مثقفون بلا ثقافة (1)


1 قراءة دقيقة

في تسعينيات القرن الماضي، كتبت ضمن احتفالية يوم الصحافة الكردية، مادة بعنوان (صحافة بلا جمهور، وجمهور بلا صحافة) تناولت فيها أوضاع الصحافة كردياً، وحالة القارئ الكردي الذي هجر قراءة الصحف، التي لم تؤسس لحالة تنويرية تثويرية قادرة على خلق رأي عام كردي، أو السير في اتجاه إنتاج فكر وطرح تساؤلات فكرية، ثقافية أو سياسية، اجتماعية.

 لظروف ذاتية وموضوعية آنذاك لم تتوفر الأرضية المواتية للنشر، واليوم تتجاوز أسباباً عديدة كانت حجر عثرة، بل سداً منيعاً أمام رقي وتطور الصحافة والثقافة الكردية. واليوم والعالم يشهد تطوراً ملحوظاً يمكننا تسميته بعصر ما بعد الثورة التكنولوجية، التي باتت تملك قاعدة بيانات عملاقة ومتشعبة، تختصر الكثير من الوقت وعمليات البحث عبر قاعدة بحث عملاقة مفتوحة التواصل عالمياً لا يقف في وجهها أي من الحدود الإقليمية أو الحواجز الرقابية، متجاوزة  حدود اللغات عبر وجود تطبيقات الترجمة الفورية، وهي إلى حد ما تمتلك الحرية في ابداء الرأي والنقاش والنشر دون مراعاة لشروط النشر التي كانت تخضع لها الصحافة الورقية، وإزاء ذلك بدأت ملامح العولمة تظهر جلية و بشكل واضح، وظهرت أشكالاً جديدة للثقافة تطفو على السطح، ثقافة ضحلة لا تمتلك أية جذور فكرية أو تاريخية، تفتقد للعمق المعرفي، ولو تجاوزنا تعريفات المثقف وماهية الثقافة التي تتفرع إلى عدة مسارات ثقافية، وتتركز في مستوى أعمق ربما على المحك الفكري المحض أو السياسي الاقتصادي، فالعلوم الكلية ومنذ أرسطو بدأ بالجزئيات والتخصص وهو أمر لا يمكن الفصل بينه في عالم الثقافة والفكر، فلا يمكننا التحدث عن الأدب الكردي مثلا دون معرفة التاريخ الأدبي للكرد، والظروف الاجتماعية والسياسية السائدة آنذاك، كما لا يمكننا التحدث عن الاقتصاد دون إلمام دقيق بعلوم الاجتماع والسياسة وعلوم الرياضيات الاحصائية والاحتمالية مثلاً، في زمن رديء كهذا يواظب فيه كتبة ومدونين، وأشباه كتبة وجهلة وأشباه أميين حاملين على عاتقهم الخوض في غمار الأدب والفن، السياسة والاقتصاد، والطب والفلك، دون خلفية ثقافية أو امتلاك لمناهج البحث العلمي، مثقفون مدعون يخوضون في كل البحور بمجاديف مشوهة يمارسون شعوذة فكرية، فالمشهد الثقافي يسيطر عليه ثقافة النسخ واللصق، نقلاً وتكراراً، ثقافة المسخ يملؤون بها صفحات الفضاء الافتراضي عبر وسائل التواصل الاجتماعي  مشوهة الفكر  قاصرة الرؤية.