الشاعرة إخلاص فرنسيس بين معابد الاقصر و النيل رحلة عودة...


1 قراءة دقيقة

الشاعرة إخلاص فرنسيس بين معابد الاقصر و النيل
رحلة عودة...(قراءة في نص الصباح.. عيد على مرمى النيل).

عبدالوهاب بيراني*

و كأنها دوما على موعد مع الصباح.. تختزن مونته في هزيع الليل، تخمر كلماتها في اتون الشعر، وتكسيه بخيوط موشاة من المعاني و الرؤى، فالصباح عندها عيد معلن للاحتفال بنسيم الحياة مجددا، فالليل سبات و ربما زفرة النهاية عندها، تتجدد شهيقا مع كأس الفجر فتعب منه رائحة الحياة، و ترتسم ذكرياتها بنضج متخم، ذكريات مرت في الأمس القريب من ههنا بخطواتها الوئيدة، كانت صدى خطواتها ترتج في قاعة الملأ و ممرات المعابد الحجرية الممتد في كهوف الجبل المقدس هناك في المعبد ترتدي عباءة من اللوتس الفرعوني و تغرق في أسفار الريح الصحراوية وهي تنشد للحجر اناشيد الفجر و الإلهة، ترفع انخابها في كؤوس من ضوء سري يستمد ملوحته من سفر الاغاني تتسلق حلم بلهفة الميعاد، تنزوي بمحاذة نهر العبور من عالم العتمة و الظلمة الأبدية إلى خلود الضوء و النور.. تيمم نحو شطر الحياة بلهفة و تشهق هواء و تعود لممارسة الحضور بعد غياب.. تلتمع بروقها بعد زمن صدئ في ذلك المكان البهي و المقدس حيث لا شيء سوى الصدى و حفيف الريح، يلامس مجاديف العابرين و حروف و قصائد و ابتهالات دينية تتكىء على عواميد من حجر ، في ذلك المكان ثمة امرأة وحيدة تبحث عن ظله و المدى يضيق كلما اوغلت في البحث فترتد إلى روحها الذي يضيق بها، تكفر بالاناشيد و بالمكان و بالحلم و لا تطلب سوى أن ينهض ذاك الظل من عالم العتمة و يرتق روحها و اشرعة سفينة الرحيل.. لتعود إلى الحياة، إلى صبح تمسح عنه غشاوة الرؤية ليعود بها العمر و تمسح عنه بقايا غبار و تمسك يده و تعود معه تحتفل بالحضور و بالصبح المرمي على صفحة النيل و تتنسم معه أنفاس الحياة.
نص الشاعرة إخلاص فرنسيس يعتمد على تناص من تاريخ مصر الفرعونية حيث الموت و الخلود و رحلة العبور مابين عالمي الموت و الحياة و تبرز علامات النصوص الفرعونية كقداسة نهر النيل و طقوس الاستحمام المقدسة و التي سبقت طقس التعميد بالديانة المسيحية بقرون و يأتي ذكر ممرات المعابد الحجرية و الملح و زهرة اللوتس و الأسماء القديمة حيث اكتست بالغبار، و من عوالم مصر القديمة و من رائحة معابدها و كهوفها و عذوبة نيلها الخالد كاسطورة للحياة حيث كما قال هيردوت :مصر هبة النيل، و من هذه الهبة كان نص الصباح بهمسات رقيقة و مشاعر حب و وفاء لمصر و لتاريخها و لنيلها وهي إزاء كل هذه العمومية او الجمعية لا تنفك تبحث عن ظل حبيب توارى هناك خلف الغياب.. خلف عواميد هياكل المعبد المقدسة.. لعلها تجده عائدا من رحلة الذهاب، تحاول أن تعيده للحياة فيرفل قلبها مجددا بصباح ندي كما العيد الذي لا يبعد عنها و عن حلمها سوى مسافة مرمى النيل، يرسل لها زخات نداه في فجر نقي و شهي....

هامش1 (النص بقلم الشاعرة و الكاتبة إخلاص فرنسيس)

الصباحُ
عيدٌ على مرمى النّيلِ
أعبُّ من رائحةِ الحياةِ
في كأسِ الفجرِ
متخمٌ بالذّكرياتِ
خواطرُ عابرةٌ
تستحمُّ ذاتَ زمانٍ
في الأمسِ القريبِ
في كهوفِ الجبلِ
وممرّاتِ المعابدِ
مشتْ
تزيّنُ الفجرَ بابتسامتِها
يضيءُ جسدُها ملحَ الأغاني
ترتدي اللوتسَ عباءةً
تسبرُ غمارَ الرّيحِ
وجدارَ البرقِ
وغورَ النّهرِ
تتسلّقُ الحلمَ
تفتعلُ الحضورَ في الغيابِ
ترمّمُ ما كسرهُ الواقعُ الصّدئُ
تيمّمُ شطرَ اللهفةِ
تتكّئ على شهقةِ الحروفِ
وامرأةٌ تبحثُ عن ظلّكَ
وحدي
ضاقَ المدى بي
باطلُ الأباطيلِ ما أرى
انهضْ بي، وارتقِ شرخَ الأسماءِ
وامسحْ غبارَ السّكينةِ عن عمري.
١٨ كانون ثاني ٢٠٢٠

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٢‏ شخصان‏، ‏‏بما في ذلك ‏عبدالوهاب بيراني‏‏، ‏أشخاص يبتسمون‏‏‏