منْ مُذكَّراتِ اللَّبوةِ الكُرديَّةِ


1 قراءة دقيقة


أيُّها الوطنُ الحبيبُ و أيَّتُها الأمُّ الغاليةُ ، لا وطنَ من دون أمٍّ و لا أمَّ من دون وطن ، فكلاهما واحدٌ وحبُّهما واحدٌ ، الوطنُ هو تلك الأمُّ العظيمة، والأمُّ هي ذلك الوطن الغالي ، بما أنني لبوةٌ فسأكتبُ باسم الأمِّ .

والدتي الحنونة ، ليلةَ أمس كان لدينا احتفالٌ بمناسبة عيد ميلادي العشرين، وأصدقائي في الكتيبةِ قد حضَّروا لي مفاجأةً و هي أغنيةٌ رائعةٌ عن الأمِّ بصوت الرفيق روهات ديريك و كم كان َ صوتهُ جميلاً و حزيناً ، و على نغمات تلك الموسيقا الحزينة ، كانَتِ الدموعُ تسقطُ من عيون البواسل ، ولم يكن باستطاعة أحدٍ منا التغلُّبُ على الدموع ، لأنَّ ذكريات الأمِّ في أذهان الجميع ، والاشتياقُ أحرقَ الأجفانَ و هزَّ الكيانَ ، والنارُ في أعماق الوجدان ، والحزنُ أصبح عنواناً في بلادٍ أغتصبَها العدوانُ وأحتلَّها الظلامُ ، وغابَ عنه الأمانُ مع غدر الزمان .

ظالمٌ اسمُهُ أردوغانُ ، بالكُردِ والدمِ أستهانَ ، حيث أرضُ كردستان تكتبُ مجدَها بِعزيِمَة و إرادةِ الأبطال ، ستبقى صامدةً و شامخةً مثل قمم الجبال ، نحنُ نعيشُ حالةَ حربٍ بين كرٍّ و فرٍّ ، الاشتباكاتُ عنيفةٌ بيننا و بينَ العدوان الغاشم ، والكتائب المواليةِ لِلجيش التركي ، فهم يحاربونَنا باسم الإسلام ،

و أُصيبَ أحدُ رفاقنا بطلقتَين أثناءَ المواجهة، وكان ينزفُ بغزارةٍ، و تمَّ نقلُهُ إلى المستشفى ، و كان بحاجة إلى الدم و تبرعُ جميعُ الرفاق بالدم من أجلهِ ، وكم نشعرُ بالفخر والاعتزاز عندما نرفعُ البندقيةَ في خنادق العزّ والشهامة ، و نرسمُ ملامحَ البطولة بالدماء الزكيةِ و الأرواحِ الطاهرةِ ، معَ ثناء المجد و الشهادة ، و ندافع عن الوطن بأغلى ما لدينا من أجل أن نعيشَ بكرامةٍ أو نموتَ بكرامةٍ ، نحنُ الآنَ نعيشُ في شمالِ شرقِ عفرينَ، لا يبعدُ عنّا العدوُّ سوى مئاتِ الأمتار، نرى راياتهم ، و أحياناً نتنصّتُ على مكالماتهم ، فلا نفهمُ منهم شيئاً ، هم يتكلّمونَ بأكثر من لغةٍ ، أي بلغاتٍ عديدة ، ورغمَ ذلك فالخوفُ يقلقهم ، كما يقلقُنا تماماً .

نحنُ كتيبةٌ مؤلفةٌ من أربعين شخصاً، و أصغرُنا يُدعى الرفيقَ زينال ، و هو من إحدى القرى التابعة لِمدينة مهاباد ، و هو من أشرس المقاتلين ، و لديهِ الخبرةُ في المعارك ، و سبق َ أن حارب َ في كوباني ، ثمَّ التحقَ بنا إلى هُنا .
و أيضاً معنا رفيقٌ محبٌّ و كوميدي، و هو من مدينة القامشلي اسمهُ هوزان ، يوجد على جسمهِ آثارُ السكاكين، و حينَ نسألهُ : ما هذهِ الآثارُ التي على جسدكَ يضحكُ بشهيّةٍ مُفرطةٍ، و يقول : أكلتُ كلّ هذه الطعناتِ من أجل أفين بنتِ الجيرانِ .

