قسم من الفصل (11) من كتاب " مسار ومسبرة"


1 قراءة دقيقة

محمد قاسم


١٣ مارس ٢٠١٧ (ذكرى)
14 آذار ذكرى ولادة قائد ثورة أيلول ملا مصطفى بارزاني (رمز الكوردايتي)
وجدت أن انقل إليكم هذا القسم من الفصل (11) من كتاب " مسار ومسبرة"
 قد يكون طويلا يمكن حفظه على وورد وقراءته بتمهل -لمن يهمه ويرغب.

 منهج بارزاني
(Rêbaza Barzanî)
يحاول بعض الكورد أن يطرح مفهوم ريبازا بارزاني: Rêbaza Barzanî-كشعار، يردده باستمرار. لكن في الواقع، قلةٌ من هؤلاء يَتبعون هذا المنهج بصدق، وكثرةٌ هم الذين يتاجرون بسمعته ومكانته التي تعششت في نفوس معظم الكورد، لاسيما الذين عاصروا ثورته-وأنا أحدهم-. بل ربما كل أبناء ذلك الجيل، وقد تربوا على سماع وإنشاد:
? Barzanî Barzanî, ma Kî vî navî nizanî
(بارزاني بارزاني-منذا الذي لا يعرف (أو لم يسمع) هذا الاسم؟).
أو نشيد: Xortê Melê nabin jimar -gêwin lehingin namûdar
(شباب الملا لا يُحصَون-صناديد وأبطال عنيدون) أو بهذا المعنى. وهو نشيد طويل ; كان الجميع ينشدونه في خلواتهم وفي مناسبات مختلفة، حريصين على ألا تصل أصواتهم إلى مسامع "المكتب الثاني" في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وسائر الجهات الاستخباراتية في عهدي "الانفصال" و"البعث" في سوريا. مع فارق بين عهدي عبد الناصر والبعث، إذ أن الأخير أدلج كل شيء لخدمة نظامه الذي لبس لبوس أيديولوجيا ماركسية مع إضافات تلائم خصوصية طرحه كمنهج قومي زعم أنه صاحبه. وهو منهج ربما بدا قوميا لكنه أصبح حزبيا يخدم مصالح المتنفذين والحكام.
إن نهج بارزاني يمثّل تجربة عاشها منذ دخوله السجن وهو طفل رضيع على صدر امه كما يذكر دانا آدمز شمدت في كتابه "رحلة إلى رجال شجعان... " ص(143).
"عندما كان له من العمر سنة ونصف سنة زُجّ مع أمه في سجن عثماني زهاء تسعة أشهر، وربما كان في العام 1905...".
تجربة حياة بدأت بالسجن في الطفولة، وتنامت في مراحل حياة مثيرة بلغت مستوى قيادة ثورة، تحتاج هذه التجربة إلى الكتابة عنها بروح دارسة تحليلية، تتابعها وتستنبط منها ما يمثل خلاصة مفيدة تغذي حركة النضال الكوردية عمليا؛ في مستواها الأخلاقي ومستوى نضال عام.
تغلب كتابات ذات طبيعة سياسية ذاتية واستثمارية، استهلاكية أيضا في بعض حالاتها، على كتابة موضوعية عن تاريخ وأخبار الأحداث تراعي الحقائق كما هي. وهذا منهج لا نتمناه ودائما. خاصة عندما تتناول قضايا وشخصيات لها دورها الملفت كما في حالته وأمثاله. هنا، ولمعرفة حقيقة شخصيته وثورة قادها، رافقتها أخبار أسطورية في مسيرتها، بسبب ما كان عليه من قوة ذهنية وعضلية، وصفات أخلاقية، وإرادة وإدارة حازمة، جعلته يتحدى المصاعب والمحن من اجل قضية آمن بها، واستطاع أن يتعامل مع الظروف المحيطة به؛ بوعي، وشجاعة، وخُلق... لا يمكن إنكارها ممن يريد أن يكون منصفا في حُكمه، على الرّغم من ظروف حرب باردة ضاغطة، فضلا عن ظروف جهل وأمية وتنازع قبلي وفقر ...يعيشها الشعب الكوردي، وعداء دول مجاورة حاكمة للكورد (عربية، تركية، فارسية).
يستدعي ذلك، الحرص على تثبيت الحقائق في ثقافة، الشعب. لتكوين منظومة جذورها تاريخ صحيح، لإسهام حيوي في بلورة فكر متوازن، ومنهج واضح، وقِيَم أخلاقية وقانونية منظمة.
نجد فيما أوردته نشرة "الوقائع العربية" للعام 1963 رقم -3-وهي دورية تصدرها الجامعة الأمريكية في لبنان. ما يلقي بعض الضوء على واقع كانت ثورة الكورد فيه، وسياسات تلامس خططها وأهدافها إقليميا ودوليا، إذ يرد في ص (304):
"3 -7-1963 قطعت الحكومة (يقصد العراقية، م.ق) علاقاتها الدبلوماسية مع جمهورية منغوليا الشعبية، وذلك لأن جمهورية منغوليا الشعبية قد طلبت إدراج قضية الحركات العسكرية الجارية ضد المتمردين في شمال العراق في جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة".
لكن هذه الدولة الصغيرة سحبت مشروعها كما تذكر النشرة ذاتها – ص (268):
"16-9-1963علم أن حكومة منغولية قد سحبت طلبها لإدراج قضية البارزاني من جدول أعمال الجمعية العامة".
فالظروف الدولية والمصالح فيها معقدة، لا تراعي دوما، قيما قانونية وأخلاقية تؤكد حق الشعوب في تقرير مصيرها كما في لوائح هيئة الأمم المتحدة.
وفي موقع آخر من "الوقائع" يرد الخبر التالي:
"7-7-1963أعلنت الحكومة السورية تضامنها مع الحكومة العراقية في استنكارها وشجبها لتدخل منغولية في شؤون العراق الداخلية. وأكدت تأييدها الإجراءات المتخذة للقضاء على تمرد الملا البر زاني، الزعيم الكردي".
فالنظم وثقافة الشعوب المتخلفة تحركها أيديولوجيات، لا وقائع ولا منطق. فلم تستطع أن تبلور ثقافة تراعي الأحداث التاريخية ولا الوقائع الراهنة برؤية موضوعية او واقعية. وهذه مشكلة ذات جذور موغلة في القدم ولا تزال مؤثر بقوة في الحاضر.
في برنامج اسمه "ذاكرة الأحداث" أذاعه راديو "مونت كارلو" قبل عقود عن الكورد في أربع حلقات -كنت قد سجلته على كاسيت لا زلت احتفظ به-يتحدث الدكتور محمود عثمان، يقال انه كان طبيبا خاصا لبارزاني، والان هو عضو مستقل في برلمان العراق فيقول:
" في عام 1963 تقدمت جمهورية "منغوليا" بمشروع عن الكورد وقضيتهم إلى الأمم المتحدة لكنها اضطرت إلى سحبه بضغط من الاتحاد السوفييتي (السابق). وفي عام 1967 تقدمت "آيسلاندا" بمشروع مماثل (أو عرض مماثل) ولكنها تراجعت عن عرضها في آخر لحظة بضغط من الولايات المتحدة الأمريكية" هذه المرّة.
