابي
واحدٍ في حبيبتي سوريَّا

ووحيداً بقيْتُ أحسو ظلالي
وهيَ تمشي بي بُكرةً وعشيَّا

الحياةُ الدُّنيا سرابٌ سرابٌ
خادعٌ للظَّمآنِ طلقُ المحيَّا

وأنا في ثرايَ أجرعُ حلمي
ساعياً ساعياً وراءَ الثريَّا

وإلى حفرةٍ غداً هيَ مثوايَ
وأغدو في لحْظةٍ منسيَّا

كلُّ ما عشتُهُ هباءٌ هباءٌ
فإلى الموتِ يا حبيبيَ هيَّا..



على الرَّغمِ من أنِّي جميلٌ وديعُ
ومن كلماتي يستفيضُ الربيعُ

ولستُ بفظٍّ قطُّ.. نفسي بسيطةٌ
لماذا إذاً عنِّي تخلَّى الجميعُ

أفكِّرُ أنْ أسعى إلى السوقِ مسرعاً
فخيرُ الذي يسعى إليهِ السريعُ

وأصغي إلى التجَّارِ أفهمُ منهمُ
لكيْ أشتري من علمِهمْ وأبيعْ
..




قليلٌ عليَّ وربَّي الجنونُ
أليسَ وراءَ الجنونِ جنونُ

طوالَ القصيدةِ أخلصتُ لي
مللْتُ.. لماذا إذاً لا أخونُ

من الفجرِ أصحو أرى قهوتي
وفي قعرِها تستقرُّ الظنونُ

أراها تبخَّرُ مسرعةً
كما يتبخَّرُ حلمي الحزينُ

وبي ظمأٌ مزمنٌ مزمنٌ
وجفَّتْ وراءَ السرابِ العيونُ




ما أغبى الشاعرَ
يرسمُ وجهَ حبيبتِهِ
فوقَ الماءْ
ما أذكى الماءَ
وهو يلمُّ أمرأةً
ويعانقُها
حتى الإغماءْ




خاطرةُ الصباحِ

قلبي مبلولٌ تحتَ المطرِ
سأجفِّفُهُ تحت الشمسِ
أخبِّئُهُ عن ذئبٍ مهنتُهُ الجوعُ
وقلبي أقدمُ مني
أقدمُ من قمري
في الفجرِ معي يرتشفُ الحزنَ
على نارٍ هادئةٍ
يتحدَّثُ لي عن شغفي بالفجرِ
وفنجانِ العمُرِ
لا يتركني أخلدُ للموتِ
يقولُ :
لديْنا الوقتُ الكافي للموتِ
لديْنا ما نطبخُهُ من حجرِ
قلبي يعلو ينخفضُ
ويهيمُ بهِ المرضُ
فيكابرُ كالبطلِ المنكسرِ
قلبي مأوىً للنارِ وللريحِ
وكانَ ملاذاً للشجرِ
فتراهُ يعارضُني ويواليني
ويقبِّلني ويهدِّدني
بالشمسِ وبالمطرِ
...



لم يبقَ سوى
أن أدفنَ رأسيَ في الرَّملِ
لكي لا أبصرَ من أحدِ
لم يبقَ سوى الموتِ
كما الأطفالِ
على قارعةِ الزبدِ
لم يبقَ سوى
الحيوانِ على الأرضِ
بحثتُ عن الإنسانِ فلم أجدِ
لم يبقَ سوى
الدمِ يجري من فجرِ التاريخِ
إلى يومي وغدي
أما الأملُ الرَّنانُ
فمشلولٌ من يدِهِ
ويدي
..



خاطرةُ الصباحِ

أعطتنيَ التَّسنيمَ والكوثرَا
وهلْ أريدُ منهُما أكثرَا

الكونُ في خريفِهِ قد بدا
للقلبِ ميمونَ الثَّرى أخضرَا

والعمرُ يجري دونما هدأةٍ
أراهُ وهو دائماً لا يرى

والشعرُ من عليائِهِ نازلٌ
كي يستعيدَ العقلَ أو يسكرَا

ما بالُ هذا الفجرِ مستسلماً
لموجةٍ من الشَّذى أعطرَا

كم في الحياةِ من هوىً قاهرٍ
مَن قد رأى من الهوى أقهرَا

من أنتَ هل أنتَ غداً ميِّتٌ
ساءَلني صدايَ واستفسرَا

قلت: أنا النجمةُ أيقونتي
نحنُ يدٌ واحدةٌ في السُّرى

وهكذا الحلمُ سرى في دمي
من يمنعُ الحلمَ إذا ما سرَى

الكونُ جفَّ لم يعدْ ملهمي
متى أراهُ هاطلاً ممطرَا

متى أرى الربيعَ مستدرجاً
قلبي الذي من الشَّذا أقفرَا

متَّهم أنا بقتلِ الدُّجى
كذا الثريَّا همسَتْ للثَّرى
....



ما زلتُ أشعرُ
أنَّني طفلٌ صغيرْ
فإذاً لماذا العمرُ يأخذُني
كأنِّي في معاركِهِ أسيرْ
الحربُ قد دخلَتْ
إلى روحي
وقد ربَّيْتها أنا للسلامِ
وللعبيرْ
إنِّي كما الجنديِّ
يزحفُ في الفيافي
وهْوَ يحلمُ أن يطيرْ
أينَ الأميرُ
أميرُ هذي الحربِ
أُفهمُهُ
بأنَّ الحبَّ رشَّحني
وقالَ :كنِ الأميرْ
...


خاطرةُ الصباحِ

أنا أتألَّمُ إذاً أنا موجودٌ
...
بينَ الوطنِ والكفنِ شعرةُ معاويةَ
...
أجهلُني وأسعى إلى معرفةِ الغيبِ
...
ليسَ عندي حجرٌ
أدافعُ بهِ عن نفسي
ليسَ عندي نفسٌ
تحتاجُ إلى حجرٍ
...
جبلُ الأحلامْ
يتسلَّقُ روحي
ثمَّ ينامْ
...
...
في الخارجِ قيظْ
في الداخلِ قيظْ
لأكادُ أموتُ من الغيظْ
...
ماذا تقولُ الرِّيحُ للنارِ
أتقولُ حقَّاً كلَّ أسراري..؟

الليلُ يتركُني فليسَ لهُ
عندي سوى ذكرى لأقمارِ

وغداً أعودُ إلى ثرى وطني
أبكي على أكوامِ أحجارِ

يا أمِّيَ انتظري فقطْ سنةً
سنةً فأنتِ ملاذُ أقداري
...
...



وأخيراً قد جاءَ الفرجُ
وتساوى العالِمُ والهمجُ

وبلادي صارَتْ كالمبغى
والكلُّ إليها قد ولجُوا

لم يبقَ سوى موريتانيا
لتجيءَ ويكتملُ الهرجُ

سوريَّا يا قمراً أعمى
بعماها الناسُ قد ابتهجوا

سرقوا نهبوا اقتربوا ابتعدوا
سفكوا هتكوا دخلوا خرجوا

ما زالتْ ترقصُ من ألمٍ
وعليها قد سقطَ الدرجُ

يتحكَّمُ فيها مرتزقٌ
وظلامٌ عافتْهُ السُّرجُ

نبقى نُنفى نحيا نفنى
ليسَ على بلوانا حرجُ

عرجُ الأقوامِ بأرجلهِمْ
لكنْ في أرؤسِنا العرجُ

ولذلكَ لنْ نشفى أبداً
لا تغتبطوا..لا تبتهجوا
...


خاطرةُ الصباحِ

الاستقواءُ بالخارجِ هزيمةٌ وفناءٌ لما تبقَّى من وطنٍ
...
البقاءُ في الوطنِ خيانةٌ
الهروبُ منه خيانةٌ
علِّمونا الوطنيةَ أيها الأبالسةُ
...
نحنُ غرباءُ في الوطنِ وخارجهِ
نحنُ شهداءُ في الوطنِ وخارجهِ
...
كلُّ الحثالاتِ تتسلَّى بقتلنا
...
الحربُ خدعةٌ ونحنُ المخدوعونَ
...