وأكبرُنا سناً يُدعى ريباز ، و هو من جنوب كردستان ، من مدينة هولير ، و قد توفيتْ زوجتُهُ، وتركتْ لهُ طفلةً صغيرةً اسمُها أريانا خان ، و من أجل حبّهِ السرمدي لِزوجته و ابنته التي لم يرَها حتَّى هذهِ اللحظةِ ، رسمَ اسمَ ابنتهِ على ساعدهِ اليمين ، و قائدُ الكتيبة يُدعى بوطان من ديار بكر ، و هو أيضاً رجلٌ شجاعٌ و يمتلكُ الكثيرَ من الفنون القتالية ، و الكتيبةُ التي نتدرَّبُ فيها تحملُ اسم الشهيدة بارين ، و التي كانتْ من أبرز و أشجع المقاتلات والمناضلات في عفرين،

ربما كانَتْ هذهِ الكتيبةُ بيتاً كبيراً قبلَ هذهِ الحرب ، و هاجرَ أصحابهُ مثلَ بقيةِ أهالي المدينةِ الذين هُجِّروا من ديارهم، و على جدار هذا المنزل صورٌ كثيرةٌ مثل صور القاضي مُحمَّد ، و المُلَّا مُصطفى البارزاني ، و مير جلادت بدرخان ، و جكر خوين ، و لوحاتٌ قديمةٌ من عهد الفرنسيين والعثمانيين، و مكتوبٌ على تلك اللوحات اسمُ كردستان ، كلُّ هذهِ الدلائلُ تشيرُ إلى أنَّ صاحبَ هذا المنزل كانَ من أغنياء أو وجهاء هذه المدينة ،

بعدما شاهدنا كلَّ هذا خطرَ ببالنا الكثيرُ من الأسئلة ، لِماذا تُبعدُ الأحزابُ السياسيةُ بعضَنا عن البعضِ ؟ أليسَتْ كلمةُ الكوردِ تجمعُنا جميعاً تحتَ سقفٍ واحدٍ ، و العدوّ يحاربُنا باسم الكوردِ ، و ليسَ باسم الأحزاب ؟ لِماذا لا نكونُ يداً واحدةً و شعاراً واحداً ، و تحت راية العلم الكرديّ علم الكردستان؟ سبقَ أنْ رسمَهُ و تمَّ رفعهُ من قِبَلِ أجدادنا الأبطال ، و القادة العظماءِ كأمثال القاضي مُحمَّد ، و مُصطفى البارزاني ، و ها نحنُ الآنَ نعيشُ مع بعضنا البعضِ في هذه الكتيبة ، و نحنُ من الأجزاء الأربعةِ لكُردستان ، يجمعُنا هدفٌ واحدٌ ، و رسالةٌ واحدةٌ ، و حتّى اختيارُ اسم الكتيبة فقد كانَ من قِبَلِ جميع الرفاق أنفسِهم .

يجبُ أن يفهمَ العالمُ أنَّ الشعبَ الكردي ثورةٌ على مرّ الزمان ، و هو شعبٌ مسالمٌ لم يعتدِ على أحدٍ ، و لم يظلم أحداً ، يحترم حقوقَ الآخرين ، و حاربَ داعشَ في مناطق عديدةٍ مثلَ الرقة و دير الزور ، و الجميعُ يعرفُ تماماً أنَّ هذهِ المناطق ليستْ ضمنَ حدود الكردستان الغربية ، و قد استشهدَ الكثيرُ من الشباب و البناتِ الكورديّاتِ في سبيل تحرير تلك المناطق ،

و لكنَّ أعداءنا كثيرونَ ، والغايةُ باتتْ واضحةً ، فلا وجودَ لشيءٍ اسمهُ القضيةُ الكورديَّةُ ، فما ذنبُنا من تلك الأفكار الخبيثةِ التي يحملُها الأعداءُ تجاهَنا ، كلُّ ما يهمُّنا هو أنْ نعيشَ بسلامٍ و أمانٍ مثل باقي الأوطان ، نحنُ نحمي اسمَنا و هُوِيَّتَنا و أطفالنا ونساءنا و مساجدَنا وكنائسَنا و مُقدَّساتنا من الأعداء و سطوة الطغاة ، فإلى متى سنبقى هكذا مثل المُتسوِّلينَ نطرقُ أبوابَ الأعداء ، و نقولُ : أعطونا حسنةً أو صدقةً يا محسنين ؟ ألم يَحِنِ الأوانُ لتكونَ لنا لغةٌ و مدارسُ لِأولادنا مثلَ باقي الشعوب، و يعترفَ بِنا الجميعُ ؟ متى ستعود الحمامةُ المهاجرةُ إلى سقوفها الطاهرة ، و يلتقي الآباءُ و البنون على رُباكَ الزاهرة يا وطني ؟ حينَها يلعبُ الأطفالُ بحُرّيَّةٍ و تضحك العيونُ ..

