الخبز والثورة


1 قراءة دقيقة

حين وصلت عربة سانتا كلوز الثورات العربية إلى هذا البلد وخرج المقهورون من سكانه للاحتفاء به في مظاهرات عارمة مطالبة بهدايا لا تُختزل في تأمين الخبز وثبات سعره، كما كانت المعارضة المسبقة الصنع تردده كمطلب استراتيجي، وبأمان لا يقتصر على الأرواح الميتة؛ فضيلة السلطة المرهونة بدوام موت الأرواح، وتفعيل الملك لله والشعب لا للسلطان وأتباعه، حين حدث ذلك كان من البديهي أن تعترض الأشباح عربة الميلاد الجديد التي كانت تجوب المدن والبلدات السورية وتكسر عجلاتها وتلطخ جسد بابا نويل وثيابه بالدم، لا باللون الأحمر المعتاد.
ظن الناس أن الثورة ستحقق ما تريده في وقت غير طويل أسوة بالبلاد العربية التي انتصرت فيها، رغم علم الجميع بطبيعة نظامهم الحديدي، وبأن الحصول على الحرية وممارستها في شوارع أرصفتها نظيفة من أكشاك باعة مزدوجي العمل والانتماء، ومدارس للعلم لا للتلقين الايديولوجي والتمجيد المجاني، وأماكن عمل نوافذها مفتوحة لدخول الهواء النقي لا لتنصت أجهزة الأمن، وبأن كل ما كان يصبون إليه قد أصبح أخيراً في متناول اليد التي كانت قصيرة، ومبهجة للعين التي كانت هي الأخرى بصيرة وكسيرة.
ولكن، وبعد أن طال أمد الثورة التي شارفت على السنتين، وكثُرت الخلافات حول طبيعتها وتوجهاتها وسلامة سيرها من جهات عديدة، ليس ممن هم خارجها أو على الضد منها فقط، بل ممن قامت من أجلهم بالدرجة الأساس: أفراداً وجماعات، مكونات دينية وقومية ومذهبية وسياسية. فإن المكاشفة أصبحت ضرورة واجبة، وبدءاً من البديهيات، والأوليات، وفي وضع كان فيه كل شيء مؤجلاً وغير منجز مثل القضية القومية الكردية وتداول السلطات والحريات العامة.. وقبل كل شيء وبعد كل شيء يأتي الخبز.
رب قائل يسارع إلى تكرار قول السيد المسيح دون فهم لأبعاده التي أرادها رسول السلام: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، يقولها وهو شبعان، ولو كان جائعاً كان سيرد على القائل: ولكن كيف يمكن للإنسان كي يحيا أن يعيش بلا خبز؟
لم يكن المواطن السوري يتخيل أن يفقد الخبز، لقمته التي هي منحة من الطبيعة والله وأمنا الأرض، أرض وطنه. مشهد بدأ ينهض أمام الأبصار في كل ساعة وحين، حتى أصبح منظر المواطن السوري وهو ينظر إلى رغيف الخبز البعيد عنه أشبه بمنظر الرضيع الذي يمدَّ يده إلى القمر، وإذا كان منظر الرضيع الذي يرنو إلى القمر وهو يكركر ضاحكاً يثير في النفس البهجة والسرور، فإنه في حال المواطن الحزين الذي يسعى للحصول على هذا "القمر" يثير الحزن والغضب والخزي.