وطنُ الذئابِ
وطنُ الخرابِ
...

أرى كلَّ الوجوهِ ولا أراكِ
فما معنى عيوني يا ملاكي

وما معنى وجودي في حياةٍ
كفزّاعِ الطيورِ بلا حراكِ

فكلُّ حديقةٍ قد غبتُ عنها
تسائلُ عن خطاكِ وعن شذاكِ

وكلُّ قصيدةٍ أضحَتْ يباباً
وقد كانَتْ تسافرُ في مداكِ
...



خاطرةُ الصباحِ

حبيبتي أجملُ من جمالِها
حبيبتي أكملُ من كمالِها

تحتلُّني من أوَّلي لآخري
قصيدتي تخضرُّ باحتلالِها

الحبُّ ما عرفتُهُ إلا بها
والبحرُ كلُّ البحرِ من خلالِها

حبيبتي من دمِها من لحمِها
أنا ومن آلامِها..آمالِها

هذا الفضاءُ كلُّهُ ملكَ يدي
كلُّ صروحِ القلبِ من أموالِها

من الخيالِ صغتُها لكنَّها
أوسعُ من نفسي ومن خيالِها

يا حسرتي أفقْتُ من قصيدتي
رأيتُني أبكي على أطلالِها

البحرُ طارَ من يدي ففي يدي
بعضُ الرمالِ الصُّفرِ من رمالِها

بقيْتُ وحدي شارداً مشرَّداً
أجاوبُ الريحَ على سؤالِها

من أنتَ قلت: جمرةٌ لا ترعوي
فاصطدمَتْ بالنَّارِ في اشتعالِها
...



خاطرةُ الصباحِ

وددتُ لو كنتِ لي أمَّا وكنتِ أبا
أو الطريقَ إلى حمصٍ.. إلى حلبا

وددتُ لو نجمةٌ جاءَتْ إليَّ غداً
وأرجعتْ بعدَ طولِ الشوقِ ما ذهبا

وددتُ والودُّ في عرفي رفيفُ دمي
قد سالَ في أثرِ الأحلامِ وانسكبا

في القلبِ قافيةٌ تبكي وثانيةٌ
كالطفلِ نائمةٌ لا تدركُ السببا

في القلبِ صمتٌ إذا ما مسَّهُ أحدٌ
دوَّى وأيقظَ كلَّ الكونِ وانتحبا

ربيعُ قلبيَ قد ناءَتْ بدائعُهُ
وماؤُهُ العذبُ والرَّيانُ قد نضبا

قريبةٌ أنتِ قربَ الروحِ من جسدي
فاستمتعي وأنا أستجمعُ اللهبا
...




الفيسُ قد جعلَ الأميَّ علَّامَهْ
فصارَ يُتحفنا والنفسُ لوَّامَهْ

يصطادُ مدحا بلا جهدٍ ولا تعبٍ
والمادحونَ قصارُ الطولِ والقامَهْ

كأنما الشعرُسهلٌ طيِّع فترى
شويعراً راعياً في البدرِ أغنامَهْ

يبني له صنماً من خلفِهِ صنمٌ
تراهُ يعبدُ طولَ الوقتِ أصنامَهْ

اللايكُ ينعشُهُ والمدحُ يسكرُهُ
فباركوا يا أهيلَ الشِّعرِ إلهامَهْ

بعضُ الحروفِ حروفِ الشعرِ ميِّتةٌ
أليسَ دفنُ كلامِ البعضِ إكرامَهْ

لا أدَّعي الشعرَ والستونَ تأكلُني
ما زلتُ منتظراً غودو وأحلامَهْ

أما الشواعرُ فالأعدادُ من مئةٍ
هناكَ واحدةً منهنَّ مقدامَهْ

ما عادَ ثمَّةَ خنساءٌ فتجعلَنا
نرى عكاظَ وحساناً وإيلامَهْ
...
الله يستر ههه



بردى حبيبي والفراتُ
أهناكَ بعدَهما حياةُ

نصفي هناكَ وآخري
يقتاتُهُ هذا الشَّتاتُ

لم يبقَ لي إلا دمي
تنداحُ فيهِ الذكرياتُ

لم يبقَ لي إلا رمادي
طائراً والذَّارياتُ

لِمَ نحنُ أطهارٌ وفي
أوطانِنا عاثَ الطغاةُ

لِمَ نحنُ أحرارٌ وفي
آنافِنا دخلَ الزناةُ

بردى الفراتُ كلاهما
جفَّا فموتي .. قبَّراتُ
...



خاطرةُ الصباحِ

في الطريقِ إلى وطني
لم أشاهدْ سوى كفني
...
وقرايَ خلتْ من تنانيرِ خبزي
خلتْ من الذكرياتِ
ومن صوري
قد خلَتْ مدني
...
العصافيرُ طارَتْ
وظلَّ على عريِهِ فنني
...
في الطريقِ سألْتُ السُّكارى
عن الوجهِ وجهي
فمِن عهدِ آدمَ لم أرَني
...
ولممْتُ أصابعَ كفي
وكفُّ الحياةِ تبعْثرني
...
لم ألمْ أحداً
اتكأتُ وحيداًعلى الظلِّ
ظلِّي
بكيتُ
على حجَري
وعلى زمني
...
كانَ ثمَّةَ ذئبٌ غريبٌ
وآخرُ أعرفُهُ
أكلا وطني
...
وطني
ليسَ من أحدٍ
غيرِ عينيكَ
يهزمني
....



وبعدَ ستِّينَ عاماً قالَ لي الشِّعْرُ
دعْني وشأني وإلَّا جاءَكَ الشَّرُّ

لم أستطعْ أن أصونَ الحبَّ في وطنٍ
قد ملَّني الحبُّ والعشَّاقُ والصَّبْرُ

فثمَّةَ الآنَ دنياً ضدُّ قافيتي
طوائفٌ لم يكنْ يوماً لها ذكْرُ

عقائدٌ تُسكرُ الثِّيرانَ لو شربَتْ
إذاً لماذا يُدانُ الخمرُ والسُّكْرُ

هذي مبادئهُمْ حبرٌ على ورقٍ
فالقولُ يجمعُهمْ والفعلُ يبترُّ

هذي بلادٌ بلا ماضٍ ودونَ غدٍ
أولى بها الكفرُ ثمَّ الكفرُ والكفْرُ

وبعدَ ستِّينَ لا منفىً ولا وطناً
لكنَّما طللٌ في الرِّيحِ أجترُّ

أليسَ صعباً دخولُ البقِّ قافيتي
هذا وينصحُني من عندِهِ الكُرُّ

أليسَ صعباً دمارُ الروحِ في جسدي
كي يستريحَ على أنقاضيَ القهرُ

وبعدَ ستينَ عاماً ليسَ يُضحكني
سوى بكائي وعبدٌ أصلُهُ حرُّ
...




خاطرةُ الصباحِ

في الفجرِ أحدِّقُ في ذاتي
فأرى نجماً منطفئاً
وأرى عصفوراً ميْتاً
وأرى امرأةً
في أسفلِ خيْباتي
..
في الفجرِ أكتبُني
في الليلِ أمحوني
كأنَّني شاعرٌ
أو نصفُ مجنونِ
مذ كنتُ منتظراً
لم يأتِ من أحدٍ
قد كنتُ أضحكُني
أصبحتُ أبكيني
في القلبِ قافيةٌ
في جيدِها قمرٌ
تشدُّ أزريَ
بينَ الحينِ والحينِ
لكنَّني
وسراجُ الوقتِ منطفئٌ
ألوذُ بالعدمِ الأعمى
ليهديني
لا الحربُ تقتلني
لا الحبُّ ينقذني
والأرضُ حولي
بلا دنيا ولا دينِ
...