فالقضية الكوردية –كأي قضية أخرى من قضايا شعوب العالم الثالث-مع ملاحظة خصوصيتها –كانت ولا تزال، رهينة ظروف دولية. ولأنني كنت معاصرا لتلك الحقبة ـ لا زلت أتذكر مشاعر الكورد في تلك اللحظات. كيف انتعشت وكيف ذبلت بحسب الأحوال التي أشرنا إليها... وإن سياسة اضطهاد وحرمان من الحقوق... اتّبعتها الدول الحاكمة للكورد كادت أن تسلبهم شعورهم بانتمائهم القومي المميز، وهي غاية هذه الدول أساسا. وتستمر في تفتيت منظومات قيمية اجتماعية وأخلاقية للكورد بكل الوسائل الممكنة، منها وسائل استخبارية واقتصادية، فضلا عن إجراءات سياسية وعسكرية وقانونية...
فشلت هذه السياسات الظالمة، وربما الغبية أيضا (تبدو هذه الخاصة ملازمة للشعور بالقوة لدى سياسيين دوما، فيتسببون بمشكلات قد تؤدي الي الحروب وتدمير البلدان والشعوب تحت تأثير رغبات غير مشروعة). فشلت هذه السياسة لوجود أفراد ومجموعات تمتعت بوعي ملائم، ساعدهم على فهم المجريات والتداعيات المحتملة لها، فبذلت جهودا جادة ومضحية لاستعادة أبناء الكورد شعورهم بذاتهم القومية، والقيمة التاريخية لحضورهم في المساهمة في بناء الحضارة البشرية بشكل أو بآخر. ومنها ما كان في مرحلة الإمبراطورية الميدية، وفي سياق الدولة الإسلامية التي بدأت منذ ظهور الرسول محمد (ص) وحتى نهاية الخلافة العثمانية، دون خصوصية قومية كوردية ظاهرة سوى إمارات يذكر جليلي جليلي بعضها في كتابه "من تاريخ الإمارات في الإمبراطورية العثمانية" ترجمة د. عبدو النجاري فيقول-ص (49):
" في بداية القرن التاسع عشر كانت هناك إمارات قوية في كردستان: في الجنوب وضمن حدود مناطق السليمانية وزاخو كانت إمارة بابان، والى شمالها إمارة صوران، وغرب صوران كانت إمارة بهدينان أو إمارة العمادية (تسمى حاليا باسم عاصمتها). والى شمال إمارة صوران كانت البلاد الجبلية وإمارة هكاري أو شامبو والى غرب هكاري وبهدينان كانت الإمارة المعروفة من قديم الزمان بإمارة بوطان مع مركزها الجزيرة (98، ص3-4).
ويقول مؤلف كتاب "الدولة الدوستكية في كردستان الوسطى"-الجزء الأول–عبد الرقيب يوسف-نشر هوشنـﮓ كرداغي-في المقدمة –ص(9):
"ولنضرب بمشاكل التاريخ الكردي جانبا ونصرف العنان إلى ما نحن بصدده ألا وهو موضوع تاريخ الدولة الدوستكية التي أسسها الأمير(باد) بن (دوستك)سنة (372ھ -982م) والتي عاشت إلى سنة (478ھ-1086م) وان هذا الموضوع يشكل حلقة مهمة من حلقات تاريخ الشعب الكردي لأنه يلقي الضوء على دولة وطنية كردية تميزت من بين دول عصرها بسياستها الخارجية المبنية على أساس التعايش السلمي مع تلك الدول وتميزت بسياستها الداخلية المبنية على أساس العدل والمساواة والإخلاص لشعبها وبلادها ...وكانت المساواة بين المسلمين والمسيحيين احدى ميزات هذه الدولة...".
ذكرى تاريخ أمراء منطقة بوتان (آل بدرخان) وعاصمتهم "جزيرة بوتان" وتعرف في الكتابات العربية بـ “جزيرة ابن عمرو" لا تزال حاضرة في ذاكرة مسنين امتد بهم العمر. وهي مليئة بأحداث وصِدامات مع الأتراك. واضطروا –لذلك-إلى التشتت في بلدان مختلفة منها سوريا ومصر وأوروبا...
في كتاب "البدرخانيون في جزيرة بوطان" وثائق جمعية العائلة البدرخانية –مالميسانـﮋ-ترجمة كولبهار بدرخان ودلاور الزنكي-مقدمة الكاتب-ص (10) نقرأ التالي:
"تستحق عائلة بدرخان أن يبحث المرء في جذورها من جميع النواحي، كونها عائلة كبيرة في الحركة الكردية، فتخيلوا أن سبعة من أولاد بدرخان كانوا برتبة الباشا، خلال فترة الإمبراطورية العثمانية (اعتقد أن هذا لم يحدث في الدولة العثمانية او أي دولة أخرى) والعديد من أفراد هذه العائلة عارضوا واصطدموا مع الدولة العثمانية من أجل حقوق الأكراد وكردستان"
وفي "رسالة إلى رئيس جمهورية تركيا حضرة الغازي مصطفى كمال باشا" وجهها الأمير جلادت بدرخان-ترجمتها زوجه، الأميرة روشن بدرخان إلى اللغة العربية، نشرها دلاور زنـﮕـي في (78) صفحة ما عدا الغلاف، نقتطف منه التالي-ص(70):
"...يا حضرة الباشا إذا أردتم فعلا حل القضبة الكردية وقد رأيتم بكل ما قمتم به أنه يستحيل تتريك وصهر الكردي بالقومية التركية ليس من العسير أبدا إذا أردتم ترك الأكراد براحة في كردستان فالأمر بسيط وصريح جدا. ليست بأمثال هذا العفو ودعاياته لأنها ليست الطريق لحل القضية الكردية. العوامل هي التقرب من الشعب والاستفادة من صفاء قلوبهم وطيبتهم بأمور كثيرة وليست بعسيرة.. فاذا أردتم الخلاص من القضية فاسمحوا لي أن أعرض على سعادتكم صورة الحل:
(تعترفون بتبليغ رسمي الاعتراف بوجود الأكراد، تاريخهم، عرقهم وحق عيشهم ودوامهم) حينذاك تكونون قد سرتم بخطوات كبيرة وسريعة نحو حل القضية. وبهذا الإقرار تكونون قد على الأقل أوقفتم الأحداث...".
يعرض الأمير جلادت أشياء كثيرة حول الواقع الكوردي في تركيا وسلوك الحكام بأسلوب متقن ومعبر يوضح الخلل والمآسي ويقترح الحلول منها قوله في الصفحة ذاتها واستمرارا لما سبق:
"الباشا إذا أردتم حل القضية الكردية خلال فترة حكمكم فهذا هو الطريق الوحيد لذلك ليس غيره قط. وإذا سلكتم حلولا أخرى يكون أمركم (مع الاعتذار) أمر ذلك الذي يعتمد على فارس يقهر البحر ضمن بحيرة.. بعد هذا وما مر من الفشل وعقم التجارب إذا سلكتم طريقا آخر اسمحوا لي أن أحكم على رئاسة سيادتكم بانكم تزيدون الحريق حطبا ووقودا في حل القضية الكردية إذ أن هذا الحريق يمكن إطفاءه بالاعتراف أن المادة هي الحريق والحريق هو الحريق.
يا حضرة الباشا ثقوا بان أسر الكردي او التمثيل به أصعب عليه من الموت. إن حرية الكردي صلابة خلقتها الطبيعة وكما قال الشيرازي: إن عاقبة من يلعب بالحديد يكون الجروح ليديه وبدنه هو العاقبة والنتيجة...".