إذ أن مشهد تدافع الناس على نافذة المخابز في طوابير طويلة تتجاوز مرمى النظر، حيث قوى حفظ النظام من عسكر وحراميه تتوزع في المكان وهي تطلق الصياح والسباب والرصاص فوق الأجساد المتماوجة والمتدافعة كالأغنام الُمساقة إلى المرعى أو المسلخ؛ منظر يجعل من يتابعه ممن انتفض وثار دون تدبير وتفكير يراجع حساباته التي لم تتفق مع حساب البيدر، ويجعل في الوقت نفسه كل من كان قاعدًاً واكتفى بمراقبة رجحان كفتي الميزان ولم يساهم في هذه الثورة منذ اليوم الأول يندم على فعلته،
من العجب العجاب أن المواطن السوري المهدور الكرامة على مدى عقود من الزمن، قد أصبح في هذه الأيام يشاهد كرامته تسفح في غير مكان من أجل تأمين معاش يومه وهو ساكت، ليس كشيطان أخرس بل كعزيز نفس ذُل، وإذا كان ذلك يحدث في أكثر من مكان من جغرافية الوطن، فإنه يتجلى بأوضح واقسى صورة له أمام كوى الأفران، وخاصة أمام كوة الفرن الآلي، وذلك حين يتلقى سباب عناصر حفظ النظام أو لسعة عصا أحد أتباعهم المتكاثرين على مضض، أو حين يرسل زوجته أو أخته أو أمه إلى الفرن بدلاً عنه، لا لمرض أصابه أو عجز أقعده، بل لتساهم معه في شراء كمية أكبر من الخبز تكفي لسدّ جوع عائلته لثلاثة أيام، أو طمعاً في الحصول على الخبز في وقت أبكر لا يصل إلى نصف يوم، نظراً لقلة عدد النساء الواقفات في الطابور الخاص بهن بالمقارنة بطوابير الرجال، فيضطر إلى الوقوف في طابوره الرابع أو الخامس ومتابعة زوجته وهي تتحول إلى كومة عجين تتبدل وتتشكل في أشكال مختلفة وسط أمواج الأجساد المتدافعة، وعيناها ترنوان إلى كوة البيع برجاء وحلم، أو تخصان عناصر حفظ النظام بنظرات التملق أو الخوف وربما(؟!!) يتابع كلَّ ذلك وهو الذي لم يسبق له أن شاهدها في حال كهذه وهي في أضعف حالاتها، أو حتى وهي في أمتع الحالات التي راحت بدورها تتراجع في ليل الوطن الطويل، ويزداد منسوب التعاسة والقهر لديه حين يطلق عنصر حفظ النظام نحوها ونحو الجموع المتدافعة من نساء ورجال صيحات الغضب والشتائم وزخات الرصاص، ويد ذلك العنصر أو أحد حماته تمتد نحو صدرها بقصد دفعها بعيداً عن الكوة، فيصمت بالعاً غضبه وحنقه كمن يبتلع بصاقه وقيئه، إذ كيف يحدث ذلك له هو الذي كان على الدوام يحرص أشد الحرص على ألا يمسها سوء أو تمتد إليها يد غير بريئة، إذ كيف يكون هو، لا أحد غيره، من يدفعها إلى ذلك؟! ثم يضطر، بعدئذ، إلى متابعتها، خلسة أو تلصصاً، بنظرات كسيرة كقواد حديث العهد بمهنته أو دوره الجديد الذي أحدثته هذه الأزمة في مسيرة الثورة.
ماذا يمكن أن تفعله الثورة بلا خبز؟!! خبز الطعام، رغيف الخبز، وليس خبز الايمان أو خبز المعرفة، المادة الأولية والأساسية على موائد الغالبية الساحقة.
لم يعدْ "المواطن" يملك الوقت لمتابعة ما يحدث في المناطق الساخنة من مجازر وأهوال بتعاطف أو غضب كما كان يحدث قبل زمن قصير، ليس لبلادة أصابته فجاءة، أو (تطنيش) ماكر، أو تواطؤ ذي خلفيات وحسابات قديمة جديدة كما يحلو لبعض المبتلين بداء التعصب وقصر النظر وصفه ولصقه بمن يخالفهم مذهباً أو قومية أو توجهاً سياسياً، ليس لكل هذه الأسباب، ورغم أهمية الإنارة والكهرباء في حياة البشر التي منّ بها علينا العم أديسون، وانعكاس ذلك على كثير من مرافق الحياة وأولها استجرار المياه، والإنارة في البيوت وكهربائياته والشوارع والنت والهواتف والتلفاز، فإن هذا السبب أيضاً ليس بالسبب الواحد الأحد، بل بسبب مضحك مبك لم يكن أحد يتوقع حدوثه في زمن أصبحت فيه الأحلام واقعاً، إنه انتظار الخبز، انتظار يتجاوز أحياناً نصف يوم، أو ليلة كاملة تبدأ مع غروب الشمس وتنتهي مع بداية شروقها. إذ في سوريا فقط تنام الشمس ولا ينام المواطن، إذ كيف يفعل ذلك وهو ينام ويصحو أمام باب الأفران بانتظار الحصول على الخبز لا بانتظار غودو أو المهدي أو حتى المسيح. وليس في هذا مبالغة إلا لمن يحصل على خبزه من السماسرة بثلاثة أو أربعة أضعاف ثمن الربطة الواحدة...وبشق الأنفس.