لا وقتَ للوقتِ
حتى آخرِ الوقتِ
فكيفَ يُرضيكِ
يا أيقونتي موتي
ما زلتُ منتظراً
ما لستُ أدركُهُ
أتى الظلامُ
ونجمُ القلبِ لم يأتِ
الصيفُ جاءَ
وقد غابتْ مراوحُهُ
والريحُ لاهثةٌ
من شدَّةِ المقتِ
تكسَّرتْ أحرفي
في عقرِ قافيتي
بقيتُ وحدي
" أصبُّ الخلَّ في الزَّيتِ "
كلُّ الكلامِ الذي قد قلتُهُ
عبثٌ
لم يبقَ
غيرُ ضجيجِ الليلِ والصِّمتِ
..



أمرُّ أمامَ السَّمكِ
أشمُّ رائحةَ البحرِ
...
أمرُّ أمامَ الليلِ
أشمُّ رائحةَ القمرِ
...
أمرُّ أمامَ المنفى
أشمُّ رائحةَ الوطنِ
...
أمرُّ أمامَ الموتِ
أشمُّ رائحةَ الحياةِ
...



خاطرةُ الصباحِ

من جديدٍ صحوتُ ..أقضمُ صحْوي
كلُّ عبءٍ أراهُ يُسرعُ نحْوي

فلماذا الهواءُ أثقلُ وزناً
ولماذا غيرَ الصَّدى ليسَ يحْوي

أصنعُ الحلمَ كي أخفِّفَ عنِّي
فلماذا يحاولُ الحلمُ محْوي
...
إنَّ صمتي مثلُ صوتي
وحياتي مثلُ موتي

في انتظارٍ مزمنٍ
لصباحٍ ليسَ يأتي

فأساسي ميِّتٌ
وهشيمٌ سقفُ بيتي
...
أتعرفُ عنوانَ قبري الجديدْ
قريبٌ من القبرِ قبري التليدْ

فزرْني قليلاً وزرْني كثيراً
لأنِّي كما كنْتُ قبلُ وحيدْ

وخلِّ الطيورَ تروحُ وتغدو
وتنقرُ موتي القريبَ البعيدْ
...




خاطرةُ الصباحِ

الجرحُ الصغيرُ في إصبعي
امتدَّ إلى القلبِ
وفي طريقهِ جرفَ أقماري
...
كلما ضاقَ العالمُ
اتَّسعَ جرحي
...
الكونُ دكانٌ فارغٌ
أشتري منه كلَّ ما يلزمُ
...
في القصيدةِ يختبئُ البحرُ
في البحرِ يغتسلُ الحلمُ
يبحرُ في القافيهْ
والرياحُ التي تهبُّ على القلبِ
تشعلُهُ بالحنينِ إلى
نجمةٍ نائيهْ
...

ما زلتُ منتظراً يا عذبةَ الرُّوحِ
قصيدةً في مهبِّ النارِ والرِّيحِ
...



إليها.... " سوريا"
...
أخذوكِ منكِ
فلم تعودي سيِّدَهْ
وفرغتِ من
أحلامِكِ المتجدِّدَهْ
كم كنتِ بنتي
لم تعودي بعدها
بل صرتِ
مثلَ مريضةٍ متوحِّدَهْ
قد كانَ لي جارٌ
وأسلمَ مُرغماً
قتلوا لهُ عيساهُ
ثمَّ محمَّدَهْ
هذا الذي
قد ضاعَ منهُ إلهُهُ
قد راحَ يبحثُ عن سواهُ
ليعبدَهْ
وأنا هنا
حطَّمتُ كلَّ معابدي
وتركتُ للقلبِ المتيَّمِ
معبدَهْ
الآخرونَ هم الجحيمُ
وجنَّتي
بيني وبينَ الآخرينَ
مشرَّدَهْ
ما أنتِ
لستِ بحيَّةٍ أو ميْتةٍ
لا أنتِ مؤمنةٌ إذاً
لا ملحدَهْ
جودي عليَّ
بكسرةٍ من نجمةٍ
رقِّي عليَّ
بروحكِ المتوقِّدَهْ
الموت
حتى الموتُ في أطماعِهِ
مثلَ الذي
جمعَ الهواءَ وعدَّدَهْ
يا وجهيَ المحفورَ
في صخرِ الأسى
والصخرُ في صدقاتِهِ
ما أجودَهْ
لم يتركوا فيها
سوى أشلائِها
أتعودُ ثانيةً إليها
السيِّدهْ
وبكى الجميعُ
على صعيدٍ واحدٍ
وأنا بكيتُ
على جميعِ الأصعدهْ
أتذكَّرُ الآنَ الصباحَ
صباحَها
وخدودَها السِّحريَّةَ
المتورِّدهْ
كانتْ كأطيارِ السماءِ
طليقةً
ما أتعسَ الأطيارَ
وهي مصفَّدهْ
مبسوطةَ الكفينِ
كانتْ حرَّةً
مفتوحةَ الأحلامِ
ليستْ مؤصدهْ
لا تتركي سيفَ الهوى
في غمدِهِ
شرُّ السُّيوفِ
هي السُّيوفُ المغمدهْ
أفكارُها الفيحاءُ
تسطعُ في الدجى
تبَاً لأفكارٍ
أتتْ متشدِّدهْ
وجمالُكِ السِّريُّ
كانَ مصيبةً
فإلى متى
تبقينَ فيهِ مهدَّدهْ
ها أنتِ وحدَكِ
والرماحُ نواهلٌ
وتقبِّلينَ
جراحَكِ المتعدِّدهْ
..



خاطرةُ الصباحِ
...

حجرٌ لمريمَ
حجرٌ للشيطانِ
حجرٌ لأطفالِ الحجارةِ
حجرٌ للفتى الجاهلي
حجرٌ لأدونيسَ
حجر لقلبي
...
وأعودُ إليَّ وحيداً
كما جملةٍ في جريدهْ
وأعودُ على طبقٍ من خيالٍ
لأحصدَ لي قمراً
وقصيدهْ
...
على ضوءِ قلبي لا أرى غيرَ أحجارِ
وفي ظلماتي أستغيثُ بأقماري

ودربي إلى الدنيا طويلٌ ومظلمٌ
وتحتَ الثرى قد أصبحَتْ كلُّ أنواري
...



خاطرةُ الصباحِ

أنت تمنع من يتدخل في أمورك الشخصية وتعد ذلك صفاقة
وتمنع من يدخل عليك البيت دون استئذان أو موعد مسبق
وتمنع من يوجه إليك كلمة نابية بل ترد الصاع صاعين
وتمنع الدوس على رجلك كي لا يداس على رقبتك
وتمنع وتمنع وتمنع...
لكن للأسف ترحب بالمرتزقة الآتين لاحتلال بلدك وتدنيسه من أجل إنقاذه من أهله
فمهما كانت حجة التدخل الخارجي فهي باطلة وتتناقض مع الوطنية الحقة
فالوطنية هي رفض التدخل الخارجي من الملائكة والشياطين معا...
خمس سنوات تقريبا ورحى الحرب لا تطحن إلا الإنسان السوري الذي لا يدخل في أي معادلة سياسية أو إنسانية...
لغة السلاح لم تكن يوما مجدية للشعوب لأنها وحدها تدفع الثمن...
ثم أن هذه الحرب ستنتهي عاجلا أو آجلا ولن تترك لنا إلا أنقاضنا ودمارنا أما أبطال الحرب أو مجرموها- سمها كما شئت - فسيضكحون من تحت شواربهم وشعارهم "كاسك يا وطن" على طريقة غوار الطوشي ...

يحتلُّني ألفُ
محتلٍّ ومحتلِّ
فكيفَ أنجو
من الأنذالِ
والذلِّ

الأرضُ تهتزُّ
من خوفي
ومن قلقي
فخلِّها لحظةً
في جأشِها ..
خلِّ

في كلِّ وادٍ
ذئابُ الليلِ عاويةٌ
وألفُ راعٍ
يعدُّ النَّجمَ
في التلِّ

إلى الوراءِ
يسيرُ الحلمُ
في ظمأٍ
لعلَّهُ يلتقي بالماءِ
أو علِّي
...



