"ترميم الذاكرة" د.حسن مدن


1 قراءة دقيقة

الوطن، الهوية، المعتقد الأيديولوجيّ، الحرّية، المنفى والغربة.

 من مّنا لا يتخبّط الآن في هذه المعمعة التي تسمى وطنًا؟ ومن منّا لم يعانِ من قسوة الغربة قسراً أو اختياراً؟ ومن منّا لم يفقد حبيباً؟

 نحن في زمن تعالت فيه أصوات البنادق على صوت الضمير، وشتّت الساسة أبناء الوطن الواحد. من منّا لا يحمل جوعاً مزمناً للهويّة يبحث عنها هنا وهناك، محاولاً أن يتعرّف إلى نفسه في وطن جغرافيّ نبذه، وأنكر عليه حق الانتماء لتلك البقعة الجغرافية؟ ويبقى السؤال: هل تلك البقعة الجغرافيّة والورقة الصغيرة التي تحمل الاسم ومكان وتاريخ الولادة هي الهويّة الحقيقيّة للإنسان؟

هل نحمل هوية أم تتشكّل فيما بعد؟ هل من يملك المال والسلطة هو الرمز للوطن أو من يحمل دمه على كفه، لأنّه يحمل مذهباً آخر على الورق؟ يقمع من ذات الوطن لئلّا يجلس على ذلك الكرسي؟

 في ذروة هذا الصراع على الكرسي يعمد الأطراف إلى أساليب تتنافى مع الإنسانيّة، لا يتوانى عن سفك الدم، واعتماد سياسة التجويع الروحيّ والجسديّ والفكريّ لقمع المختلف.

كلما مرّت بنا الأيام رأينا قبول الآخر في شرقنا ينحسر برغم المناداة من فوق المنابر، لكن الواقع شيء والخطاب الدينيّ والسياسيّ شيء آخر، حسرة تطال المفكّر والمثقّف الواعي خاصّة حين يرى دعوة من يجب أن تكون دعوتهم للسلام والمحبّة تكون مغايرة بل هي دعوة للقتل وإلغاء الآخر الذي تنتفض روحه في داخله، لكن يجابه بالقمع، وتنهال المآسي عليه، وعلى كلّ أحبّائه.

 قلّة من تخطى تلك المرحلة، وقلّة من استطاع المواجهة، وقلّة من نجا من جبروت الظلم من يد الحكّام.

 يوجد في كلّ العصور ناس يعتقدون أنّه يجب أن يكون هناك انتماء واحد مهما كانت الظروف، الدين يبقى في الشرق هو الانتماء الأكثر شيوعاً إن صحّ التعبير أو الأكثر انتشاراً، وحين يشعر الإنسان أنّ هويّته الدينيّة والعقائديّة في خطر يشعر أنّه مهدّد في انتمائه الوطنيّ، أليست كلّ هذه الصراعات في العالم الآن هي نتيجة لهذه الاختلافات، والخوف من زوال الهويّة؟

 إنّ الإنسان السويّ هو الذي يشعر أنّ كلّ انتماء كان يربطه بأخيه الأنسان أكثر، والانتماء الأكبر هو أن ينتمي الإنسان إلى الإنسانية التي تجمع كلّ لون وعرق ولغة، وهكذا كلّ إنسان نقيّ باحث خارج قوقعة العرقيّة والانتماء الدينيّ والطائفيّة لا بدّ أن يجد نفسه وانتماءه للإنسانيّة.

 هكذا تحت مظلّة الإنسانيّة الكلّ يتماهى، ليطلّ على العالم الجديد من نافذة قبول الآخر، والمصالحة مع الذات، بغض النظر عن إطلاق الأحكام المسبقة على ماضٍ مضى، فالإنسان قابل للتغيير، وقابل للتجديد، وقابل للتحسين وترميم ما هشّمته المسلّمات، وكوّنت شخصيّته أو هويّته، فالهويّة كما قال أمين معلوف:" لا تعطى الهويّة مرّة وإلى الأبد، فهي تتشكّل، وتتحوّل على طول الوجود". 

***

"ترميم الذاكرة" هو ترميم لروح القارئ ولقلبه المتشظي بالنفي والفقدان ولوعة الحبّ والتيه في سراديب النفس الإنسانية. 

خواطر كونيّة شاعريَّة، صور مضمّخة بالواقع، ورؤى تعكس انطباع ما خلّفته السنون في ذاكرة الكاتب.

 الفنّ التشكيليّ هو الرسم بالألوان، تداخلها وتميزها في خطوطها المتدفّقة بسيطة وكأنّ طفلًا أمسك بالريشة، وراح يعبث بالألوان، لنقف أمام لوحة مبدعة، لكن لو حاولنا أن نمسك نفس الريشة والألوان لما استطعنا الإتيان بنفس جمالية لوحة الطفل، هذا الطفل المنفيّ.