وان التوغل في تاريخ الأمراء البدرخانيين له جاذبية وحاجة أيضا لولا أننا لا نود أن يتضخم الكتاب، وهو موجه لجيل الشباب أساسا فقد انبثقت الفكرة منهم وتصب في بحرهم.
لطبيعة-الإدارة الاجتماعية دور في تكريس ثقافة معينة-عادة-. وفي حالة الكورد، فيها نوع من التأقلم السلبي مع الأمر الواقع كحالة ثقافية سياسية، ربما نتيجة تاريخ طويل من حكم الغرباء وأساليب القمع ... مما يؤدي إلى معاناتهم وفشلهم على الرغم من كل الثورات التي قاموا بها، وتضحيات قدموها، ولحالة الأمية والجهالة ومفرزاتها ... دورها الأكيد في هذه الأحوال. فضلا عن الدور السلبي الذي مارسته الدول التي حكمت الكورد وزرعت في حياتهم الثقافية خصائص سلبية منها، تغذية التشتت والشقاق "فرق تسد" مستفيدة من حالة الصراعات بين العشائر التي جهدت هذه الدول على تغذيتها، واستغلال واقع الحالة الثقافية وما فيها من روح وصولية ابتلي بها رؤساؤها. يذكر ذلك الدكتور إسماعيل بيشكجي في كتابه "كردستان مستعمرة دولية" بتفصيل ودراسة تحليلية تاريخية... ويشير إلى خصائص عشائرية تسببت في انتكاسة الحالة السياسية الكوردية بعد إن نجحت نظم حاكمة –تركيا خاصة-في القضاء على معظم رؤساء العشائر "الأصلاء" الذين كانوا من أصول نقية في العشيرة تاريخيا، واستبدالهم برؤساء من أعوانها المصنّعين. واستغلت دول حكمت الكورد هذه الخصائص النفسية بمهارة، إضافة لدور شعور ديني إسلامي عميق في حياة الكورد ساهم كاستعداد للانخداع دوما.
ينبهنا هذا إلى ضرورة البحث بعمق في سيكولوجيا الكوردي تاريخيا وراهنا وعناصرها.
ما ذكر او لم يذكر من العوامل؛ يشير إلى لعبة دولية وإقليمية تحاك ضد الكورد، والحاجة إلى تحدي الكورد لها، وقد فعلوا باستمرار، عسكريا ومنه استئناف "ثورة ﮔولان" عام 1976، لكنهم دوما كانوا ضحايا سياسات لم يستطيعوا اللعب على أوتارها. استمرت ثورة كولان إلى أن سقطت بغداد في "نيسان 2003" تحت ضربات هجوم مجموعة دول بقيادة "الولايات المتحدة الأمريكية". وإعادة صياغة نظام الحكم في العراق على أساس جديد، تم بموجبه إنشاء دستور جديد تمخّض عن إنشاء نظام فيدرالي تخصص به "إقليم كوردستان" قبل أجزاء أخرى لخصوصية الحالة القومية الكوردية وإقرار الجميع بذلك.
إن الشعب الكوردي هو الشعب الكبير الوحيد الذي لا دولة له في العالم، ويملك قوة بشرية (حوالي أربعين مليون نسمة) ومادية وروح قتالية يمكن أن يقايض بها، القوى المتنفذة للمساعدة على تأسيس دولة كوردية – للشروط الدولية فيها حضور بارز. وليس في ذلك ما يعيب مادامت شعوب المنطقة المسلمة –الفارسية والتركية والعربية-استطابت دورها القومي المتجاوز لمعايير الحق وعدالة الحكم في تناغم مع القوى الدولية ومنها أمريكا. ويمكن القول، الدور الظالم والخائن أيضا تجاه الكورد خلال قرون. فلا اشتراك الكورد معهم في الدين أنصفهم، ولا وعي طبيعة العلاقات بين الشعوب وتداول المصالح كان ملهما لهذه النظم لتحقيق قيم الإسلام الذي تنتمي إليه وتحكم باسمه. فعاش الكورد في ظل حكومات تعلن الإسلام دينا ومنهجا، لكنها تمارس شعورا قوميا متطرفا غالبا–مع تفاوت بين حالة وأخرى، وحقبة وأخرى، وشخصية وأخرى. فكان الاتجاه السائد منذ الخلافة بمراحلها المختلفة -وآخرها العثمانية -هو حكم قومي عروبيا وتركيا وفارسيا. ولا يزال مستمرا.
وفي إيران وتحت عنوان "الجمهورية الإيرانية الإسلامية" بإدارة الولي الفقيه علي خامنئي، وقبله الإمام الخميني. وفي تركيا بإدارة "حزب العدالة والتنمية" برئاسة رجب طيب أردوغان. هو حزب انبثق عن حزب "الرفاه" الإسلامي الذي كان يرأسه نجم الدين أربكان. وفي الدولة العراقية والسورية خلال مراحل كانت تعلن الصبغة الدينية، وفي مراحل لا حقة تزعم العلمانية ... في ظل هذه النظم التي تعلن الإسلام وقيمه-والعلمانية وقيمها-ظلت الخصوصية القومية السياسية العربية فيها حاكمة، وظلت الخصوصية القومية الكوردية مُحاربة بقوة فيها. لذا فان الثورات الكوردية في مراحل مختلفة من تاريخ النضال الكوردي، كانت ردة فعل مشروع، وتبلورت على يد بارزاني ورفاق النضال معه؛ إلى ثورة ذات خصائص مميزة، تمخض عنها أخيرا؛ واقع، نشهد اكتمال ملامحه اليوم؛ في بروز الخصوصية القومية-الكوردية السياسية في إقليم شبه مستقل في كوردستان العراق، ودلائل تشير إلى إن القضية الكوردية تأخذ بعدا دوليا في سياق الشرق الأوسط الجديد او الكبير.
ذهنية/ سيكولوجية الكورد او لنقل "الثقافة" الكوردية مادة يبرع العدو في استغلالها عبر وسائل مختلفة بحسب الظروف. فتارة "اخوه الإسلام" وتارة "المواطنة" وتارة "التجهيل " وأخرى "القمع" وتارة قلعه من موطنه "تهجير" وأحيانا "إغراء الناشطين" او "المتنفذين" في صورة او أخرى...لكن الخطر الكبير يبدو في زرع معنى "عبادة الفرد، او الشخصية" في ثقافة أبناء الكورد. مستثمرة أسسا نفسية وذهنية كوردية قديمة ...
يقول الأمير صالح بدرخان في كتيبه "مذكراتي" ترجمتها ابنته الأميرة روشن، ونشره دلاور زنـﮕـي -ص (78):
"إن الحالة الحاضرة التي يعيشها الأكراد علينا أن نطرح الشخصيات جانبا ونتجاهل كل شيء وان لم نفعل ذلك يجب أن نؤمن كل الإيمان باننا نجني على قومنا وبيدنا نخط له حكم الإعدام والاضمحلال".
صرخة تعود إلى ما قبل قرن من الزمان وهي ناتج تجربة مر بها الأمراء البدرخانيون. فهل اتعظت بها قيادات حزبية كوردية ذات أسماء، ودون جماهير او إنجاز يذكره التاريخ لها سوى ارتدادات أخطاء ارتكبوها على بني شعبهم وواقع وطنهم.