ما زلتُ مشلولاً أجرُّ سرابي
وأؤججُ النيرانَ في أعصابي

وأقاومُ الليلَ الطويلَ بأحرفي
وأقولُ: قد صدَّقتَ للكذَّابِ

ما زلتُ أركضُ في الصَّحارى علَّني
أحظى ببعضِ الماءِ والأعشابِ

قد أحسنَ الحجَّاجُ قطفَ رؤوسِنا
لكنَّهُ أبقى على الأذنابِ

قوَّادنا فوقَ الترابِ هياكلٌ
جوفاءُ قد صيغتْ من الأخشابِ

ما زالتِ الكلماتُ تفعلُ فعلَها
وتهدِّدُ الإرهابَ بالإرهابِ

من عهدِ أندلسٍ نلوكُ سفاسفاً
ونحرِّرُ الاقصى من الأغرابِ

وبلادُنا بيدِ العدوِّ رهينةٌ
ونخوِّفُ الاعداءَ بالقبقابِ

أدمنْتُ موسيقا الهزيمةِ وحدَها
وكرهْتُ أن أصغي إلى زريابِ

"اقرأْ" ولم نقرأْ سوى خيْباتنا
تترى ولم نفتحْ فصولَ كتابِ

إنَّا لأميُّونَ نعشقُ جهلَنا
ونهيمُ بالتَّنجيمِ والألعابِ

لا لا وجودَ لثائرٍ أو شاعرٍ
كلُّ الوجودِ لتاجرٍ ومرابِ

شذَّاذُ آفاقٍ بغَوْا تأديبَنا
ونقولُ: إنَّا أمُّةُ الآدابِ

ما بينَ مرتزقٍ وبينَ مرحِّبٍ
قد صارَتِ الأوطانُ رزقَ كلابِ

كلُّ الزناةِ سطَوْا على أحلامِنا
باسمِ الصَّداقةِ والهوى الغلَّابِ

ليسَ الذي يختالُ وهوَ محاربٌ
مثلَ الذي يختالُ بالأنخابِ
...



خاطرةُ الصباحِ

إنَّهُ الموتُ أوَّلاً وأخيرا
لا تحاولْ من قيدِهِ التَّحريرا

هو في الشعرِ آخذٌ شكلَ ثلجٍ
طالباً مني أن أكونَ سعيرا

هو في الحلمِ صاعدٌ في دمائي
حجراً أحياناً وحيناً حريرا

كلُّ هذا الظلامِ يطمسُ ظلِّي
أوشكَ الآنَ أن يكونَ منيرا

إنَّهُ الموتُ قابعٌ في حياتي
موشكٌ من فنونِهِ أنْ أطيرا

وأهم الفنونِ موتٌ كبيرٌ
كانَ يوما معي يعيشُ صغيرا

كيفَ أبني لروحيَ الآنَ برجاً
ثم أغدو على الخيالِ أميرا

ومعي آخذُ الطيورَ إليهِ
أجملُ الغيدِ أنْ يكنَّ طيورا

أجملُ الحبِّ أن أكونَ وحيداً
حاملاً في قصيدتي عصفورا

إنَّما الموتُ وحدَهُ مترامٍ
لم يزلْ لي وسادةً وسريرا
..




دعوا أمرَنا كلَّهُ للنساءِ
فهنَّ الأميراتُ حتى السماءِ

فأعماقنا ميتة ميتة
وهن لأجسادنا كالدماء

وأسماءُ قد مثَّلَتْ أمَّةً
تعيشُ بلا نخوةٍ أو حياءِ
..



عنايت عطار
...
هذا الصباح
كان للكون طعم آخر
طعم الفلفل الحاد في أسفل القلب
وحزن البنفسج في براريه القصية
والخيَّام الذي كان يسمع وحده دون غفاة البشر
والقناديل الشاحبة التي تئن تحت المطر
عنايت عطار بالصوت والصورة والريشة والعود وسنابل الفن المتماوجة في سهول عامودا وزيتون عفرين الذي يتحول إلى زيت الروح وصابون المسرات
يرسم العالم بعينيه وبدوائر دخان سيجارته التي لا تنطفئ إلا لتشتعل
شاهق كشجرة وحيدة في العالم
ناتئ كصخرة الحب
تراه أكثر من واحد وأقل قليلا من إله
ممتلئ بالوطن بحذافيره
فارغ من فراغه
يضفي على الصباح عصافير وقمحا وماء
تشم منه رائحة النبيذ والجنون والعشاق والقمر
وهو يعصر عنب اللوحة ويقدمها لك طازجة صارخة كطفل خرج توا إلى العالم
أعرفه من نظراته وخلجاته وصبواته إلى الريح
منذ كان حامد بدرخان على دروب آسيا
منذ كان ناظم حكمت ينبض لأبعد نجم
تحدثنا قليلا عن ثورة القلب
عن قاطفات العدس والزيتون
والقطن الذي لا يكفي لتضميد جرح الوطن
كان يشعر بالبرد لذلك تلفع بحرارة قلبه
وكنت أشعر بالحر فأخلع عني روحي لتبرد قليلا
"الفن أعظم فرح يمنحه الإنسان لنفسه" كما قال غيري
عنايت عطار صديق ضاع مني طويلا
وعثرت عليه بين قصائدي القديمة
وبين جرار الذكريات التي لا تمحوها رياح الزمن
...
يدهُ نجمةٌ في السماءْ
وهو أكثرُ من طائرٍ في الهواءْ
في الطريقِ إليهِ
كثيرٌ من العشبِ
والشايِ والكستناءْ
قلبه غيمة
ولهذا ترى الأرضَ ماءْ
..




غدًا إذا متْنا جميعًا
مَنْ سيبكي ..
مَنْ سيبني أجملَ القبورْ؟
لو واحدًا دعوا لنا
ليخبرَ التاريخَ
عن حضارة ِ
السِّكينِ والسَّاطورْ
...



خاطرةُ الصباحِ

لم أكتبْ شعراً أبداً
أبدا
ما أكتبُهُ تدريبٌ
لا أدري
بحراً أكتبُ أم زبدا
قمري أعمىً
يدري الكلُّ بهذا
لا أستثْني أحدا
ثمَّةَ مَن يعظُ الأقمارَ
فيكونُ لها رَشَدا
ثمَّةَ من يهدي الضَّالينَ
ويمنحُهمْ حِكَماً وهُدى
ثمَّةَ مَن يصرخُ
لا يتركُ غيرَ صَدىً
ويرى ما يفعلُهُ
إيماناً متَّقدا
وأنا
يكويني هذا النهرُ الجاري في صدري
ومتى كانَ شرابي مبتردا؟
...
لا ليسَ لي وطنٌ من قالَ :لي وطني
حتى ولا زمنٌ من قالَ:لي زمني

التُّهْمَتَانِ بلا مَعْنىً فلسْتُ سِوى
فريسةٍ ووحوشُ الغابِ تأكلني

لا..لا أرى غيرَ أحلامٍ مكسَّرةٍ
فإنْ رأيتَ سوى جثمانِها أرِني
...