في صدر الكاتب حسن مدن الذي حمل قلمه وقضيته التي آمن بها في جعبته، وجمع وجه أمّه المخضّب بدمعها الأخضر، ورائحة كفّيها ولحن دعائها له، وعيون الوالد تميمة تقيه وجع الغربة في حقيبة السفر، وهو يغادر مسقط رأسه غارقًا في ثورة أحلامه.

  الكاتب حسن مدن عابر لروح الإنسان الواحد إلى الانسان في الوطن العربيّ كلّه، بواقعيّة مفعمة برائحة الحبق واللوعة في حقبة زمنيّة كابد فيها الوطن أوجاعًا مختلفة، انتقل كالفراشة ما بين مصر ولبنان وموسكو وسوريا، وفي كلّ بلد يجد الهويّة التي فقدها في وطنه، يجد وجهًا يألفه، وكأنّ الغربة تمدّ يدها له حيث خذل في وطنه الأمّ لتوطيد فكرة أنّ الإنسان امتداد لأخيه الإنسان.

 لقد تناول ما يشبه السيرة الذاتيّة، طفولته المزركشة بالأحلام الحافلة بالدهشة التي انعكست في تجرّعه القراءة منذ الطفولة.

 حسن مدن الغارق في حفاوة اللغة والفكر يرسم عالمه بواقعيّة شاعريّة تلهب الأعماق، وتمخر عبابها من خلال سبرها كلّ معاقل الوجع والتجربة التي خاضها، والتي تتمثّل في تجربة الكثيرين.

 "ترميم الذاكرة" مسربل بتلك الروح التي تتخطّى الحبر والحرف إلى تدفّقات من حنين ولوعة، وحسرة ونشوة الانتصار، تتناثر في كلّ جزء من الأجزاء.

 إنّ ما كتبه أشبه بالسيرة إذ إنّ السيرة الكاملة الكامنة في خبايا الروح يصعبّ الكتابة فيها لا لأيّ اعتبارات سياسيّة واجتماعيّة وإن تكن موجودة، لكن لاعتبارات الخوف من اللغة أن تعصا ولا تعبّر عمّا يحمله الكاتب في وجدانه، هذا الانسياب، وهذا التدفّق الذي رأيناهما في "ترميم الذاكرة" ما هما إلّا نبع رقراق ينساب بعذوبة، لكن هناك النهر العتي، وهناك المحيطات التي تعجّ في حدود جريانها، تريد أن تتخطّى تلك الحدود لولا قوة الخالق، لكن لا بدّ من فيضان كما النيل، ونحن الآن ننتظر ذلك الفيضان الذي كان يحمل الحياة للأرض، وفيضان الكاتب لا بدّ أن يحمل الجمال والحياة لكلّ قارئ يبحث عن الحياة والجمال في ظلّ هذه الظروف التي يتخبّط فيها العالم الآن.

 إنّ "ترميم الذاكرة" دعوة للوقوف على المعاناة الإنسانيّة بحساسيّة مرهفة، أن نرى كيف يعالج موضوع الاختلاف والآخر لمجرد فارق انتمائيّ بسيط ألا وهو الهويّة الدينيّة، ومن جهة أخرى أراه دعوة كي نتهيّأ لما يأتي بعدها، دعوة لعودة الإنسان إلى إنسانيته، وكشف المستور وتطهير قيح الجراح المزمنة بمشرط الإنسانية.

 إنّ الحب وإن كان متخفيًّا بين السطور، لكنّه العطر الطاغي، فهناك شهقات اللقاء ودندنة القلب، وترجمة الأحاسيس، والنظر إلى الضفّة الأخرى، إلى البعيد، إلى من يهزّ عرش القلب، ويقلب الكيان، لتلك اليد الحانية التي تجتثّنا من جذورنا، وتقلب حياتنا، وتجعل لها معنى، ذلك التناغم ما بين العشق واللوعة لا يخلو من الوجع، وإن كانت قصص الحبّ الخالدة في الأدب العربيّ انتهت نهاية مأساويّة، وكأنّ تلك النهاية كانت النموذج الذي احتذى به كلّ عاشق، شاء أم أبى، كتعاويذة وطلاسم لم يقدر على فكّها أحد.

 إنّ هذه التوهّجات الطفوليّة التي كتب عنها حسن مدن هي انتشاء لخيال ومشاعر جيّاشة، طفل وجد نفسه خارج وطنه، وحين عاد رجلًا، فتتت روحه تلك النخلات التي هرمت قبل الأوان، وبهتت ألوان الثوب الأخضر، فتراصت الأحزان فوق بعضها، لتصلنا عبر لوحة تشكيليّة ملوّنة بألوان الخيبة والحلم المسروق والوجع المضمّخ بالذكريات، فترجمها مزامير وجوديّة وفلسفيّة في مشهد لا يتكرّر.