أسلحة حروب لا تعرفونها


2 قراءة دقيقة

آلآن كرد 

أسلحة حروب لا تعرفونها                                                                                                                                                                                                                           

لا توفر الأنظمة الحاكمة والشركات الكبرى جهداً بشأن حق امتلاك المعرفة والهيمنة على مصادر المعلومات. فالمعرفة قوّة وسلاح يوازي المال والعتاد العسكري. ولأن المعرفة بهذه الأهمية هناك من يحاول الاستئثار بها لنفسه.

                                                                                                                                                            

هل تعرفون أنّ الإعلام يلعب دوراً في صناعة الجهل؟ تعالوا نتعرف كيف تعمل بعض الأسلحة الصامتة لحروب هادئة لا تعرفونها!
صناعة علم الجهل
صناعة الجهل مرادف لتحويل الإنسان إلى مجرد مستهلك في الحقل الاقتصادي، فالمستهلك يجب أن يكون جاهلاً، لأن الإنتاج يتطلب الإبداع والمعرفة. وهذه الصناعة واحدة من أدوات تشكيل الإنسان النمطي بنماذجه الثلاثة: المستهلك الخامل، والمتمرد المغامر، والهامشي، وواحدة من أدوات قوى الهيمنة لتأبيد سيطرتها.
يستهدف علم صناعة الجهل العمال الزراعيين والصناعيين والموظفين وأساتذة المدارس والجامعات والطلاب والجنود رجالاً ونساءً للتحكم بمصائر الناس، أي: الفقراء الذين يشكلون 90 % من سكان بلد ما، وتلعب وسائل الإعلام دور وسيلة صناعة الجهل.
يعرف هذا العلم في الأوساط الأكاديمية بـ Agnotology هو علم يدرس غرس ثقافة الجهل أو الشك أو الوهم، ويجري من خلاله نشر بيانات خاطئة أو غير كاملة. وأول من بحث في هذا العلم هو روبيرت بروكتر الأستاذ في جامعة ستانفورد عام 1995.
بائعو السمك في حارة الصيادين
تستند أساسيات علم الجهل إلى ثلاث قنوات، وهي: بث الخوف لدى الآخرين، وإثارة الشكوك، وصناعة الحيرة.
أوضّح مثالٍ على ذلك، ما يصدر عن الحكومات في تجسيد مبدأ إثارة الرعب لدى المواطنين، لتمرير مصالحها وأجندتها، فتارة يُصنع أعداء وهميون لتحشيد الرأي العام، وتارة يُمارس ترهيب الجمهور بالقَدَرِ المظلم إذا لم يشاركوا في هذه المعركة أو تلك، وكأن الأرض ستفنى بدون هذا «الهجوم المقدّس». ولذلك من الممكن أن تبيع الحكومات السمك في حارة الصيادين عندما يتهدد بقاؤها، وتنشر معلومات أن الصيادين لا يعرفون الصيد.
الاقتصاد السياسي لحروب السرطان
كتب بروكتر عام 1995 عن حروب السرطان، وكيف تتحكم السياسة فيما يجب أن نعرفه أو لا نعرفه بشأن مرض السرطان، فالرأسمالية اتخذت قراراً سياسياً بمنع القضاء على المرض لاستمرار بيع الأدوية وجني الأرباح على حساب معاناة مرضى السرطان.
في الوقت نفسه، أخفت شركات الأدوية حقائق هذا المرض بمساعدة وسائل الإعلام، وروجت للأدوية التي يجب أن تباع بشكلٍ دائمٍ عبر وسائل الإعلام أيضاً.
يقول ميشيل بيتانكورت: إن الجهل أحد مخرجات صراع الحضارات سياسياً، ويشترط هذا العلم شُحّ المعلومات في العالم الرأسمالي وإبقاء الأغلبية جاهلة.