خاطرةُ الصباحِ

أنا شاعرٌ لا نصفُ شاعرْ... جمُّ العواطفِ والمشاعرْ

حزني مقيمٌ دائماً... ووراءَهُ أمشي.. أسافرْ

مطري توقَّفَ هطلُهُ... لا شيءَ في الأعماقِ ماطرْ

أنا أوَّلُ الأحلامِ ..آخرُها.. كثيرُ الحلمِ ثائرْ

حتى أباغَتُ بالصدى... وصباحي المولودُ عاقرْ

لا نورَ في إطلالِهِ... يبدو حزينَ القلبِ حائرْ

لا صوتَ عصفورٍ على.. أغصانِهِ فالصمتُ قاهرْ

لا تسأليني عن غدي.. . وغدي كحظِّي الآنَ عاثرْ

لا تفتحي جرحاً جديداً... قد هوى جرحي المكابرْ

لا تجعليني ملجأً ... وأنا المشرَّدُ في المقابرْ

كلُّ الذي في جعبتي ... بعضُ القصائدِ والخواطرْ

فلقد خسرتُ كواكبي... أنا خاسرٌ بل وابنُ خاسرْ

تاريخيَ المنكوبُ ... تصنعُهُ وتكتبُهُ العواهرْ

والأرضُ أرضي صرخةٌ..سوداءُ تقمعُها المخافرْ

ومدينتي مزهوَّةٌ... بخرابِها فالوقتُ فاجرْ

فإذا الشريفُ ضحيَّةٌ... يقتاتُ من ألمٍ.. يفاخرْ

وإذا الدعيُّ مرفَّهٌ ... والفُلْكُ في يدِهِ مواخرْ

وإذا السرابُ مشعشعٌ ... والماءُ منهوبٌ وغائرْ

وحياتُنا أدنى إلى... الموتِ الذي دمَنا يعاقرْ

اليأسُ دكَّ مفاصلي... وغزتْ منازليَ العشائرْ

شذَّاذُ آفاقٍ همُ ... قد قرَّروا فينا المصائرْ

فالعبدُ أصبحَ سيِّداً ... وسطا الإماءُ على الحرائرْ

والأصغرونَ تسيَّدوا ..فإلى جحيمِهمُ الأكابرْ

النخرُ يكسحُ عالماً ... لا خيرَ فيهِ ولا بشائرْ

يا قاتلي.. ياسيِّدي ... لكَ ما تشاءُ من الخناجرْ

واقتلْ بها من ظلَّ حيَّاً... في رمادِ الحلمِ سائرْ

فبلادُنا أوْلى بها ... واللهِ :حيَّ على المقابرْ
...



أتيتُ إلى الدُّنيا لأبكي وأضحكا
وهل غيرُ هذينِ اللذينِ تملَّكا

شريطٌ من الأحلامِ يمتدُّ من دمي
إلى موتيَ اليوميِّ صارَ مجعْلكا

أحنُّ إلى اللاشيءِ فالشيءُ بدعةٌ
تلاعبَ فيهِ الناسُ حتى تهتَّكا

سأنسى حياتي كلَّها ذاتَ رحلةٍ
وألجمُ قيثاري إذا ما تحرَّكا

على بعضِنا نبكي ونضحكُ دائماً
وسيانِ أنْ نبكي لديَّ ونضحكا

كثيرٌ من المرَّاتِ كنتُ مغفَّلاً
ولم أستطعْ أغدو ذكيَّاً محنَّكا

وكم من زمانٍ قد طغى وأساءَ لي
تبرَّأً من أفعالِهِ وتفذْلكا

من العقلِ أن أمضي إلى ظلِّ رملةٍ
فأجملُ ما في المرءِ أن يتصعْلكا

وإنْ أنتَ عنواني طلبْتَ وبُعْدَهُ
فلا تنتظرْ شيئاً فلنْ لنْ أدلَّكا

نسيتُ أنا إسمي فكيفَ تلومُني
إذا ما نسيتُ الآنَ يا صاحبي اسمكا
...



لم تعدْ لي فيحائيَ الفيحاءُ
لا ولا لي شهبائيَ الشَّهباءُ

هيَ أرضي قبائلٌ وشعوبٌ
تتفانى.. سلاحُها البغضاءُ

سنواتٌ كتائبُ الموتِ تترى
رسمتْها دموعُنا والدماءُ

أنقذيني - حبيبتي- أنقذيني
في انتظاري جحافلٌ وفناءُ
..



خاطرةُ الصباحِ

ألمُّ خيوطَ الصباحِ
لعلِّي أخيطُ الهواءَ المبعثرَ
فوقَ جفوني
ألمُّ الكلامَ الذي قلتُهُ أمسِ
أختارُ منهُ حروفاً
تناسبُ بعضَ جنوني
ألمُّ الزمانَ الذي يترنَّحُ
بيني وبين ظنوني
أنا الآنَ هشُّ الجناحِ
كما قشَّةٍ في الرياحِ
ألمُّ صدى الذكرياتِ
أقولُ لها : فلتكوني
فتضحكُ منِّي
وتسقطُ من قمرٍ مُطفأٍ
تختفي تحتَ طينِ
...



أبطالُنا استُشْهدوا واستفحلَ الخونَهْ
من ساسةٍ شوَّهُوا الدُّنيا ومن كهنَهْ
...
لم يتركوا في بلادِ العُرْبِ من وطنٍ
فلا أرى وطناً لكنْ أرى" ثَكَنَهْ "
..



خاطرةُ الصباحِ

في ذكرى رحيلِ الحبيبةِ:

الحبُّ أعمى كذاكَ الحربُ عمياءُ
ونحنُ بينَهما قتلى وأشلاءُ
...
ووحدَهُ الموتُ مزهوٌّ بناظرِهِ
فإنَّهُ ظامئٌ ..إنَّا لهُ الماءُ
...
معي أنتِ
ليسَ لهُ أيُّ معنى الغيابْ
وصوتُكِ يملأُ قلبي
ويُشعلُ نارَ العذابْ
تعالَيْ إليَّ
اخرجي لي
إلامَ تظلِّينَ نائمةَ العمرِ
أمْ أنَّ قبرَكِ من دونِ بابْ
لماذا يسمُّونَ هذي الحياةَ حياةً
فأوْلى بها أنْ تُسمَّى : الهبابْ
لماذا نحدق فينا كما الأغبياء
نلوذُ بنجمٍ بعيدٍ
ويعجزُ مِنْ أنْ يقينا
من الموتِ
فوقَ الترابِ
وتحتِ الترابْ
...



من زمانٍ وهاتفي لا يرنُّ
ليسَ إلا الذبابُ حولي يطنُّ

وعِبادُ الشَّيطانِ صارُوا ملوكاً
وسواءٌ تعقَّلوا أو جُنُّوا

هل إلى الشِّعرِ من سبيلٍ سواهُ
حيثُ لولاهُ لاضمحلَّ الكونُ

كم ثقيلٍ على فؤادي نَواها
فكأنَّ الغرامَ منهُ طنُّ

لم أذقْ نوماً هانئاً في حياتي
فلماذا إذاً بنومي تظنُّ

أيُّ دنياً تسخو بموتٍ وموتٍ
ليتَها مِن بعدِ السَّخاءِ تضنُّ

فرغَ الكونُ من جمالٍ و"ملفا"
بغيابِ النَّجمينِ غابَ الفنُّ
..



خاطرةُ الصباحِ

كلُّ هذا العراءِ
ولا ساقيهْ
كلُّ هذا الرحيلِ
ولا وصولَ
إلى القافيهْ
كلُّ هذي البلادِ
ولا امرأةٌ
تزرعُ البحرَ في جسدي
وتعيدُ إليَّ قليلاً
من العافيهْ
كلُّ هذي الحياةِ
تضيقُ بقلبي
وتتَّسعُ الهاويهْ
سيدي الحبَّ
عذراً
أنا لا أحبُّكَ
رافقْ سوايَ
إلى جنَّةٍ خاويهْ
...

معي أنا ..لا تحاولْ أن تفرِّقني
ولا تَصِدْ طائري الميمونَ يا زمني

معي أنا وهبوبي جدُّ مبتعدٍ
رأيتُني في متاهاتي ولم أرَني



إلى وطني المشرَّدِ في المنافي
...