منذُ زمن لم نشرب القهوةَ ، و رغم ذلك فقد اكتشفنا أنَّ الحياةَ رائعةٌ و جميلةٌ من دون القهوة ، لقد وعدْنا قائدَ الكتيبة بزيارة بعدَ انتهاء هذهِ الحرب اللعينةِ و الثورة اللعينة التي فُرِضتْ علينا ، وأجبرتنا على تحمُّلِ البعدِ والفراق عن الآباء والأمهات ، الكلُّ مشتاقون ، و لكنَّ الحربَ لا تفهم و لا تعرفُ معنى الاشتياق ، رُبَّما لن أعودَ يا أمي ، حينَها تأكَّدي أنَّ ابنتَكِ كانتْ تحلمُ بلقائك ِطويلاً ، و كانت تعدُّ الدقائق لِكي ترتمي في أحضانكِ ، و لكنَّ القدرَ لم يسمحْ لها بذلك ، و لم يحالفها الحظُّ برؤياك ِ ، و الأهمُّ من كلِّ هذا و آخرُ ما أتمناهُ هو أنّكِ إذا كنتِ تُكنِّينَ في قلبك ِ معزَّةً لي ، فإنّني أريدُ منكِ وعداً بأنْ لا تبكي أثناءَ المراسيم و تشييع الجنازة، و أنا أنالُ شرف الشهادة ، فليكنْ رأسُكِ مرفوعاً ، و زغردي يا أمَّاهُ لِابنتك ِالشهيدة في يوم زفِافها وهي عروسةٌ للوطن ، و هي خُصلةُ الزيتون و ابنةُ عفرين مثلُ بقيّةِ الأمَّـــهـاتِ اللواتي استشهدَ أبناؤهنَّ في ساحات الوطن

و أعرفُ جيداً بأنَّكِ ِستذهبينَ بعدها إلى ذلكَ المكان الذي قضيتُ فيه آخر أيامي ، و تبحثين عن تلكَ الكتيبة التي كانتْ باسم الشهيدة بارين ، هناكَ ثلاثُ نوافذ ، اتَّجهي نحوَ النافذة الشرقية ، و على طرف النافذة مكتوبٌ اسمي باللون الأحمر ، و تحتَ وِسادتي دفترُ مُذكَّراتي ، رُبَّما تجدينَ في وسط الكتاب صورةً لكِ ، فقد كنتُ ألجأُ إلى صورتكِ كلَّ مساءٍ وأنظرُ إليكِ بعمقٍ حتَّى أشبعَ منكِ و أغفو بين أحضان صورتكِ ، كنتُ على يقين أنَّ كُلَّ وردةٍ مصيرُها الذبولُ إلا الذكرى ، فهي تبقى و لا تزولُ ،

و من أجل هذا كتبتُ لك ِ كلَّ الأحاسيس و المشاعر التي كانتْ داخلي ، و كلّ ما أحملُهُ لك ِ و للوطن من الحُبِّ و المودَّةِ يا منبع الحنان والكرم والعطاء ، يا مَنْ تكونُ الجنةُ تحت َ أقدامها ، سامحيني على الرحيلِ ، نعم يا أمي ليسَ هناك شيءٌ أغلى من الولد سوى الوطن ، و لهذا فالأمهاتُ تفدينَ بأرواح أبنائهنَّ في سبيل الوطن ، و أيضاً خلفَ تلكَ النافذة المكسورةِ و قفتُ أعدُّ لحظاتي الأخيرةَ و أتأمل خيوطَ شمس الحُرِّيَّةِ و شموعَ الأمل ، هل هناكَ أملٌ أن نرى الوطن ؟ وكم تمنَّيتُ أن أشمَّ رائحتكِ و أقبِّلَ يديك ِ ، و ألمسَ ملامحَ وجهكِ ، و أنا ألفظُ آخرَ أنفاسي ، و على أوتار السلام ، و نغم الولاء ، و عزف الوفاء ، و ألم الوداع ، و صوت روهات ، بأغانيه الوطنية وأغنيته المفضلة : Dayê welat kurdistan e : فارقتُ الحياةَ و نِلتُ شرفَ الشهادةِ .