القط والإنترنيت


1 قراءة دقيقة

 بتبجّحٍ، يمشي الهوينا، متبخترا بفروته الناعمة، بلونيها الأبيض والأصفر، يموء، يقفز، يخرّ، يحرك ذيله في تفاخر، وهو يسير ببطء نحو أنثاه، التي تتوسط الجدار الفاصل، بين بيتنا وبيت جارنا، هناك كانا يموءان معا، تبرق أعينهما العسليتان، في نشوة مائعة، فشباط لم ينتهِ، حتى ولو أصبحنا في حزيران. يرفع قائميه بتواتر مُحبّب، يمسّد بإحداها على رأسها، ويقترب، لامسها بشاربيه، قابلته بالمثل، كانا يتحابان بعشقٍ، على سلك أصفر، يمتد على طول الجدار، ينتهي بعلبة الراوتر الرمادية، هناك، كان ودّهما يضغط على آلاف الاتصالات، والذبذبات، التي مرتّ وتمرّ كل ثانية في هذا السلك، لا يدريان أنهما جعلا كل شيء في السلك يجري بسخونة، حتى تلك العواطف الباردة بين القلوب المهاجرة والآباء المقهورة، لقد تركا كل شيء يموج في بعض، كبحر يغمر الشاطئ بزبدها، هنا أصبح الكلّ واحداً، وتساوى الجبل بالوادي، والسهل مع التل، الصحراء مع النهر، هناك لم تبقى للحقيقة قيمة، وللخيانة وزن، وللصدق أذن وللنميمة حدود، واختلطت الأديان معا، في زوبعة من الفوضى الخلاقة، هنا تجد الإمام يسجد في كنيس، والقس يرتل في جامع، والحاخام يؤذن على المنابر، وكل المذاقات باتت واحدة، فلا فرق بين مالح وحامض، وحلو وحاذق، واللغات تحولت إلى إشارات بلا مشاعر، عوّضت عنها بوجوه الإيموجي الخبيثة، هناك كانت الحيوات تنتهي حين يرفع الأموات رؤوسهم من تحت التراب، آلاف المقاطع امتزجت في عاصفة من الصور المتلاحقة، ساخنة حينا، وحينا باهتة، في شذوذ من الملذات، لا تنتهي. قط أسود آخر، يتجرأ عليهما، ليغزو مخدع متعتهما تلك، يخطو نحوهما في تكبّر مبالغ فيه، اشرأبّت نحوه الأعين الماجنة، نهضت من تحته تموء، تخرّ بميوعة، تهرب من معركة وشيكة، بين متنافسيَن، هجم الغازي على العاشق، دافع العاشق عن عرينه، صعدتْ الصرخات من خلف الحناجر، اشتبكت المخالب حتى انغرزت في كرات الفرو، لحظات قليلة وهرب الأسود، يجري خلفه الأشقر، ابتعدا، بعد أن خلّفا دماراً في علبة الراوتر الرمادية، فما إن بدأت معركة البقاء للأقوى، حتى سقط الراوتر ضحية حبّ ولحظات سعادة غابرة، حينها، أسودّ كل شيء في عالمي، وظهرتْ جملة على شاشة هاتفي: فُقد الاتصال بالإنترنيت.