لم يعدْ كثير من العامة بل كثير من الخاصة المعنيين بالهم العام يفكر بما يقوله المحللون عن الوضع الداخلي، لم يعدْ هؤلاء يسألون عن آخر التطورات وطروحات الحل التي تجود به هذه الجهة الدولية أو تلك، إذ كيف يفعل ذلك وهو يدرك أن هذا الفعل سيكون على حساب حجز دور له في الطابور الممتد كثعبان أمام كوة بيع الخبز. وذلك لاختصار زمن الانتظار ساعة أو ساعتين، وقد بات، إضافة إلى ذلك، يدرك في دخيلة نفسه أن قضيته التي، انتظر حلّها زمناً أطول من عمر، أصبحت لعبة ركلات بين اللاعبين الدوليين الرئيسيين، وإنه قد تحول إلى مادة للبيع، مادة رخيصة في أسواق الإعلام وقاعات المؤتمرات لشخصيات وفاعليات تتوسد أرائك من حرير في فنادق وأبراج عالية، وتتناول طعامها على موائد عامرة بأصناف لم يسبق لها أن رأتها أو تذوقت صنفاً واحداً منها.
بورصة سياسية وإعلامية مادتها وطن بائس ومواطن مقهور.
الشعوب أيضاً تسير على بطونها وليس الجيوش فقط كما قال نابليون ذات تاريخ، فلا يمكن لشعب يجوع أن يدوم سكوته طويلاً، ليس ضد من سلب منه لقمة خبزه فقط، بل لمن يُتجار بها أيضاً. لم يعد الأمر مقتصراً على كرامته وحريته المغيبة منذ عقود، بل أصبح يهدد وجوده وبقاءه البيولوجي الفيزيقي نفسه.
إن غريزة البقاء التي حفظت النوع البشري من خطر الوحوش ذات تاريخ فلجأت إلى أساليب وطرائق كان بعضها أكثر وحشية من خصومه الوحوش أنفسهم، بدأ الجوع الذي يهدد وجوده بعملية إحياء تلك الغريزة النائمة منذ قرون، والتي لن تولي القيم والأعراف والضمائر أدنى أهمية، وتعيد الإنسان إلى سيرته الأولى بعد أن تنزع عنه كل ما جعل منه مخلوقاً في أحسن تقويم وتكوين.
وإذا كنا لم نستغرب خروج من عاد إلى بيته ووجد أباه أو أخاه قتيلاً فخرج إلى الشارع ليقاتل، فلن نستغرب مثل الغفاري ممن لم يجد في بيته قوت خبز ولم يخرج ويقاتل، بل لن نستغرب عودة الإنسان الجائع في غابة كان اسمه وطناً إلى بدائيته وحشاً كاسراً. حينها سيكون من الطبيعي أن يلتهم هذا الوحش كل من أعاده إلى بدائيته من: حكام أهدروا كرامته وانسانيته، وممثلين عنه من نكرات تحول بعض منهم إلى نجوم إعلام وأباطرة مال، كما تحول من كان من أصحاب الدكاكين الحزبية الفقيرة قبل الثورة وكذلك القوادين في أسواق النخاسة السياسية والاخلاقية إلى قادة وساسة يشار لهم بالبنان؟!!!
سيأتي يوم لن ينفع فيه أحداً منا إبداء مشاعر الاستهجان أو الدهشة أو الندم أو التباكي على ما يحدث..
حذار..
إن معالم هذا المشهد المفزع بدأ بالارتسام في ليل سوريا الذي طال كثيراً.

(كلام قلته ونشرته يوم 5-12- 2013. ويبدو أنه لم يفقد راهنيته للأسف، بل بالعكس، فقد تفاقم وضع الجوع.والذي بدأ يفتك بأهلنا في الداخل. والسبب ليس الله ولا القدر ولا الطبيعة،.بل السادة اللصوص وتجار الحروب والأزمات وباعة الأوهام والشعارات)