الفراشات المحترقة


1 قراءة دقيقة

كنتُ هناك، عندما بدأتْ أسرابٌ من الفراشات الملونة، تحلّق عاليا مع النسمات، آتية من حقل القمح ذاك، على أطراف القرية النائية، حينها، كانت نسرينُ تحضن بيسارها، أصابعَ يد ريزان اليمنى، ويخطوان معاً داخل الحقل، خطوات هامسة، ويزرعان على درب أقدامهما، ابتسامات خضراء نديّة، كتلك السنابل المورقة، رأيتُ بعينيّ اللتين، يغشاهما النعاس، في ساعات الصباح الأولى، تلك السنابل، وهي تحتضن بأوراقها، أرجلَ العاشقيَن، وكأنها ترتشف الحُبَّ من خلالهما، حتى الانتشاء، فتزهر أعينهما معا، كالنرجس.

فيما مضى، كان الحقل مزار العاشقين، يعلّقون نذور حبهم، على أغصان شجرة رمان عظيمة، تتوسط الحقل، ويهمسون لأوراقها، عمّا يتمنون، واثقين من أنّ هذه الشجرة المباركة، لم، ولن تخذل العشاق أبدا، مؤمنين بأن الرياحَ ستأخذ تلك النذور إلى السماء، مع هبوبها الأزلي، فتهيم مع الغيوم، حتى تهطل ذات يوم، وتسقي الزرع، وقتها، ستمتلئ السنابل قمحا، وتورق الحياة بالأمل، من جديد.

وهناك، كان هذان العاشقان قد تواعدا، حتى يعقدا بعضا من نذور قلبيهما، بشرائط خضراء، حول إحدى الأغصان، لترفرف مع بقية الشرائط الملونة، لحظة هبوب نسيم نيسان، نيسان الذي كان في أوله، فزخاته العطرة، ما تزال متشبثة بتلك الأوراق، لتزيدها بريقا عند الشروق، وكانت الفراشات وقتذاك، قد مرّتْ بهذين العاشقين، وحامتْ حولهما احتفاء بهما، فمنها من أكملتْ تحليقها، وطارتْ عاليا، ومنها من بقيتْ، تحوم حول نسرين الجميلة، لتستقر إحداها فوق خصلة شعرها الأشقر، ظنّاً منها إنها الشمس، في تلك اللحظة، اشتعلتْ نيران الغيرة في قلب ريزان من الفراشة، فاقترب من محبوبته، وهشّ بيده فوق رأسها، لتحلّق الفراشة بعيدا مع الريح.

سمعتُ ريزان يهمس لها: إنّ حزيران آت، والمحصول وفير، وبعد الحصاد، تكون الفرحة، وأنّ عرسهما سيقام على هذه الأرض، بعد جني الحصاد، حينها رفرفتْ أمواجُ أخرى من الفراشات الصفراء حولهما، لتشهد مع تلك السنابل على وعده لها، ويُكملا سيرهما عبر خطوط الزرع المتوازية، والمتمايلة سنابلها مع النسمات، كنتُ أصغي إليهما، وأتابع بعيني خصلات شعرها الطويل، وهي تلتف قريبا من رقبتها، وتتراقص حينا آخر على ظهرها بقوة، كأنفاس لاهثة، لرجل عاشق.

جاء حزيران في موعده ككلّ عام، ينتظر تلك المناجل كي تحصد ما تعلّق بسنابله من آمال، ويجمع بين القلوب العاشقة الموعودة، في بيادر صفراء عظيمة، وحدها شرارة من نار صغيرة، تسلّلتْ عبر الأثير، لامستْ شرارتها السنابل، فاشتعلت معا دفعة واحدة، وعلا معها عويل الناس الخائفة من احتراق المحصول، تصاعدت سحب من الدخان والنار فوق القرية، هرع أبناؤها الجوعى، لنجدة أشقائهم السنابل، كلٌّ إلى حقله، في أيديهم المعاول، وخرق بالية تروي حكاية بؤسهم وشقائهم، ودلاء عطشى؛ ما تلبث أن تُملأ بالماء، حتى تجفّ، فيتبخر ماؤها، مشكّلة سرابا من أحلامهم المحترقة، بلهيب ذلك اليوم.

اختفى ريزان وسط تلك النيران، مع رجال القرية، علتْ صيحاتهم مع أعمدة الدخان الباسقة، أنفاس مضطربة، حارة، تحولتْ إلى أنين، كأنين أرض عطشى، وحتى الغصات المحتبسة في الصدور، وجدت طريقها للعلن، لقد تاه ريزان في السراب الغريب، كآمال كل شباب القرية بالزواج، ومعه احترق قلب نسرين، ركضتْ صوبه بثوبها الكردي الطويل، الذي شبّ في تلابيبه النار، لحظة دخولها الجحيم، ضاعت معه، لأجله، لحلمهما الذي أصبح رمادا وهباب، ولم تعد، وهو أيضا لم يعد، سواد الحقول المترامية غطى برماده جسديهما الغضيّن، لفّهما أهل القرية بكفن واحد، لأنهم لم يقووا على تفريق قلبيهما المتلاصقين معا، كأبدانهما المتلاحمين العاريين، كانا كشمعة واحدة ذائبة على حافة المنفضة، لقد حقّقتْ الشجرة وعدَها، وجمعت بينهما إلى الأبد، وبدلاً من أن تسقي السماءُ أرضَ السنابل بنذورهما، سقتْ المقبرة بالدموع.

لا أدري إذا كانت تلك الفراشات قد احترقت هي أيضا، تلك التي كانت تختبئ بين خصلات شعر نسرين، والتي كانت شاهدة على وعدهما، كل ما أعلمه في ذلك اليوم المشؤوم، أنني وقفت على قبرهما، مزارهما، كقبر (مم و زين) ومعاتبا (بكو) في أسى، فنارُ حقده قد تجاوز الزمن، متسائلا في الوقت عينه:

– إذا ما عادت الفراشات في نيسان القادم، وسألتني عنهما، فماذا عساي أن أقول؟

نثرتُ بعضاً من بذور قمح محترقة، من أرض ريزان على قبريهما، وزرعتُ شتلتين من الزهور الملونة، فقد تزورهما تلك الفراشات الصفراء ذات يوم، وتنعم بالرحيق، جلتُ بنظري في المكان، لربما ألمحهما الآن، كفراشتين، ترفرفان بأجنحتهما فوق المقبرة، فترتفعان وتطيران بعيدا، مع الأمنيات.