سأكفُّ عن شعري وعن أدبي
وأعيشُ بينَ الريحِ والكُثُبِ

أنا متعبٌ بالحلمِ أحملُهُ
احدودبَتْ روحي من التَّعبِ

ستونَ عاماً كاذباً وأنا
متحمِّلٌ دنياً من الكذبِ

الآنَ عدتُ إليَّ أجمعُني
بعدَ الشتاتِ وبعدَ مغترَبي

مني تفرُّ الآنَ قافيتي
فكأنَّها مجهولةُ النسبِ

وكأنَّني لا أنتمي أبداً
إلا لصمتٍ قاهرٍ وغبي

منفايَ أم وطني يعذِّبني
وكلاهما يقتاتُ من سغبي

وكلاهما يُدني ويُبعدني
وكأنَّني كرةٌ من اللهبِ

وأعودُ من ألمي إلى أملي
الحرف يرفوالحلمَ في كتبي

فبهِ أعيشُ وأحتسي قلقي
مثلَ احتساءِ الأرضِ للسُّحبِ

وبهِ أناجي طيفَ سيِّدتي
تلكَ التي غابَتْ ولم تغبِ

إني الغريب فلست أعرفني
ودليليَ الظلماءُ فاقتربي

كمْ من نبيٍّ كانَ ينصحني
خابَتْ ولاءاتي لكلِّ نبي

ووهبتُ من جودي خزائنَهُ
والكونُ غيرَ البخلِ لم يهبِ

أبكي على عصرٍ مضى عبثاً
ما كانَ أرخصَ عصريَ الذَّهبي

ما زلتُ معتصماً بحبلِ غدي
والروحُ ساعيةٌ إلى الهربِ

كم قد سعيتُ إلى الربيعِ أنا
وربيعيَ المأمولُ لم يطبِ

لعبَتْ بيَ الأقدارُ لعبتَها
يا قسوةَ الأقدارِ واللعبِ

قد جئتُ للدنيا بلا سببٍ
وغداً أودِّعُها بلا سببِ

طالَ انتظاري للطفولةِ لم
أرَ في مرايا الوهمِ أيَّ صبي

وقصيدتي تبكي على شفتي
تنداحُ في حزنٍ وفي غضبِ

وطني.. وهل ما زالَ لي وطنٌ
والعابثونَ بهِ كما الجربِ

يتعاركونَ على غنائمِهِ
لم ينجُ من أطماعِ مستلِبِ

العابثونَ بأمنهِ ملؤوا
أيامَنا بالخوفِ والرعُبِ

والنازحونَ إلى العراءِ فهم
ما بينَ منسحقٍ ومكتئبِ

وطنٌ تعفَّنَ منذُ أزمنةٍ
يا أيُّها العطَّارُ فانسحبِ
...



خاطرةُ الصباحِ

ما أراهُ ما عادَ يملأُ عيْني
كلُّ هذا الممتدِّ بيني وبيْني

إنَّهُ مرَّةً يموتُ حبيبي
وتراهُ يُميتُني مرَّتينِ

لحبيبي عليَّ دينٌ قديمٌ
وأنا قدْ عفوتُهُ من ديْني
...
وُلدتُ وفي دمي طبعُ الرُّعاةِ
وفي صدري لهيبُ الأمنياتِ

كأنِّي وحديَ المنفيُّ جدَّاً
وكلُّ الكونِ يأنفُ من حياتي

أرى كلَّ الأحبَّةِ في غيابٍ
إلى أن غبْتُ عن نفسي وذاتي
...




خاطرةُ الصباحِ

من ثغرِ نافذتي ومن بابي
حلَّقتُ وحدي فيضَ أسرابِ

يا ليتَني يوماً أراكِ معي
في البحرِ في الأجواءِ في الغابِ

لا لنْ تضيعي مثلَ قافيتي
أو مثلَ حلْمٍ فوقَ أهدابي

لي فوقَ هذي الأرضِ أمنيةٌ
منسابةٌ يا أرضُ فانسابي

ردِّي إليَّ الروحَ ثانيةً
لأرى حبيباتي وأحبابي

من أينَ أبدأُ واللظى قدري
من ظلمتي أم نورِ محرابي

يحتلُّني وطنٌ أكابدُهُ
وهشيمُ نعناعٍ وأكوابِ

لا ليسَ لي حسبٌ ولا لقبٌ
قد بعتُ أحسابي وألقابي

أدنو من الأحلامِ تطردني
من دونِ تبريرٍ وأسبابِ

لو كانَ لي أملٌ لقلتُ لهُ:
يا سيِّدي بكَ من أسىً ما بي
..



ضاقّتْ مقابرُنا فالموتُ يسْتشري
حتى الشياطينُ لا تدري بما يجري

قبضٌ على الرِّيحِ حتى الريحُ قد نفدَتْ
فاقبضْ على الموتِ أو فاقبضْ على الجمرِ

بلادُنا انقرضَتْ حتى إذا وُلدتْ
فلن تكونَ سوى قبرٍ على قبرِ
..



خاطرةُ الصباحِ

إلى متى
في صقيعِ الليلِ
أغتربُ
فلا دمشقُ
تغطِّيني
ولا حلبُ

كم حاولَ الليلُ
من ليلى
يجرِّدني
ولستُ إلَّا
إلى ليلايَ
أنتسبُ

كم لذتُ بالحلمِ
في صدقٍ
وفي كذبٍ
لم ينفعِ الصدقُ
في حلْمي
ولا الكذبُ

حبيبتي
في أقاصي الليل
شاردةٌ
تفرُّ منِّي فراراً
ما لهُ سببُ

إليَّ أرجعُ
والخيباتُ تحرقني
تحيَّةً
وسلاماً
أيَّها اللهبُ
...




تحية للموت في ميلاده الدائم
تحية للحارس الشخصي له
تحية لتاريخه الحافل بنا
تحية لأشكاله المتعددة القاتلة للملل
تحية له يجمعنا بعد شتات
تحية له وهو يمط لسانه استهزاء بحياة أسوأ منه
تحية لغناه الفاحش بالدم والضحايا
تحية لروحه التي لا تموت




لا بدَّ من فيروزَ

عاصي وفيروزٌ ومنصورُ
هلْ يا تُرى إلاهُمُ النُّورُ

ما أعذبَ الدُّنيا بنكْهتهِمْ
فالكونُ كلُّ الكونِ عصفورُ

فيروزُ شلَّالٌ..بنفسجةٌ
فالقلبُ رغمَ الحزنِ مسرورُ

الفجرُ في فنجانِ قَهْوتِنا
فجرانِ :مطويٌّ ومنشورُ

مَنْ قالَ عنها إنَّها امرأةٌ
قد خابَ فهْيَ العينُ والحورُ

يصحو الصباحُ على ترنُّمِها
لكنَّني بصداهُ مخمورُ

لو أنَّ سُوراً كانَ يفصلُنا
لانْهَدَّ مِنْ نغماتِها السُّورُ
..



من أنتَ..؟
سوريٌّ ذليلٌ
أو أذلْ
ماذا تريدْ..؟
وطناً صغيراً مثلَ قبرٍ
أو أقلْ
حالُ الصغارِ..؟
مسجَّلونَ على الحياةِ
على عجلْ
حالُ الكبارِ..؟
مشتَّتونَ على الدروبِ
بلا أملْ
حالُ النساءِ..؟
مضرَّجاتٌ بالدموعِ
وبالشَّللْ
حالُ البلادِ..؟
شريفُها هجرَ النِّضالَ
ولصُّها صارَ البطلْ
هل من مزيدْ..؟
لا.. لا تسلْ
..



خاطرةُ الصباحِ

قلبٌ واحدٌ لا ينبضُ..
...
القلبُ وحده يجعلُ القصيدةَ ظلَّهُ
...
القصيدةُ نوعٌ جميلٌ من الحبُّ
...
للقصيدةِ حاسةٌ سادسةٌ تدركُ عمقَ قارئِها أو سطحيتهُ
...
القصيدةُ المشهورةُ بجودتِها لا يُروَّجُ لها
...
العموديُّ والتفعيليُّ والنثريُّ لعبةٌ مملَّةٌ فالجوهريُّ هو الشعريَّةُ والشاعريَّةُ
...
شتَّانَ بينَ قصيدةِ النورِ وقصيدةِ الظِّلِّ
...
الشعرُ كالفصولِ وكلُّ قارئٍ لهُ فصلُهُ المحبَّبُ وغيرُ المحبَّبِ
...
من قديمي:

قي فمي غيمةٌ مرَّةٌ
ومذاقُ عدمْ
في يديَّ هواءٌ ذبيحٌ
وفي الأفقِ دمْ
أتضوَّرُ شوقاً
فأرفو رحيلي المدوِّي
بخيطِ الألمْ
....



مبدعون:

هناك من يحول الصخر إلى منحوتة فنية
هناك من يحول العنب إلى خمر
هناك من يحول الكلمات إلى قصيدة
هناك من يحول الصحراء إلى جنة خضراء
هناك من يحول الهزيمة إلى انتصار
هناك من يحول الوطن إلى مبغى
...