فكأن حالة الأنانية التي ترسخت في تكوين شخصيات كوردية في موقع القيادة السياسية أو الإدارة الاجتماعية...واستجابة شعبية لها، أصبحت مشكلة حقيقية تعيق الخطوات التوحيدية على أساس قومي/وطني/ إنساني في منظومة تمكنها من مواجهة تشرذم تعيشه. ونتساءل: هل لذلك علاقة بأصول الكورد وثقافة منبثقة عنها تاريخيا؟
من هنا تبدو أهمية قراءة التجربة النضالية الكوردية خلال قرون طويلة، وما يشبه خلاصتها في تجربة متبلورة لدى بارزاني؛ تتجلى في ممارسته النضالية ضد أعداء الكورد، ويمكن تلمسها في سيرته-جملة ومفردات فيها-والتي باتت معروفة ضمن ما كتب او روي عنها. أسمى بعضهم هذه التجربة بـ "البارزانية" "سبقت الإشارة إلى ذلك.
فهل ستكون التجربة مدار دراسة وتأمل واستلهام، أم أنها ستصبح –على يد بعضهم مجرد شعارات تُجرّد من مضمونها الغني لغايات سياسية مستهلكة، وعلى يد بعضهم مادة انتقاد على أسس نفسية (مشاعر سلبية) وروح انتقامية؟!
المغالاة في الإسلام او ممارسته بفهم خاطئ من قبل بعض الكورد؛ توازيه مغالاة في النظرة العدائية إلى تاريخ الكورد الإسلامي، ومحاولة تشويهه والتبرؤ منه دون قراءة متأنية وحكيمة لدى بعضهم الآخر. فالحكمة –وحسن الأداء السياسي-تقتضي أن تستثمر كل عناصر تاريخ الأمة، وتوظف في لملمة تراثها لتسهم جميعا في مسيرة حاضرة والتأسيس للمستقبل.
يُخشى أن حكام الكورد (الفرس والترك والعرب) يركبون موجة تشويه النشاط الذهني/النفسي (الثقافي) الكوردي المعاصر، لعزل المسار الكوردي عن تاريخه الإسلامي، وزرع شك ومفاهيم مشوهة فيها. وتتعهدها لتترسخ، بقصد إيجاد خلل في تجانس ثقافة الكورد مع مساره التاريخي فيما يخص الجذور والتراث الكورديين، فتزرع الخلافات والاختلافات بين أبناء الكورد بعضهم بعضا، مما سيساهم -ويزيد-في تجريد الكورد من" روح الأمة" الجامعة التي تجمعهم على أهداف وغايات مشتركة برؤية واعية؛ بناء على قراءة متأنية ومسؤولة للتاريخ والواقع معا، وأدراك الحقوق الشخصية للفرد في القناعات والمعتقدات كما يقتضيه الفهم الديمقراطي والطبيعي للحكم والإدارة.
فلا نستغرب –إذا-ما يبدو راهنا من إثارة روح الانفعال والتشدد والتعصب للاتجاهات السياسية خاصة، في أوساط كوردية شابة وأمية-رجالا ونساء-بدوافع أيديولوجية، او التحزب وقد أساء ذلك إلى الحالة الثقافية الكوردية العامة ولا يزال مؤثرا في حالة تناحر وغياب حوار بناء. لان ذلك يسيء إلى تكوين طبيعة شخصية الإنسان الكوردي والحالة الثقافية لديه. ويبدو أن هذه غاية تسعى اليها قوى غريبة عن الكورد، خاصة نظم الحكم في الجوار. وان الخطورة في هذا النهج على الكورد ربما أشد من مواجهة مباشرة في صورة اعتقال وسجن وممارسات مختلفة أخرى بما فيها القتال.
 إفساد مجتمع في عناصر ثقافته (ذهنيته وسيكولوجيته) -كما ذكرنا أخطر من تأثير عوامل مباشرة ينتبه اليها الإنسان-فردا ومجتمعا-لذا نجد لمسات ذات طبيعة استخباراتية على مساحات من فعالية وأنشطة كوردية، نظرية وعملية، لعل السوء فيها أنها لا تظهر واضحة لكثير ممن يفتقرون الي نضج في العمر او الوعي، إلا بعد وقت تكون قد فعلت فعلها، وتركت بصمات سلبية على مسار النصال القومي الكوردي. ولا نبرئ استخبارات عالمية من هذا الدور.

 بارزاني يمثل قدوة ومُلهما؛
لا شعارا يتردد فقط
هذه الكلمات تحاول أن تسرد سيرة رجل دفعته خصائص فيه، استقاها من بيئة صقّلتها، إلى ممارسة قيادة نضال مرير ودموي خلال سنوات طويلة، من أجل حقوق قومية -وطنية -إنسانية مشروعة آمن بها، وأنجز منها ما أسّس لبداية تاريخ قومي كوردي جديد، وذي ملامح خاصة في العصر الحديث، لاسيما ثورة أيلول التي استمرت عقدا ونصف العقد (1961 – 1975) سطّرت أثناءها، أخبار بطولات في النفوس والذاكرة والأسفار، وسطّرت مواقف حكيمة وروحا إنسانية فيها. ثم تلتها ثورة أيار "ﮔولان" بعد عام 1976 واستمرت، ورافقتها عثرات ومآسي وكوارث منها "الأنفال" و "حلبجة"... تمخضت أخيرا عن إقليم كوردستان الذي نشهده اليوم يمارس حكمه في نظام فدرالي، بفعالية، وحضور مميز لمجموعة مناضلين أبرزهم الرئيس مسعود والذي ترشحه الأحداث والظروف ليكون مؤسس دولة "كوردستان الحلم". لذا فان جهود إعاقة المشروع تتكاثف من النظم الإقليمية خاصة. وتتخذ أشكالا مختلفة أسوأها تلك التي تنجح في تسخير قوى كوردية في الانخراط فيها.
وتقديرا لأهمية المرحلة والتطورات الجارية فيها، يفترض بالفعاليات المختلفة أن تتلمس صيغة تآلف يتيح، الالتفاف حول قيادة تحسن قراءة الواقع، ولها شبكة علاقات دولية ومحلية وإقليمية في ظروف عصيبة واستثنائية سائدة. ولا ينبغي للكورد أن يفوّتوا فرصة تبدو مواتية لتقرير مصيرهم إيجابيا من قبل قوى دولية مؤثرة لتوافق ذلك مع مصالحها، وان الكورد عندما يكونون متحدين سيحققون فوائد كبيرة في ظروف التشكيل الجديد لمنطقة (الشرق الأوسط).
إن أي ممارسة ذات طابع أناني ستنعكس سلبا على مخاض "كوردستان" الجنين، وولادته بخصائص تخدم تأسيسا سويا لها، ومن ثم استمرارها المأمول، وفقا لما هو مرجو وهو: نظام ديمقراطي يستوعب تباينات، ويوفر فرصة لتغيرات مفترضة بحسب قرار الشعب في تصويت وانتخابات نزيهة.