شرح عالم الأنثروبولوجيا غلين ستون بعض الأمثلة الخاصة بصناعة الجهل، وعلاقتها بمرض السرطان، مثل: الترويج لشراء الدخان، والترويج لطبقة الأوزون، وحقوق الملكية لهندسة الجينات التي تمنع قول الحقائق للجمهور المستهلك.
بدأ علم الجهل في التسعينات من القرن الماضي بالظهور بعدما لوحظ أن دعايات شركات التبغ تهدف إلى تجهيل الناس بشأن مخاطر التدخين. ففي وثيقة داخلية منشورة عام 1979 من أرشيف إحدى شركات التبغ الشهيرة، تبيّن أن أبرز استراتيجية لنشر الجهل كان عن طريق إثارة الشكوك في البحوث العلمية التي تربط التدخين بالسرطان. ومن حينها انطلق لوبي التبغ في أمريكا برعاية أبحاث علمية مزيّفة هدفها تحسين صورة التبغ اجتماعياً ونشر الجهل حول مخاطره الصحية.
السياسة الإعلامية لكوكا كولا
تعتبر إثارة الشكوك ثاني أعمدة التجهيل، وتوظف غالباً في القطاع التجاري والاقتصادي وهذا بالتحديد منهج الكثير من الشركات، فبعد هبوط مبيعاتها بنسبة 25% بدأت شركة كوكا كولا العالمية بدفع ما يقارب 5 ملايين دولار لباحثين أكاديميين لتنفيذ مهمة تغيير فهم المجتمع حول أسباب السمنة، وذلك بتقليل دور المشروبات الغازية في انتشار السمنة، وتوجيه اللوم إلى عدم ممارسة التمارين الرياضية! تنشر هذه «الأبحاث المدفوعة الثمن مقدماً» لإثارة الشكوك عند الإنسان حتى يعيد تشكيل موقفه بما يتناسب مع أجندة هذه الشركات.
تُصعِّب كثرة المعلومات المتضاربة اتخاذ القرار المناسب، ويدخل الإنسان في دوّامة من الحيرة حتى يبدو تائهاً وجاهلاً حول ما يجري، ويزداد العبء النفسي والذهني، فيلوذ الإنسان بقبول ما لا ينبغي القبول به طمعاً في النجاة من هذه الدوامة، وهذه هي الغاية من علم الجهل!
في هذا العصر الرقمي بات الجهل والتضليل سلعة يومية تُفرض على الجمهور من قبل الحكومات والشركات وأصحاب النفوذ، فعلم الجهل وإدارة الفهم والعلاقات العامة ليست محصورة على الغرب فقط، بل تُفرض على شعوب الشرق أيضاً.
آثار وسائل الإعلام
إن وفرة المعلومات خلال عصر المعلوماتية وثورة الاتصالات لا تمهد لإنتاج مواطنين ذوي معرفة، بل إن ذلك يتيح لجهات الهيمنة صناعة مواطنين جاهلين ومن ثم محاكمتهم على جهلهم.
تُلهي هذه السياسة غالبية الناس عن المعرفة الحديثة من خلال تكرارها وإعادة نشرها. وهناك شواهد لما يتعرض له مشاهدو التلفزيون «الاتجاه المعاكس عبر قناة الجزيرة مثلاً» التي تؤدي دور البعد الاستخباراتي للمعلومات.
تبلور نظام علمي له علاقة بالجهل، يدعى Cognitronics والذي يهدف إلى تشتيت الأدراك مستفيداً من التوجه نحو العالمية، ودفع ذلك التشتيت في الإدراك إلى حقول المعرفة عن طريق صناعة معلومات تنعكس على مهارات المتعلمين، بحيث يبتعد الإنسان عن أداء الأعمال بنجاح، وتحويل المتعلم إلى غير متعلم في سباق لا ينتهي ولا يفيد.
أما مجال «إدارة الفهم»، فهو علم تأسس لتوجيه الإدراك الفكري في الأوساط الأكاديمية والسياسية. وتُعرّف وزارة الدفاع الأمريكية مفهوم «إدارة الفهم أو الإدراك» بأنه نشر للمعلومات أو حذف لها من أجل التأثير على تفكير الجمهور والحصول على نتائج يستفيد منها أصحاب المصالح.