خاطرةُ الصباحِ

الشكُّ يزرعُني
ويحصدُني اليقينْ
..
أشهى سماءٍ لي..
لقلبي الياسمينْ
..
روحي السماءُ
بمائِها ونجومِها
والجسمُ طينْ
..
لِمَ كلُّ ما حولي
يطاردُني
أيا هذا الحنينْ
..
لن أختفي عني
دليلي ساطعٌ:
قلبي الحزينْ
..
..



ما زلتُ حتى خريفِ العمرِ أنخدعُ
ومن سمائي التي عانقتُها أقعُ

كلُّ الذينَ أتَوْا من أجلِ تعزيتي
أخفَوْا شماتتهُمْ في الكذْبِ قد برعُوا

لم يتركُوا غيرَ أقوالٍ مزيَّفةٍ
من هولِها انتابَني من هولِها الوجعُ

في آخرِ الوقتِ جاءَ الوقتُ يسألُني
عن بِدعتي وحياتي كلُّها بدعُ

أقدِّمُ العمرَ قُرباناً لآلهةٍ
حمقاءَ ليسَ لها تقوى ولا ورعُ

كبشُ الفداءِ لأحلامٍ مجنحةٍ
وزهرةٌ من حريقِ الشِّعرِ تندلعُ

وكلُّ ظنِّي بأنَّ الفجرَ منخفضٌ
لكنَّهُمْ قتلوهُ وهْوَ مرتفعُ
..



أجملُ الذكرياتْ
هي تلكَ التي تجمعُ الروحَ
بعدَ الشَّتاتْ
...
أجملُ الأغنياتْ
هي تلكَ التي تتلألأُ
في الظلماتْ
...
أجملُ الشعراءْ
هو ذاكَ الذي
يعصرُ الأرضَ
يصنعُ منها سماءً
معطَّرةَ النجمِ..
صالحةً للحياةْ
....




خاطرةُ الصباحِ

في قلبي جثثٌ ..دَمْ
في رأسي معركةٌ بدأَتْ
أخرى لَمْ..
سأعودُ إلى أصلي
وأصيرُ تراباً
هذا أسلَمْ
هذي ليسَتْ بحياةٍ
بل حاويةٌ ملأى
بالقططِ الضَّالَّةِ
والأكلِ الفاسدِ
والسّمْ
..



خاطرةُ الصباحِ

أنامُ قريباً من البحرِ
يطردُني الزّبدُ
أنامُ قريباً من النفيِ
يطردُني البلدُ
أنا أحدُ الناسِ..
لا أحدُ
...

سألَ النادلُ وهو يصبُّ الماءْ:
- ماذا تأكلْ؟
- آكلُ موتي
- مشوياً أم مسلوقا؟ً
- مسلوقا
ورشَّ عليهِ الموسيقا



خاطرةُ الصباحِ

خذيني إلى أيِّ منفىً
فقدْ ضاقَ..
ضاقَ الوطنْ
ولا تخبري عن مكاني الزَّمنْ
خذيني إلى ظلِّ قبري
دعيني أودِّعْ حياتي
فلمْ أرَ فيها حياةً
ولنْ..
إذا ما عجزتِ عن الحب ِّوالياسمينِ
وعن عودتي من رميمي
دعيني إذاً
....



خاطرةُ الصباحِ

لا شيء يحدث بإرادتي
الحب الذي كان
الحرب الكائنة والتي ستكون
حياتي التي لم أذقها
موتي المالح
كل ما يحدث لي أمر مألوف
شرب القهوة مع صديق ميت
وأكل البزر في سينما دمشق
كل الأفلام مكررة
من إسماعيل يس
إلى وطن كوميدي حتى البكاء
حتى القصيدة بعد ولادتها لا تعترف بي
حتى الماء الذي أشربه يجعلني أكثر عطشا
حتى الهواء الذي أستنشقه يخنقني بالذكريات
لمن أصفق هذا الصباح ولا عصفور على نافذتي
ولا خطيب يهز المنبر بأكاذيبه البيضاء والسوداء والملونة
مَن أعشق وكل النساء ذهبن إلى غيري
منهن من أصبحن حوريات
منهن من تزوجن سرا من الموت
منهن من فقدن أنوثتهن واسترجلن
وفضلن علي الأركيلة ودخانها المتصاعد
إلى آخر الوقت
وحدي في هذا الكون الواسع
لي البحر والسماء والغابة
وليس لي قبر يقيني جوع الذئاب
وليس لي عصا أهش بها على وجعي
ولا مآرب لي
سوى الخروج من الزمان والمكان
والدخول في قارورة
يفتحها بعد ألف عام صياد تعيس
....


خاطرةُ الصباحِ

أشتاقُ إلى أمِّي وأبي .. وإلى داري وإلى كتبي
وإلى أحبابي قاطبةً .. منهمْ من غابَ ولم يغبِ
وإلى مجنونةِ حارتِنا.. تبكي أو تضحكُ من غضبِ
وإلى دربٍ ما زالَ معي.. من عامودا حتى حلبِ
وإلى صرصارٍ صيفيٍّ.. كانَ يغنِّي حدَّ الطربِ
وإلى أرجوحةِ ذاكرتي.. كانَتْ تهتزُّ كما شغبي
وإلى رمضانَ أصومُ بهِ .. نصفَ نهارٍ طفلاً وصبي
وإلى أشجارِ حديقتِنا.. من رمَّانٍ أو من عنبِ
وإلى أعراسٍ صاخبةٍ.. تجتاحُ الوقتَ بلا تعبِ
وإلى أحلامٍ صادقةٍ.. اليومَ غدَتْ بيدِ الكذبِ
وإلى كلِّ شتاءٍ قاسٍ.. وإلى أصيافٍ من لهبِ
وإلى ألبومٍ من صوري .. وإلى ذكرىً تتوهَّجُ بي
وإلى قطٍّ في مسغبةٍ.. والفأرِالمُمعنِ في الهربِ
وإلى زمنٍ صارَ بعيداً .. وأذانِ الفجرِ بصوتِ نبي
وإلى طفلٍ قد كانَ معي.. نلهو لا نشكو من تعبِ
وإلى ديكٍ ودجاجاتٍ.. يشربنَ الماءَ من السُّحبِ
وإلى راعٍ خلفَ قطيعٍ.. يتمرَّغُ في قلبِ العُشبِ
وإلى وطنٍ خالٍ منِّي.. خالٍ من رائحةِ الكتبِ
وإلى أمواتٍ قد كانوا .. ملءَ القلبِ وملءَ الهُدبِ
وإلى أعيادٍ مترعةٍ... أغلى واللهِ من الذهبِ
وإلى رحلاتٍ لن تُمحى .. من ذاكرتي أو من أدبي



خاطرةُ الصباحِ

ما بينَنا أعلى من النَّجمِ
وألذُّ من حلْمٍ على حلْمِ

وأشدُّ من شوقِ الصغيرِإلى
دنيا مناغاةٍ من الأمِّ

إنْ رتَّلَ العشَّاقُ آيتهُمْ
بدؤوا جميعاً باسْمها واسْمي

المطفئونَ وميضَ أجنحتي
قد قدَّموا ما ساءَ من سمِّ

والطاعنونَ رنينَ قافيتي
يتناولونَ حلاوةَ الطعمِ

لو قبَّحوا لي كلَّ زاويةٍ
فأنا أنا بجمالِها محْمي

لي موعدٌ متأخِّرٌ معَها
عني فراقُ وصالِها يُدمي

لي فرحتانِ بها ..بها وبها
فهي اثنتانِ أزاحَتا همِّي

وهي التي لم ترمِني أبداً
في الجبِّ ..عمقِ الجبِّ لم ترمِ

أنا دونَها أشلاءُ ذاكرةٍ
صمَّاءَ فهي الروحُ للجسمِ

وهي السماءُ نجومُها أفُقي
ما قيمةُ الدنيا بلا نجمِ

يا قسوةَ الأيَّامِ خارجةً
من كفِّ قافيتي ومن لحمي

أشتاقُ بسمتَها التي رسمَتْ
وجهَ السماءِ وبدرِها التَّمِّ

قد ضاقَتِ الدنيا بما رحبَتْ
وتوسعَّتْ بجنونيَ الجمِّ

وأثمتُ حينَ تركتُ نافذتي
مفتوحةً لمواكبِ الإثمِ

ورجعتُ من قاعي ومن حُفري
متباهياً بجباليَ الشُّمِّ

يا أنتِ يا أيقونةً عبقَتْ
بالبلسمِ الشَّافي على همِّي

نفسي على نفسي مبعْثرةٌ
لمِّي حياتي كلَّها لمِّي
...





