الشباب الكردي ماقبل 2011


1 قراءة دقيقة

الشباب الكردي
ماقبل 2011

*- ابراهيم بركات
– في بداية السبعينيات من القرن الآفل كان الحراك السياسي في سوريا في أوجه كامتداد طبيعي للمدّ الثوري الذي بدأ وهجه يشّع منذ الخمسينيات مع بروز بواكير الوعي القومي السياسي لدى كردّ سوريا، ولاحقاً تبلوّره من خلال تشكيل أول تنظيم
سياسي كردي، بالتزامن مع بروز مؤشرات تمخض كردستان العراق بثورة وشيكة وتالياً قيام كردي وتفاعل كرد سوريا مع ما يحدث وراء الحدود { هذا كردياً }.
أما في الضفة الأخرى { العربية } فكانت انطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة، بزخم ثوري كبير أرخى بظلاله على المنطقة ككل، ومن رحم القضية الفلسطينية خرج الصراع العربي – الإسرائيلي الذي مازال مستمراً رغم التصدعات التي اصابت القضية برمتها.
أتذكر في بداية الثمانينيات كانت السياسة خبزنا اليومي، لأن الحراك السياسي حينذاك كان تحت تأثير ذلك المدّ الثوري بكل تلاوينه وتياراته ، وكانت الجزيرة وقتذاك تشبه ما يمكن تسميته بـ { صالون سّياسي }.
ومع تبلور الموزاييك السياسي في مشهد الشارع الكردي (تحديداً) في سوريا، بكل ما أفرزته من الأحزاب والتنظيمات وما تشكلت لاحقاً نتيجة تشّظي هذه الأحزاب التي استظلت بعض منها بوهج التجربة السوفياتية ، وبعضها الآخر أرتمت تحت عباءة كرد العراق بلونيها، ما أدّى إلى انشطار هذا المشهد بين اليمين واليسار بمختلف تلاوينه وتياراته، وفي هذه المرحلة كانت الأخطبوط البعثي قد تغلغل إلى كافة المفاصل الأساسية في بنية المجتمع السوري برمته، وبات يتحكم بأدق تفاصيل للمجتمع السوري بعباءة مخابراتية تشّد الخناق على التفكير والحياة اليومية للمواطن السوري، وتستولي على ملكاته الفكرية والنفسية تمهيداً وترويضاً لتفشي الفكر البعثي بين المجتمع بشكل قسري وخاصة الشباب منه بالترهيب والوعيد، بالترافق مع اشتداد خنقه للأحزاب والحركات الأخرى حتى الغير معارضة، فاختفت الحركة الطلابية الفاعلة وكذلك العمالية، مما أدى إلى تسّرب الميوعة والقرف إلى المشهد مفسحً المجال مرغماً للفكر البعثي الشوفيني وأدواته القمعية لسلب الحياة السياسية برمتها.
وفي المساحة التي حاولت الأحزاب الكردّية، القيام بدور فاعل والسيطرة على الرقعة الجغرافية رغم محدوديتها لم تستطع هذه الأحزاب من فتح آفاق جديدة، ومحاولة فتح ثغرة لترتقي بنضالها وعملها إلى مستوى متطلبات المرحلة ورفع سوّية الفكر الكردي من خلال الموروث التاريخي المتراكم واستثمار في مواجهة سياسات الإلغاء وطمس الهوية وزج الشباب في العمل السياسي المجدي لتجاوز حالة الخوف والرعب من ممارسات السلطة.
فالشبيبة الواعية قادرة على الخروج من معركة أثبات الوجود بأقل تضحيات ولكنها في النهاية تكون قد أنجزت ما تحتم عليها القيام بها أمام شعبها والتاريخ.
غير أن أقصى ما فعلته الأحزاب الكردّية هي المحافظة على ذاتها مع هامش محدود في الحراك السياسي، وخاصة بعد بروز ظاهرة الـ ب ك ك بين كرد سوريا وانخراط اغلب الشباب الكرد في صفوفه واستنهاض حالة شعبية قلت نظيرتها، مما فتح الصراع في أكثر من أتجاه، ومحاولة كل طرف الاستحواذ على الشارع السياسي بل احتكاره، فتراجعت أولويات مطالب كرد سوريا إلى دون مستوى المطلوب وبات هاجسهم الحدّ من أنتشار الـ ب ك ك، لكن بقي الصالون مفتوح الأبواب أمام كل تيارات الرياح والأعاصير من مختلف الاتجاهات والحراك فيها حامية الوطيس، هناك عامل مهم ساهم في رفع وتيرة الحراك السياسي هو التحوّل في كردستان العراق في أوائل التسعينيات مع إعلان كردستان ككيان سياسي مستقل بمؤازرة أمريكية، بعد الحصار الذي فرضه مجلس الأمن على النظام العراقي آنذاك.