استطاع بارزاني أن يستوعب محاولات الأيديولوجيا الماركسية "الحزب الشيوعي" وتجاوز عناصرها المعيقة لطموح ثورة كوردية نحو هدف قومي كوردستاني. نقرأ ذلك في كتاب مير بصري "أعلام الكرد"-ص(48):
"وأخيرا اعتبره المؤلف (ويقصد الميجر إدغار أوبالانس-م.ق) أحد القادة الكبار في القرن العشرين لمضاء عزيمته وكفاحه في سبيل الاستقلال الذاتي الكردي، في العراق، وشعوره بان إنشاء دولة كردية مستقلة لا تملك عناصر الحياة اقتصاديا. وقد تمكن من السيطرة على محاولات الشيوعية لأخذ القيادة من يده وتوجيه الثورة الكردية وجهة أخرى لا ترتضيها أكثرية الشعب الكردي. وهكذا فإن بقاء الملا مصطفى أحد عشر عاما في الاتحاد السوفييتي لم يدفع به إلى اعتناق المبدأ الشيوعي".
ليست المسألة هي في عدم اعتناق الأيديولوجيا فحسب، بل أن الأيديولوجيا الماركسية كانت ولا تزال تمثل قوة بيد متنفذين يتحكمون بمفاصلها لتسخير قوى بسيطة –او منتفعة-في مشاريعها، وتُوظّف غالبا، شخصيات ومجموعات ذات طبيعة قلقة في انتماءاتها او ثقافتها، كثير منها لا يتمتع بخبرة ونضج عند اعتناقها، ثم تكبر معهم كقناعات وقد تتحول إلى ما يشبه معتقد. فالأحزاب الأيديولوجية عموما، تنتهي إلى أن تكون "عقائدية" عن سبق إصرار، باعتبار أساس تُبنى عليه هو: رؤية أيديولوجية تزعم أنها تمتلك الحقيقة ... وهذه باتت ظاهرة معروفة... قد لا يكون لاعتناق الأيديولوجيا دوافع مثيرة للشبهات دائما، لكن كونها دوافع تُبنى على وعي غير متبلور بات ملحوظا. وللاعتياد والتأقلم السيكولوجي دوره كما في معظم حالات الانتماء، سواء إلى أحزاب أو اتجاهات أخرى، منها دينية في ظروف غلبة جهالة وفقر وتخلف ... فتزداد فعالية حال نفسية على حساب فعالية تفكير وتمييز وحرية اختيار وإرادة تنفيذ...
خلاصات قراءة التراث الثقافي وقيم اجتماعية تربوية تؤكد، أن الخطوة الأولى تحدد المسار لأي عمل، وتعبر عن ذلك مقولة منطقية تقول " المقدمات تؤدي إلى النتائج " فان كانت المقدمات صحيحة فستؤدي إلى نتائج صحيحة، والعكس كذلك.
وليس التأسيس لكوردستان "الحلم" استثناء. فكم من دول لا تزال تعاني شعوبها من مشكلات على الرغم من استقلالها السياسي. لأنها لم تبدأ خطوة التأسيس بشكل صحيح. يشهد التاريخ والواقع على ذلك، ويحكم أيضا.
هناك جدل-بشأن النكسة في أداء بارزاني، عندما أعلن وقف الثورة والانسحاب من أراضي كوردستان ... بعد اتفاقية آذار بين العراق وإيران –وبتواطؤ دولي يمكن العودة بشأنها إلى كتاب "البارزاني والحركة التحررية الكردية" –مسعود بارزاني-الجزء الثالث –يشرح فيه ما يتعلق بهذه الفترة. ولـ عزيز محمد رأي في هذا، في كلمته بمناسبة الذكرى التسعين لولادة بارزاني يوردها كتاب "من مهاباد الدامية إلى ضفاف آراس"-ص (130):
" ولقد أدت حسابات المفاضلة في النهاية، الوقوف مع الطرف الأخير –يقصد أمريكا-الأمر الذي وضع نهاية لسياسة الموازنة التي اتبعتها قيادة البارزاني لفترة طويلة، ووضع الثورة بالتالي في الزاوية، ومن ثم أدى إلى انتكاستها بعد اتفاقية الجزائر المشؤومة والمشينة ... نعم إن تعقيدات الوضع الدولي وحدّة تصادم المصالح، وقيود الجغرافيا السياسية وأحكامها آنذاك، كانت أثقل وأعقد من أن تتحملها طاقة الثورة وحساباتها...".
يتلمس السياسيون عادة، أسبابا تخدم مواقفهم ومصالحهم، وقد يلجأون إلى أساليب غير مشروعة أخلاقيا للتأثير على خصومهم بما يخدم اتجاهاتهم ومن ذلك مثلا، حدث إنهاء الثورة الكوردية بعد اتفاقية إيران-العراق، استغلها خصوم بارزاني مادة لاتهام موقفه بالضعف في اتخاذ القرار أو الخذلان... لكنه تجاوز ذلك، وأثبتت الأيام انه كان احرص على حياة الـﭘيشمركة وتجنيبهم مواجهة قوة ناتجة عن تفاهم بين دولتين تحكمان الكورد بروح عدوانية (العراق وإيران). وبمباركة قوى عظمى دولية منها أمريكا، ودول جارة تتربص بالثورة.
ولقد استأنفت الثورة نشاطها بعد عام فقط كما أشار اليه مسعود بارزاني في كتابه المذكور. وذكرت ذلك، د. مارغريت كان في كتابها "أبناء الجن".
نذكر باتفاقية الحادي عشر من آذار 1970 التي تعتبر ركيزة لما تلاها من إنجازات حتى تأسيس إقليم كوردستان، إثر انهيار النظام البعثي، في نيسان عام 2003.
الإنسان يتكوّن من عناصر عدة، أهمها الفكر، والسلوك:
أما الفكر فهو فعالية نفسية نظرية (معنوية) تعكس الواقع (الطبيعة)-عبر نتائجِ تفاعلٍ مُنتج للمفاهيم والصور. وأما السلوك فهو تطبيق وممارسة ميدانية للأفكار والصور والمفاهيم...، وتجسيد لها واقعيا؛ في عملية جدلية مستمرة بين الفكر والواقع. وما مفهوم الجدل او الديالكتيك سوى علاقة التبادل بصيغة فلسفية. فالأفكار معان حتى تتجسد تطبيقا في الواقع. وهذا لا يعني التقليل من حقيقة أن الفكر يقود عمليات التطبيق. فبدون تصورات ومخططات نظرية لا يبلغ العمل التطبيقي منتهاه بنجاح.
من هنا نلاحظ تاريخيا، وفي الواقع المعاصر أيضا، أن القوى الاجتماعية الأكثر تأثيرا ونجاحا وإنجازا هي التي تملك كوادر علمية وفكرية (الغرب نموذجا) ودول وضعت قدمها على درب التقدم (روسيا –الصين-اليابان...الخ). ومن جهة أخرى، فان القوى الأكثر تخلفا هي التي لا تملك علماء ومفكرين وفلاسفة، او تملكها لكن غياب الحرية والأمان والتشجيع ...يدفعها للهرب إلى الغرب خاصة. وقد تكون هجرة دافعها طموح أيضا أحيانا –تعرف الظاهرة بـ "هجرة العقول" وتمثل استنزافا للقوى الذكية المبدعة والفعالة والمنتجة... تعاني منها شعوب العالم الثالث –والكورد منها. فينعكس سوءا على واقعها. وإن الهجرة الكوردية أصبحت عامة ونشيطة منذ الثورة السورية والظروف التي رافقتها –خاصة في المناطق الكوردية – ومنها استئثار جهة كوردية" P.y.d " بالسلطة واتخاذ قرارات أحادية الجانب. وقصور –أو عجز-الأحزاب الأخرى عن قراءة الواقع واتخاذ إجراءات وقاية من الاحتمالات السلبية.