من سيِّئٍ لأسوأِ
كؤوسُنا لم تُملأِ

ربيعُنا لم يزدهرْ
وحلمُنا في خطأِ

بلادُنا فريسةٌ
لكلِّ فكرٍ صدئِ

حياتُنا زريبةٌ
للنذلِ والمطأطئِ

وإنَّنا أضحوكةٌ
أمامَ كلِّ الملأِ

فقيرُنا مستسلمٌ
لجوعهِ والظَّمأِ

غنيُّنا محتكرٌ
للبلسمِ المهدِّئِ

أبطالُنا في سهرةٍ
والخمرُ مثلُ اللؤلؤِ

دماؤُنا رخيصةٌ
كالزبلِ والتقيُّؤِ

آهِ بلادي لحظةً
على الجراحِ اتَّكئي

لا تخرجي من خبرٍ
إلا إلى مبتدأِ

لا تخرجي سافرةً
بوجِهك المضوَّأِ

فربَّما مراهقٌ
من نظرةٍ لم يبرأِ

فيا ذئابُ عوعوي
ويا كلابُ وأوئي
...




إرهاب الظالم يصنع إرهاب المظلوم
وكلاهما يحارب إرهاب الثاني بالإرهاب
والشعراء فريقان
فريق مع هذا وفريق مع ذاك
عدا الذين يقولون ما لا يفعلون
يعني:
ندور في حلقة مفرغة
والدوران ليس عيبا
فالكرة الأرضية بكل جلالها تدور
..



لا جديدَ تحتَ الشمسِ
معَ تغييراتٍ طفيفةٍ
الحلمُ الذي يقفزُ من غصنٍ إلى غصنٍ كالقرودِ
هو الحلمُ نفسهُ قبلَ دهرٍ وثانيتينِ
فقد هرمَ ليسَ إلَّا
الصباحُ الذي أنتظرهُ هو هو
فقطْ صار أعرجَ لا يحملُ شيئاً
وبالكاد يحملُ نفسهُ
الصديقُ الذي هاجرَ ولم يعدْ
ما زال يحصي غربتهُ ويعيدُها إلى حصَّالتهِ المثقوبةِ
الأمهاتُ اللواتي كن يبكينَ على أبنائهنَّ الغرباءِ
صرنَ يبكينَ على أبنائهنَّ الشهداءِ
الجنودُ الذينَ تدرَّبوا لقتلِ الشيطانِ
وهدمِ معابدهِ الوثنيةِ أو المجوسيةِ
صاروا يقتلونَ الأطفالَ والعصافيرَ
كنا نحلمُ بامتطاءِ صهوةِ السلامِ
صرنا تحتَ سنابكِ الحربِ
شارعُ الحبِّ
شارعُ الحربِ
ميدانُ الحياةِ
ميدانُ الموتِ
"متى استعبدتم الناس"
كانَ العبدُ يُشترى ويُباعُ
صارَ يُشرَّدُ ويُقتلُ
كانَ الشاعرُ يفخرُ بنصرِ القبيلةِ
صارَ يفخرُ بهزيمةِ الأمةِ
تغييراتٌ طفيفةٌ جدا
الهنودُ الحمرُ
السوريُّونَ الحمرُ
...

كنَّا نجرُّ وراءَنا أحياءَنا
صرنا نجرُّ وراءَنا أمواتَنا

كنَّا نجمِّعُ ما تفرَّقَ من يدٍ
صرْنا نفرِّقُ بعدَهُ أشتاتَنا

ولكم كرهْنا الموتَ من أعماقِنا
ها نحنُ نكرهُ في الصميمِ حياتَنا
...



ما بينَ أتراكٍ وروسِ
حتى إلى الفرسِ المجوسِ

والعمُّ سامٍ خلفَهمْ
والخمرُ في كلِّ الكؤوسِ

والعرسُ فوقَ دمائِنا
ودماءِ سيِّدتي العروسِ

جعلوا بلادي ساحةً
للحربِ..للحربِ الضروسِ

فلهمْ خوازيقُ الهوى
ولنا بآدابِ الجلوسِ
...



خاطرةُ الصباحِ

من القلبِ يخرجُ هذا الرمادُ
ومن خلفِهِ لهبٌ واتِّقادُ

أفتِّشُ عنِّي وراءَ التخومِ
وحولي تخومُ المنافي تُشادُ

وأجنحتي نبتَتْ من جديدٍ
كقبَّرةٍ بالحنينِ تُصادُ

وكم تملئينَ البلادَ بنورٍ
ولولاكِ ليسَ هناكَ بلادُ

هو الأملُ المُشتهى لا يغيبُ
ولو غابَ نومٌ وغابَ سهادُ

فؤادي هو البحرُ في مدِّهِ
أللبحرِ مثليَ حقاَ فؤادُ

وأشعرُ أنِّي شعورُالقوافي
وكلُّ شعورٍ سواهُ جمادُ

من القلبِ يخرجُ ماردُهُ
لديهِ السماواتُ ماءٌ وزادُ

سنابلُ روحيَ مخضرَّةٌ
فهل سوفَ يسرحُ فيها الجرادُ

لقد ضعْتِ مني طوالَ الزمانِ

وما أجملَ الحقَّ إذْ يُستعادُ
وأُصغي إليكِ لأسمعَني
على وقعِ صوتِكِ يصحو الرُّقادُ

بيارقُ حلمي تدكُّ الجبالَ
وتخشعُ من حاملِيها الوهادُ
...



حنيني إليكِ يغلي
كروحٍ في مقلاةٍ
...
شجرتي الوارفةُ
شجرتي الظليلةُ
تسيرُ في غابةٍ محترقةٍ
...
رمادي الهشُّ لا تحرِّكيهِ
دعي جمرتي نائمةً
...
هذا الغيابُ المشتعلُ
لا يطفئهُ إلا حضورُكِ
...



إني إلى أرضِكِ الخضراءِ أنتسبُ
منذُ القديمِ وهذا القلبُ مضطربُ

قد كنتُ منطفئاً حتى اشتعلْتُ بها
تاريخُ قافيتي قد خطَّهُ اللهبُ

لا تسأليني عن الأحلامِ هاربةً
فليسَ ثمَّةَ إلا الحلمُ والهربُ

لا تسأليني عن الأسبابِ قاهرةً
فليسَ يقهرُني في حبِّكِ السببُ

إني إليكِ رسولٌ طارَ من دمِهِ
ترينَني قلقاً أنأى وأقتربُ

هذا النبيذُ الذي في الحلمِ أشربُهُ
غيري من الناسِ ما ذاقوا ولا شربُوا

كلُّ البلادِ ظلامٌ ما بهِ قمرٌ
أمَّا بلاديَ فهيَ النورُ والذهبُ

كنتُ الغريبَ وما زلتُ الغريبَ أنا
كأنَّما الكونُ كلُّ الكونِ يغتربُ

وأنتِ سيِّدةُ الأقمارِ قاطبةً
وراحةَ الرُّوحِ فارحلْ أيُّها التَّعبُ

تهنا معاً في دروبِ الليلِ كالحةً
ولم نزلْ في دروبِ الليلِ ننتحبُ

ووحدَهُ القلبُ في الصحراءِ مملكتي
بهِ ألوذُ إذا خانتنيَ الكُثُبُ

وحدي سأحملُ أحلامي أكلِّمُها
كما يكلِّمُني قيثارُكِ التَّعِبُ

علَّقْتُ سيِّدةَ الأقمارِ في عُنُقي
لأنَّها هيَ أمٌّ للسَّنا وأبُ

فوحدَها في سرابِ الوقتِ صادقةٌ
وكلُّ ما دونَها في عالمي كذِبُ
..