تذكرة من الوطن


1 قراءة دقيقة


للوفاء معانٍ كثيرة، أجملها صديق قلبه يفيض باهتمام لا يجفّ...
المهاتما غاندي
كان سادراً كالعصفور وقد رمى ببصره الذي انحدر مع مياه نهر الراين في أجمل بقعة بدسلدورف حيث ملاذه، وانسابت الذّكريات تدغدغ مشاعره.
بادلته فاطمة الابتسام دون أن تفتح فمها، فالابتسام شعور وليس مجرد حركة للشفاه.
خمنت أين شرد فكره ، فقد أتقنت لغة عينيه اللتين لمعتا.
استقرّت ذاكرة ريزان في ذلك المنعطف، واستجمعت جزيئاته ، ففي كلّ يوم جمعة كان يتسلّح بكاميرته، وينتعل ما يساعده على الجري تحسّباً للملاحقة.
في طريقه ينثر حبّات روحه ، يقف على جسر البشرية يسدّد كاميرته لتقتنص عدة لقطات لنهر جقجق ، ويتابع مجتازاً السوق قبل أن يصل الحيّ الغربيّ يقف لشراء المناقيش من محلّ معجنات على شارع القوتلي.
هذا الشارع الذي كان ممشى العشّاق مساء وخاصّة في أمسيات الآحاد.
غادره بعضهم مهاجراً أو متزوجاً، والبعض أثقلت كاهله السنوات، والبعض واراهم التراب ! وبقي هذا الشارع يؤرّخ ذكرياتهم على مدى الأجيال.
كان يأتي على آخر لقمة مسرعاً عندما ينتهي به المسير إلى جامع قاسمو، يكون الوقت ضحى حيث الاستعدادات قد تمّت ليبدأ المسير ، وتعلو الهتافات بإسقاط النظام.
قبل سنة وهو يرافق نهر الراين في مسيره، هاتف أخته مؤكّدا عليها أن تبقى على تواصل مع فاطمة ، وسط حيرة الأخت التي تعرّفت إليها عن قرب وتصاحبتا، لكن استغرابها كان يتضاعف في كلّ مرة تزورها، فهي لا تجد أيّ تكافؤ بينهما.
بعض الناس يرى شرف الإنسان في كلمته وحبّه وعدم خيانة ذاكرته، وكان ريزان منهم.
كان الكتف المتاحة لكلّ من يستند إليه، يعرض خدماته المجانية للكرد المهاجرين إلى ألمانيا.
أصبح كالسحابة تمطر على أيّ أرض عطشى لا تقيدها الفصول.
كان هو مصدر الكثير من الفيديوهات المسرّبة من الداخل في ظلّ الخوف من التعرّض للاعتقال الذي عانى منه ريزان سابقاً.
يحتفظ في ذاكرته بتفاصيل الملاحقة الأخيرة ، ذات جُمعة من جُمع ٢٠١٤ حين كان منكمشا كفأر صغير خلف زاوية ذلك الزقاق الضيق غرب الجامع يصوّر الاعتداء على مجموعة شباب عزل بالهراوات وأعقاب البنادق وتوجيه الإهانات ، فجأة لمعت عيونهم كالقطط المتوحّشة حين لمحوا الكاميرة.
انطلق ريزان كالسهم مخترقاً صفوف الناس محتضناً كاميرته، قطع مسافة طويلة، كان يلهث بشدّة، وينتابه شعور بالاختناق.
كلما أراد أن يستريح كان الخوف يمنعه، فيتابع حتى دخل حيّ الهلالية، وأخذ ينزلق من زقاق لآخر، ومع كلّ التفاتة يزيد من سرعته أكثر، فغريزة الخوف متحكّمة به، وقد جعلت عضلة صدره تهتزّ، وترتعش مع أطرافه.
قد كانوا يشدون في إثره، دخل ريزان في زقاق فرعي ودفع أحد الأبواب حتى كاد يخلع مصراعه، واندلق إلى الحوش زاحفاً، وقد نشف تماماً.
أشارت له فتاة كانت تراقب من فوق الجدار: تعال...