 كان بارزاني ممن يحاول توفير الكوادر العلمية والمثقفة عموما، للزج بها في خدمة قضيته القومية، فامتنع عن استقبال الطلاب، بل يشجعهم على متابعة دراساتهم، وأوفد بعضهم ليكون كادرا على الرغم من ظروف الثورة القاسية. وهذه قضية أثير حولها جدال أحيانا، وهذا طبيعي في ظروف الخلافات والصراعات السياسية، لكن الواقع يشير إلى أن بارزاني كان حريصا على وجود كوادر علمية تخدم ظروف الثورة.

 شخصية بارزاني
(بعض ملامح)
ربما أول ما يلفت الانتباه في شخصية "بارزاني" لباسه، وهيئته الكوردية؛ مما يجعله يمثل نموذج الشخصية الكوردية التراثية، والنضالية المُهابة، والمتواضعة باعتراف الذين التقوه أو كتبوا عنه منهم دانا آدمز شمدت، نجف قولي بسيان، ش.ج.آشيريان...) سنورد شهادة أدلو بها عنه لاحقا. ومنهم السفير "اللّن" يصف زيّه الكوردي بإعجاب فيقول:
"...عندما وصلت منزل (سكستون) كان البارزاني قد سبقني مع ترجمان إيراني ...أذكر (البارزاني) وهو بثياب الزعيم الكردي الوطنية، التي تدري أنت كم هي مثيرة جاذبة".
نذكر بان سياسيين كورد يحاولون استثمار شخصيته وسمعته وحبه في نفوس الكورد؛ لتحقيق غايات حزبية أقل ما يقال فيها أنها أنانية. يؤثر على بريق جذوة الإلهام في نفوس الناشئة –بل وشرائح الشعب التي اعتادت أن ترى فيه قائدا ذا طبيعة أسطورية، تروى عنه قصص معظمها واقعية، وبعضها مبالغ فيها، (وهذه هي الأسطورة في بعض معناها، سرد ممزوج بتخيّل عظيم وتفسير يستجيب لحاجة المرء والمجتمع النفسية والمهم أنها جميعا عفوية).
هذه الروايات عنه في دوره وممارسته لقيادة الثورة كانت ملهمة لروح قومية نبيلة، والبطولة النادرة، والتخيل المحرك لجذوة الشعور القومي النبيل، وطّموح يشحذ الهمم والعزائم. وهذه هي الخصال التي ترافق تميّز القائد في الشعوب على مرّ التاريخ عادة. مؤسف أن تَدفع روحُ أنانية بعضَهم إلى محاولة تزييف الحقيقة للتأثير على مكانة بارزاني الرمزية في حياة الشعب الكوردي. لقد دوّن تاريخه، ولن يتأثر بهذه المواقف. لكن الذي يتأثر هو أمران على الأقل:
• تزييف التاريخ، ولهذا أثره على مصداقية جزء من تراث وتاريخ كوردي.
• تشويش على ثقافة الأجيال اللاحقة. مما يضر بالنظرة الموضوعية للتاريخ ودور شخصيات قيادية فيه، فيؤثّر سلبا على طبيعة وقوة إلهام يحتاجه الشعب دوما.
يقول مثل كوردي: " Diz malê nakin lê malê xelkê xira dikin"-
ويعني: "اللصوص لا يكوّنون ثروة لكنهم يبدّدون ثروة الآخرين".
يلتقي النوعان، المتسلق والمعادي لبارزاني، على الإساءة للكورد، بقصد أو بدون قصد.
الروح القيادية في شخصية القائد بشكل عام هي وهج لا ينبغي أن تضعف جذوته، ويغبّش نقاؤه، ويشوّش بسفاسف الأمور، ليبقى جذوة متقدة بالإلهام لأبناء الأمة دوما، في حياة القائد وتراثه بعد مماته.
لا ننسى أبدا أن أمة الكورد مُنجبة ٌ لقيادات وشخصيات بطلة على مرّ التاريخ. شأنها شأن الشعوب الحية في التاريخ. فتميّز شخصيات بمميزات خاصة لا ينبغي أن يعزلها عن وسطها الاجتماعي والشعبي، بل تفرض هذه المميّزات والخصال نفسها أن تكون أكثر قربا من شعوبها، تستمد من روحها، وتستلهم منها الشعور بقوتها وامتداد جذورها في عمق تاريخها، ونبض روح فيها توقد جذوة حياة كريمة تسعى اليها، بل يسعيان معا اليها. بتفاعل مستمر.
الشعب الكوردي موصوف بالشجاعة يشهد به واقعه وتاريخه، وقد مرّ معنا، ما ذكره يحيى الخشاب في مقدمته لترجمة كتاب الـ "شرفنامه" إلى اللغة العربية وهو قوله:
"والكرد متصفون بالشجاعة وهم " أشد من الأسود إذا غضبوا، وأخف من البروق إذا وثبوا" صبح الأعشى ج4 ص379. ويطلق على الأكراد "قريش العجم" تعظيما لهم. " شفاء الغليل ص3...".
فلا غرابة أن يكون بارزاني الذي ينتمي إلى هذا الشعب الشجاع قد انفرد بخصال أهّلته لممارسة دور قيادي كتب عنه كثيرون. منهم الصّديق، ومنهم العدوّ، ومنهم الباحث والصحفي ... في عنوان كتاب "مصطفى البارزاني-الأسطورة والحقيقة"-د. "فاضل البراك" -1989. --ويبدو أنه لصالح الاستخبارات العراقية-ما شجع على استنتاج أن وصف "بارزاني" وبعض أفعاله كان ناتج نهج في قيادته لثورة أيلول عام 1961. فألهمت الكاتب-بل ربما فرضت عليه، من حيث يدري أو لا يدري -هذا العنوان المثير"...الأسطورة والحقيقة"، والذي يشهد على واقع الحال الذي كان عليه بارزاني في الوجدان الشعبي العراقي بتكويناته المختلفة، والوجدان الشعبي الكوردي على الخصوص. وامتد إلى وجدان الكورد خارج العراق أيضا.
هناك كتّاب أكثر واقعية وموضوعية بحكم طبيعة ثقافتهم، وظروف احتكاكهم بـه يمكن الاستشهاد بما كتبوا عنه، ومنهم الصحافي الأمريكي دانا آدمز شمدت الذي زار الثورة كصحفي في أيار عام 1962 وبطلب منه، يذكر ذلك في كتابه. وكانت النظم العراقية المتعاقبة قد فرضت عزلة على الثورة لمنع أخبارها عن الخارج بكل ما استطاعت. يتحدث دانا آدمز عن رحلته ويصفها بـ “بداية الأوديسي..." للقائه بناقل رسالة -ص (17 -18). :
"... رسالة البارزاني تتضمن رغبته في دعوة الصحافة الغربية لزيارته وزيارة قواته في جبال كردستان العراق...واستهوت الفكرة عدة مراسلين ..." ويبدو أن ما في الرحلة من مغامرة مقلقة أدت إلى تراجع المراسلين كما يقول دانا آدمز: " وانفض المراسلون تباعا، واحدا بعد الآخر باستثناء صحفي سويسري... وألماني...وأنا".
(بداية الأوديسي... نسبة إلى اديسيوس ورحلته الشاقة في ملحمة هوميروس-المعرب).
