كوابيس مبقعة بماء المطر


1 قراءة دقيقة

في لحظات اليقظة صباحا والكوابيس تتخفى في نتوءات واقع خانق، وحين كان المبدع العظيم يرفع الستائر الداكنة ويبدع الضوء ويسكب النغم في تراتيل  المطر، وهو يهدهد الموج ليروي له حكايات قديمة على ايقاعات زخات ناعمة أو متدفقة صاخبة، كانت روحي تنصت إلى معزوفة كونها.. 

موسيقى توقظني من نومي لأفتح قليلا شباك غرفتي وأتشمم روائح السمك المملح تغري بحفل شواء، غير أن مشهد الرمل يمتص زعانفا يتقيؤها البحر من باطنه كان يثير قلمي الذي يتثاءب على تموجات الخيال، ليتوه في رغبة حبر يتمرغ على الورق..أتأمل تقلبات الموج وعبثه. زخات المطر ترتب عليه برفق ليصغي إلى  حكايات أخرى قادمة من سحب الرؤى ...

يتثاءب الصباح في الغرفة. القطة التركية الناعمة تتمرغ على البساط، نظرات الكانيش الذئبية في عينين حمراوين تراقبان جهاز التلفاز كأنها تنبئني بأخبار جديدة. أضغط على الزر فيطل وجه المذيع جادا حازما مخبرا بأن الجنرال قرر حسم المعركة.
كان يتوعد كل من مد يده للعدو، ليذبح عرقا نابتا في تربة الجبل، ليقتل رجلا يحرسه في الفيافي، ليدمي عيني أم ولدت من قسوة الطبيعة الشاقة، ليسفك دماء زعيم يعتنق فلسفة الفقراء. كان يتوعد كل من يربي الذئاب في الجبل ويطلق النيران على الكلاب. يتوعد العصابات التي تذبح الرعاة وترسل رؤوسهم أو تقص ألسنتهم وأنوفهم وآذانهم كي لا تنقل أخبارهم.. الرعاة هم عيون تحرس الجبل، يرتوون من عيونه الجارية، وينتشون بروائح نباتاته الشذية ويهدون أعشابه المعطرة لقطعانهم ودوابهم.
شعرت أن كلمات الجنرال التي أعيد بثها مرارا تخلع رداء الطمأنينة، ركلت القطة المستلقية على السجاد أمامي فانتفضت فزعة. حملقت في عيني الكلب المدلل ذي الفرو المجعد، انبثق منهما وهج كاللهب ونبح بصوت خافت.
كان الجنرال يتحدث عن ذئاب تجوب الفيافي وتسكن مغاور الجبل، أخيرا نجح في رسم مشهد مربي الذئاب، لم يكن غير صديق الرعاة، عيناه لا تفارقان القطيع.

 شريط الأنباء متواصل، تتخلله أغان وطنية: "صامدون لا نخاف المحن".. "بني وطني يا ليوث الصدام وجند الفدا"، "ارفع جبينك للسماء، عدي حدود المستحيل".

 تتواصل الأخبار..صفر الجنرال لحكم لم يمتثل لشروط اللعبة. ثمة رقم معطل لا يرد على مكالمات شعب مهدد. دمى جامدة تحرك خلف الستار، شرذمة من ممثلين تخرجوا من مدارس تقيأها الفن. تتبعهم جحافل من الخنافس تعودت على الأكل الملوث،  سياسي بشع أمام المرآة كراقصة ملهى يتلقف  الأوراق النقدية الدنسة من شيوخ العمائم. البصاق الذي تطاير عليه من الحشود الغاضبة كان أطهر منه.
رنات منبه الساعة توقظني من غفوتي. شعرت بثقل رأسي جراء الهواء البارد المتسلل من النافذة، يبدو أنني تركتها مفتوحة وانغمست في النوم، الأمطار لم تنقطع، ترفع الغبار عن الكون، تعزف لحن الخلق المتواصل..

هل كنت بصدد الحلم؟ 

شاشة التلفاز غارقة في الظلام، وتلك القطة التركية قد تكون راكنة في حجرة صديقة تهوى الكتب، تداعبها  كلما حاولت ترويض أفكارها، أما أنا فلا أستأنس للقطط ولا الكلاب المهذبة، وليس لي سعة البال ولا الوقت الكافي لأصرفه للحيوانات والعناية بأكلها واستحمامها ومداعبتها. لم أتعود صباحا على متابعة الأخبار.. في هذا الجبل لا تهاجم الذئاب الرعاة وتنكل بهم، وبنادق الصيادين لا توجه نحو الكلاب..والعصابات لا تنزل نحو الدور القريبة لتقيد الرجال وتغتصب النساء وتسرق مؤونة الغذاء... فالبحر يحاصرهم ويحد من تحركاتهم...لعلها رسائل الصباح تأتي مشفرة كبقايا أحلام.