كان الناس يشاهدون ما يحدث من على سطوح المنازل ، فقد كانت من المشاهد الاعتيادية عقب كلّ مظاهرة.
حين دخلت بهية إلى دارها متسائلة عن الشاب الذي كان يركض ودخل بيتهم ، أشارت الفتاة إلى الحائط المنخفض بينهم وبين جيرانهم، وهي ترفع كفّها ثمّ تثنيه.
رجعت بهية إلى الزقاق لإشباع فضولها والتهكم على رجال الأمن والناس المهتاجين.
أدخلت الفتاة ريزان الصالون الذي فيه بابان، ودلفت قبله إلى أحدهما، وكان فيه صندوق مستطيل الشكل، ارتفاعه أقلّ من متر، وطوله أكثر من مترين ،عليه تل من اللحف والفرشات والمخدات ، وخلال ثوانٍ كانت الفتاة قد استبدلت بينه وبين كومة من الثياب التي أخرجتها من الداخل، ليدخل هو في رحم ذلك الصندوق متكوراً لساعات بدت له شهوراً طويلة ، وكان بعض الانفراج حين لمح بعض النور ، ناولته سندويشة مفركة بطاطا التي بقي مذاقها كأطيب المأكولات
وأشهاها على مرّ السنوات .
تنفّس الصعداء وكأنّ الصندوق قد اتّسع فجأة سعة قلب هذه الفتاة معدية!
طالما شعر بالندم حين لبّت طلبه، وهاتفت أهله، لتطمئنهم عليه ،شعر أنها كانت أسوأ فكرة خطرت له حين سمع صوت زوجة أبيها وهي توجّه لها أقذر الصفات وتعيرها، وطغت شتائم بهية على همس الفتاة وهي تقول بألم: آه أفلتي شعري، آهتها أوجعت قلبه.
شعرأنّه موؤود بعد وئيد صوت بهية لا فرق بين صوتها و صراخ الذين لاحقوه ،كان يرى بقلبه مبلغ خوف الفتاة ،أيّ مصيبة ستحلّ بها إن أحسوا بوجوده معها !
كان كلامه واقفاً بين حنجرته وفمه، يريد طمأنتها وشكرها و التخفيف عنها، لكنّه بقي منطفئاً بمكمنه.
في الفجر أُفرج عنه، في نظرة خاطفة حوله لاحظ كتباً مدرسية للمرحلة الثانوية، عليها اسم فاطمة.
بهية ذهبت إلى الفرن قبل أن تأتي، لفت كاميرته بلفحتها الخضراء ذات الورود الحمراء، وحملتهُ الصرّة ، نظر في عينيها لأول مرة ، الشمس كانت متكاسلة ، جزء من وجهها كان مضاء ، ارتعشت أهدابها في وداعة، في عينيها استغاثة ضائعة. فجأة رفعت يدها، لتعيد خصلة الشعر التي تطايرت، وهي تتصنع النظر إلى المأذنة القريبة.
تذكّر كلام زوجة أبيها حين عيرتها. ابتسمت ابتسامة صافية وأحنت رأسها. وبصعوبة تحكّم بيده التي أرادت أن تمتدّ إلى ذلك التشويه في صيوان أذنها، وتخيل أنه بلمسه منه ستعود أذنها طبيعية، تمنّى في تلك اللحظة لو أنه درس الطبّ بدل الهندسة.
شعر بشيء لامس قلبه بلطف ثمّ اخترقه، فابتسم لها، ورفع يده مودّعاً.
انحدر يتدحرج مستقبلاً وجه الشمس.
عند وصوله حيّ البشرية قادماً من الهلالية كان قد انتهى المخاض، وشعر بروحه تتبرعم.
خشية أهله عليه لم تمهله، فقد عملوا على تهريبه في نفس ذلك اليوم إلى حدود إقليم كردستان حيث بقي هناك شهوراً، ومنها هاجر إلى ألمانيا.
خلال سبع سنوات كان ريزان قد فلح وزرع حديقة حياته بأجمل الزهور، وعمل على تشذيبها، فقد أصبحت اللغات التي يتقنها أربعاً، وكان يأخذ من ذاته، ويعطي من ذاته.