ويستمر دانا آدمز في حديثه قائلا في حاشية ص (18):
"في النهاية استغرقت الرحلة تسعة وخمسين يوما من تركِنا بيروت في الرابع من تموز حتى عودتي في الأول من أيلول وبضمن ذلك ثلاثة عشر يوما استغرقتها الرحلة من بيروت حتى الحدود العراقية، وبعدها من الحدود العراقية حتى بيروت. وستة وثلاثون يوما في تنقّل على ظهور البغال والخيل في أرجاء كردستان، وعشرة أيام في مقر البارزاني...".
كتب القاضي وليام.و. دوغلاس مقدمة للكتاب نقتطف منها ما يلي-ص7:
" إن قائد الكرد وزعيمهم، وهو مصطفى بارزاني الذي عرفته صديقا، وتاريخ الكرد الذي سرده (دانا آدمز شمدت) هو تاريخ سمعته من شفتي البارزاني، وسمعته أيضا من كرد شمال إيران وشرق تركيا ومن زوار كرد تسللوا خفية لدائرتي، بعد أن وصلوا هذه البلاد لاجئين مضطهدين".
ويقول في -ص (9-10):
"هذه البداية الفظة كانت فاتحة صداقة حميمة. وقد اكتشفت في البارزاني تلك الجمرات المتقدة للوطنية والتحرر المعهودة في كل أمريكي يتذكر 1776". (1776م هو عام الثورة في الاستقلال الأمريكي. بحسب المعرب).
هذه الشهادات وأمثالها تظهر روحا وآفاقا قومية / وطنية وإنسانية أيضا في الثورة الكوردية بقيادة بارزاني، ويدحض محاولات خصومه بانه كان يريد هيمنة عشائرية في المنطقة. استغلت السلطات المتعاقبة –وخصومه من الكورد أيضا-ذهنية قبلية سائدة حينها لإثارة حفيظة عشائر ضد الثورة، وأفلحت إلى حد ما لولا حنكته القيادية وأفقه الاستراتيجي، فضبط إيقاع مسار الثورة إلى درجة مثيرة للإعجاب في ظروف ثقافة قبلية مرتبكة سياسيا لشعب مقاتل شجاع. يقول القاضي وليام.و. دوغلاس -ص (11):
"إن أحاديثي مع البارزاني في بغداد، لم تدع لي أي حجة للاعتقاد بأنه يريد العمل لبناء دولة كردية، وكان ينشد آنذاك كما ينشد الآن حكما ذاتيا ويعني بالحكم الذاتي عموما ما نسميه ممارسة حكم أهلي في ظل نظام فدرالي، اللغة الكردية، التاريخ الكردي، الشعر الكردي هي أشياء غالية عند البارزاني...".
وتحت عنوان "قصة البارزاني" يقول -ص (139):
"هاهنا رجل متين البنيان إلى درجة غير عادية، دمث الطباع، وقور السمت، نفاذ العينين...". ويستمر قائلا: "يرتدي (البارزاني) ثيابا لا تمتاز بشيء عن سائرهم، بذلة وطنية رمداء –بيضاء، بسيطة، ويشد فوق خصره حزامين من الرصاص ويعتمر بالعمامة الحمراء البيضاء التي تميز بني قومه، وهو متوسط القامة إلا انه يشمخ كالبرج الأشم فوق رجاله، أو هو كالعملاق في وسطهم. (البارزاني) رمز الحركة الوطنية الكردية (البارزاني) الرأس المفكر لثورة الكرد العراقيين والقائد العسكري والزعيم السياسي، القلب والدفاع، الرجل الذي يتمتع بأعظم الحب في كردستان، الرجل الذي يشيع أعظم الرهبة في كردستان".
ويذكر تأثير الثورة ومسؤوليتها على ملامحه في ص (282) قائلا:
" أما الآن فإن الخطوط في وجهه قد ازدادت عمقا، وبدت عليه تعابير الجلال والخطورة، حتى لكان كل مسؤولية الثورة التي يقودها قد ناء بثقلها عاتقه. وهو يرتدي الزي الكردي المألوف الأرمد والأبيض، لا يفضل به على ثياب رجاله ولا يقل عنهم".
وفي إحدى دعاباته مع الصحافي الأمريكي التي يخلطها بالجد -كما يقول هو نفسه-يبدي من التعبير ما ينبئ عن ثقة بالنفس تجمع بين الواقع والتواضع فيقول: ص(283):
"فالتفت إلى (آﭘو) وقال بين المزاح والجد. –إني لست جنرالا، إنني مصطفى لا غير. قل لصحيفتك إني لا أهتم قلامة ظفر بالألقاب، وإني لست الإ فردا من الشعب الكردي".
كلمات تتكرر على لسانه في مناسبات تستدعيها، فكانت تمثل حقيقته وقد سمعنا عنها، وقرأناها ومن مصادر مختلفة. هذه هي طبيعة المجتمع الكوردي البسيط في حياته إذا كان رؤساء القبائل فيهم من أولئك الذين يقدّرون معنى كونهم رؤساء قبائل يتحملون المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية والدينية عنها. وقد لاحظنا هذه العلاقة النقية والشهمة بين رؤساء قبيلة بارزان والقبيلة بفروعها المختلفة، يذكر نجف قولي ﭘسيان طرفا عنها. فكيف إذا كان يرتقي رئيس القبيلة إلى أن يكون قائد ثورة قومية/وطنية ... تستقطب اهتماما إقليميا ودوليا؟!
لا نكثر الحديث عن هذا الموضوع. فنظرة إلى صوره الكثيرة وأفلام عنه تؤكد بما لا يدع مجالا للشك ما كانت عليه طبيعته. ولو لم يكن كذلك لما كانت له هذه السمعة "الأسطورية" وهذا الأثر العفوي في حياة الكورد على الرغم من كل المحاولات التي أرادت النيل من ذلك، ومن أطراف عديدة ومختلفة.
لقد استقرت محبته في أعماق أبناء جيل عاصر حياته وقيادته لثورته –وانا أحدهم-وترسخت وتجذرت في الأعماق بحيث لا يكاد المرء يسمع اسم بارزاني حتى ينتفض في أعماقه صداه عفويا ودون إرادة منه. قد تكون المشاعر هنا ذات طبيعة خاصة. لكنها تمثل نفسها على حقيقتها. فقد كان الرجل يمثل تراكم شعور بالاضطهاد من جهة ودفقا من الأمل من جهة أخر. لذا فان تفسير الحالة هو منسجم مع ما كان وما يجري.
وفي موضع آخر من كتابه يقول دانا آدمز –الصفحة نفسها(283).
"...فعرفته رجلا لا تفارقه وكرامته ورصانته في كل الظروف. قد يغضب إلا أنه لا تأخذه سورة منه، وقد يضحك ولكنه لا يقهقه، ويصر أن يأكل مع رجاله او على الأقل أن يأكل مما يأكلون وفي أغلب الأحيان يقطع مشيا على الأقدام المسافات التي يقطعونها بدلا من امتطاء الخيل او البغال الميسورة له دائما".
تذكرني خصاله بما عرفت عن حياة محمد (ص) والذي لم يكن يميزه الزائر عن صحابته فيسأل قائلا: "أيكم محمد؟ ". ويشارك أصحابه العمل في الأسفار، ومن أقواله في احدى المناسبات: "وعلي جمع الحطب" لمن قال من الصحابة سنغني عنك.