هنا أرى شياطين الغابة يقتنصون الثعابين والأفاعي، يمسكونها من أسفل رؤوسها. ينتزعون سمومها  ثم يلاعبونها ويعلمونها رقصة المزمار، ويسكنونها في علب قديمة لتؤدي عروضا أمام السياح، أما الذئاب التي تلاحقها الكلاب الضارية تتخفى في مغاور سحيقة تزدري خيباتها بعدما أطردت من الغاب..
رن جرس الهاتف. فتحت عيني بتثاقل، جهرهما ضوء الصباح يغمر الغرفة وينتشر بكثافة. انبعث صوت الدليل السياحي: "لقد انقطعت الأمطار ونحن ننتظرك في بهو الفندق لنخرج في جولة صباحية. لقد اتصلنا بك أكثر من مرة ولكن هاتفك لا يرد. أين كنت؟
- كنت .. نعم كنت هنا وهناك..
- ماذا؟
- هل المكان آمن؟ أقصد هل الوضع آمن؟
- أنتم في حمايتنا.. كم تحتاجين من الوقت لتستعدي للنزول؟!
- آه عفوا، رأسي ثقيل وحنجرتي تؤلمني.. لا تنتظروني!
- كما تشائين، اعتني بنفسك!

أنهض وأطل من النافذة لأرى رغبة الحياة تستيقظ في أعين النبات والشجر، تمسح السخام العالق في فجوات الحلم، أشرقت الشمس لاسعة بينما بقيت قطرات المطر تبلل الشجر وتسترسل على بلور النافذة..أمسحها بالمنديل، وأتوه مع صور الأحلام المتلاحقة التي انبرت في غفوتي...
أتجه لبيت الاستحمام لأتطهر من بقايا الحلم بعدما دونته على أوراقي المتناثرة على الطاولة المستديرة. انتشيت بمفعول الماء يعيدني إلى حالة الصحو، في تلك اللحظات كنت قد سمعت صوت الباب وهو يفتح، وخطوات تمشي في الغرفة..شعرت بقلبي يغوص بين أضلعي، تنشفت ورميت ملابسي بسرعة وفتحت باب بيت الاستحمام، رأيت شخصا يجلس على المكتب ويقرأ الأوراق.. تبينت ظهره وشعره الأسود الذي تتخلله شعرات بيضاء. استدار، بدا أربعينيا يلبس بدلة رياضية وكأنه يستعد لتمارين العدو صباحا.

وقال مطمئنا: "لا تجزعي لست وغدا أو عدوا، أتيت هنا لنتحدث"..
سألته بغضب كيف سطا على مفاتيحي؟ ومن أعطاها له؟ وكيف يسمح لنفسه بالدخول للغرفة مهددة إياه بالاتصال بأمن النزل؟!
أعاد تقليب الأوراق التي كتبتها من وحي الحلم، وقال بعد صمت ثقيل: من يملي عليك قصصك؟ تساءل الرجل المهوس بإلقاء الأسئلة غارسا رأسه بين الأوراق.
- الأطياف الغريبة، أجبت بهدوء، وقد علقت عيناي على أصابع مخاطبي يضغط على لوحة حروف هاتفه الجوال تركض وراء سر غامض..
تتنمر نظراته كقط بري محاولا تلقف الإجابة عن الأطياف الغريبة..
تزورني في أحلامي ويقظتي ولا أعرف إن كانت حقيقية أم أطياف خيال!
جال بعينيه بين كلمات معروضة على صفحة في الجهاز واستدرك: 

- لكنك لا تسكرين ولا تتعاطين حبوبا أو مخدرات، ولا تتعالجين في مصحات نفسية، ولا تتعاطين العقاقير والأعشاب ولا تذهبين للدجالين، ولا نشاط سياسي لديك
- وكيف عرفت كل هذا؟
- تحريت..
أطلقت زفرة عميقة ودعوته إلى المغادرة، فقد انتهت المحادثة..
- هل لديك إجابات أخرى؟ يتساءل الرجل المهوس بمراودة الأسرار الخفية...
أنظر له ببرود، وهو يعود لجهاز الايباد منشغلا بالكتابة، ولكنه حول يده عن الجهاز الصغير إلى كتفي محاولا إيقاظي بعدما تلبس صوته بنبرات ناعمة:
- أفيقي رجاء ! هل أنت بخير؟
حملقت في الزائرة الغريبة بمنديلها الأخضر وملامحها الفزعة..
- عفوا سيدتي دققت الباب أكثر من مرة، فذهبت لتنظيف الغرف الأخرى، وحين أكملت عملي أعدت دق باب غرفتك ولكنك لا تجيبين.. فتحت الباب.. حاولت الاستئذان منك لكنني وجدتك تغطين في نوم عميق بينما كانت النسمات الباردة تغمر الغرفة. فأيقظتك. فلتسامحيني رجاء لأكمل تنظيف الغرفة وانصرف لمنزلي..لأطهو فطور أولادي..
نهضت قليلا، وضعت ظهري على الوسادة.. 

أسترجع صور الكوابيس المتداخلة..
كانت العاملة تنظر لي بتعاطف وقالت:

- هل لي بمساعدتك في شيء؟
أجبتها بالنفي وانصبت عيناي على الأوراق المبعثرة على الطاولة المستديرة تستعرض مفاتن لغة لم أجسها كاملة، وقد عاد لي طيف الرجل الغريب يقلب الأوراق كلما تمعن النظر في حروفها..