ومع انهيار أتحاد السوفياتي وتداعياته على المنطقة، أدى إلى إصابة اليسار في الصميم، وكانت لهذه الصدمة تأثيراتها على المشهد السياسي السوّري عموماً والكردّي خصوصاً، بالتزامن مع استفحال ظواهر عديدة بين المجتمع ،- القمع السياسي، البطالة، الفقر، الفساد – الذي أستشرى في جميع أجهزة الدوّلة من النهب والاستيلاء على قوت الشعب، والتململ والإحباط اللذان باتا يعاني منهما الشريحة الشبابية وسد جميع المنافذ أمامها، وكأن من يعمل على حملها للهجرة هرباً كحل لأوضاعها المزرية، مما دفع بشريحة واسعة إلى الهجرة هرباً من هذا الواقع المؤلم، وفي غياب إيه بوادر ومؤشرات للحل تلوح في الأفق، فباتت الهجرة حلم يدغدغ مخيلة أكثر من 075/100 من الشباب، كما كان للحراك السياسي الكردي تحديداً تأثيره السلبي على ذهنية وفكر الشباب حيث المشهد بات يكرر نفسه ويدور في حلقة مفرغة، مع تمسك القيادات (التاريخية) وبطانتهم بكراسيهم ومراكزهم، وكما لم يستطع (ربيع دمشق) من إخراج الحياة السياسية السوّرية من عنق الزجاجة، رغم وأدها من قبِل السلطة لاحقاً، وبقي المشهد في ذات المنحى وعاد الركود إلى الشارع السياسي، خاصة في غياب أية رؤى أو رؤية واضحة للمعارضة وانشطاراتها هنا وهناك وباتجاهات مختلفة، وغياب برنامج واضح تلّم شمل هذه المعارضة، ناهيك عن عودة الرهبة والخوف من القمع المعشعش في ذهن كل سوري، مع مجيء جيل جديد من رموز السلطة وبطانتها، تمارس قمعها واستبدادها وتحكم البلد بالحذاء العسكري.
لذا فكما كانت الإرهاصات السابقة والتجليات اللاحقة لم تنقذ ربيع دمشق لأكثر من سبب، ولم يكتب له الديمومة، كذلك مرّرت أحداث 12 آذار وتداعياتها دون أن تترك بصمتها المؤثرة في المشهد السياسي الكردي، سوى مظاهرة هنا واعتصام هناك اقصى مطالبهم كانت أطلاق سراح المعتقلين على خلفية تلك الأحداث.
ماعدا ذلك بقيت مفرقعات لا تجدي نفعاً، فلم تستطيع الأحزاب الكردية استثمار أحداث 12 آذار لرفع سوية عملها ونضالها، خاصة بينت الأحداث حجم وضخامة القوة الشبابية الكامنة في المجتمع الكردي، وهي بحاجة لمن يديرها باتجاه الصحيح تنقذها من هذه الدوامة التي تتخبط فيها، إنها بحاجة لقيادة مدّركة لشراسة المعركة وتستطيع الإمساك بزمام الأمور، لا يمكننا جعل الديمقراطية مجرد شماعة نُعلق عليها أخطاؤنا بل خطايانا، ونتغنى بها، إنها عرف سياسي وإنساني تمارس ممارسة خلاّقة فهي كفيلة بخلق جيل شاب مدّرك وواعي ومندفع ومبدع استناداً إلى الموروث التاريخي المتراكم وإلى مجمل تاريخ الحركة الكردّية والسورية على حد سواء.
على العقلية السياسية الكردّية التخلص من صورة الشخصيات النمطية التي تحكمت بها، للخروج من هذه الشرنقة، إلى فضاءات العمل السياسي الذي يتكامل فيه العناصر الذاتية والموضوعية لتصب في نهاية المطاف لمصلحة سواد الشعب، بكل ما تحمله من التوق إلى الحرية وممارسة لحياته الإنسانية الكريمة وتحفظ له كرامته واعتزازه بانتمائه الوطني والقومي.
أسبارتاكوس كان عبداً في روما القديمة ونتيجة ما عاناه وأبناء جلدته من الأسياد أستطاع قيادة أول ثورة في تاريخ البشرية هي ثورة العبيد.
فما بالكم ونحن أبناء القرن الواحد والعشرون…..؟؟؟؟؟