ولهذا دلالة مهمة هي: الروح الإسلامية التي سكنته إيمانا وسلوكا. فهو ابن ثقافة كوردية إسلامية ممتدة عبر قرون طويلة؛ أشرنا إلى واقعها وأهمية الانتباه اليها في محاولة فهم طبيعة الثقافة الكوردية بعناصرها جميعا... ويمضي في الحديث عنه، وقد أمضى عشرة أيام بين الكورد في زيارة تم الحديث عنها. فيقول: ص(287):
" الإ أن العدالة هي محور حديثه المفضل. فتراه يقول: إن الشعراء والفلاسفة والحكومات يتحدثون عن العدالة ـ انهم يتحدثون عن الرحمة وسلامة النية. لكن القوة وحدها هي المعوّل عليه في حياة الشعوب".
يتحرى العدالة لكنه يضطر للقوة " لكن القوة وحدها هي المعوّل عليه في حياة الشعوب"
كل إنسان سوي قد يدرك مفاهيم، نظريا. لكن ليس قادرا –بالضرورة-على إدراكها في تطبيقاتها...فهذا يحتاج نباهة وقدرة على تنفيذ التصورات (إرادة) فضلا عن عوامل مختلفة في تكوين الشخصية تؤهلها للعب دور متميز.
يصفه نجف قولي ﭘسيان في كتاب " من مهاباد الدامية... " كالتالي-ص(82):
"والملا مصطفى هو رجل متوسط القامة متناسق الأعضاء، حنطي اللون، متفتح الجبين، واسع العينين، وعلى سيمائه كل علامات الشجاعة والفروسية، له باع في اللغات الإنكليزية والعربية والتركية والفارسية، قاتل الإنكليز والعراقيين والإيرانيين لمدة 17 عاما، شهد وشارك معارك دموية كثيرة ضد هذه الدول".
إن معرفة الملامح البدنية للشخصية كنوع من عناصر تكوينها، قد تعين على استكمال معرفة الشخصية في خصالها النفسية (الفكرية والروحية) وهذا ما يجعلنا نتعرف على رجل حاز اهتمام الذين التقوا به، وأكدوا على الخصائص القيادية في شخصيته. فالمعروف بأن الشخصية تتكون من جسد (بدن) وروح (نفس او عقل) لذا فان انعكاسات كل جانب مؤثرة على الجانب الآخر. فقد ينساق المرء مع قوة عضلاته، وتتأثر أحواله النفسية بهذا الشعور فيتصرف بوحي من شعوره بقوته البدنية مهملا القوة النفسية (العقلية والروحية) المهمة للإنسان. نرى ذلك لدى رياضيين مثلا حتى درج قول شعبي يجسد هذا المعنى. لكن المسار الصحيح لنمو وبناء الشخصية يعتمد على توازن بين قوى الإنسان البدنية والروحية (النفس -عقلية). ويتجه الاهتمام إلى أن يقود التفكيرُ أنشطةَ الإنسان، النفسية والبدنية... وهو خلاصة معرفة وتجربة تنتج الوعي وقوة الاختيار واتخاذ القرار (الإرادة) ...الخ.
ملاحظة تبدو مهمة، وهي الاهتمام بتكوين متكامل للشخصية الإنسانية، يبحث علم النفس وفروعه المختلفة ذلك بتفصيل كاف ومفيد. لكن بعضهم، لأسباب منها، الأمية والجهالة او اللامبالاة او استلاب الشخصية من قوى مختلفة –سياسية خاصة-... الخ. يفتقر إلى إدراك ظروف تكوين متكامل لشخصيته، فيبقى ناقصا في تكوينها، ويصبح صيدا سهلا، وأداة طيعة –أيا كانت الدوافع-لمن يستغلّه، ويسخّره لمآرب خاصة لا تفيده في شيء. بل قد تضره.
من عيوب شعوب متخلفة أنها قلّما تدوّن أحدث تاريخها وما يتصل بخصائص أبطالها وقاداتها بشكل دقيق، وان تداولتها شفاها في الأغاني والحكايات والقصص.
باختصار إنها شعوب تكاد تكون بلا تاريخ سوى ما تتناقلها الحكايات والأغاني الفولكلورية –وهي غير دقيقة-او ما كتبه عنها جهات قد تكون ذات غرض سياسي او ثقافي كما في حالة مستشرقين ومبشّرين مثلا. وهذا يمثّل خطورة على تكوين ثقافي تراكمي لها. فينعكس سلبا على روح جامعة بين أبنائها "روح الأمة".
أو قد تكتبها، بمنهج مرتبك بسبب ما هي فيه من تخلّف وقلّة الخبرة، وغلبة عوامل ذاتية في الفهم... فضلا عن دوْر سوء الإدارة السياسية. وليس الكورد استثناء. فتبقى تلك الكتابات بلا قوة تأثير والهام. وقد تؤدي إلى تشويه تاريخهم وفقدان مصداقيته. لذا تبقى المراجع الأجنبية -المترجمة خاصة-محل اعتماد لتوفّرها، واعتقاد أنها أكثر مهنية. مع ذلك تبقى أفضل متاح. والأفضل تعبيرا عن الوقائع والأحداث لتمتع كتابها بالحرية والخبرة... فهل دوما يصدقون ؟! إنها ملاحظة عابرة لها أهميتها.
ونعود لنقول: هذه الحالة القيادية لا تنفصل عن بيئة ولدت وترعرعت فيها وتشرّبت قيمها. وقد يكون هذا أحد أهم ما ميّزه. فهو متفرد بميّزات قيادية في شخصيته من جهة، ومنغمس في ثقافة عشيرته وشعبه، من جهة أخرى بأفق قومي ذي مدى يلامس الإنسانية أيضا. ويكمن في هذا التلاحم سر نجاحه، بخلاف قادة قد تكون لهم خصائص تميّزهم؛ لكنها بعيدة عن الجذور والثقافة الشعبية، فتمارس قيادتها من موقع فوقي، تنظر إلى الشعب كأداة منفذة لما تريد أو تشتهي. وكنتيجة لهذه الحالة، تتبلور علاقات مصطنعة تَحرم القائد والمقودين معا من قوة تبادل الإلهام العفوي، فيستدعي تدخلا مباشرا او غير مباشر للحفاظ على موقع القائد.
وإذا كان احتمال حدوث مشكلات لأي قائد قائم دائما، فإن الذي تشكّل ونَما في ظروف بيئة شعبية ذات جذور ثقافية طبيعية، ومتفاعلة بلا تعسف أو اصطناع، وبروح متميزة، وسلوك متواضع، هي الأكثر نجاحا واستمرارا في الوجدان العميق لشعوبها.
فالمعيار في تقييم أي قائد إنما هو ما يتمتع به ضمن أبناء شعبه، إلا أن شهادات الغرباء أيضا لها أهميتها إذا خلت من أغراض خاصة مباشرة. أي إذا كانوا ممن يدلون بشهاداتهم بدوافع مهنية لا سياسية مثلا، صحافي، شاهد عيان لا صلة له بما يجري... او لاشتهار الكاتب بمصداقيته في منهجه ...وحتى في حالات ذات صلة بالسياسة والمصلحة يمكن التفريق بين اتجاه ذي طبيعة مصلحية واتجاه ذي طبيعة مهنية في التوصيف او التقدير غالبا...
نستشهد مرة أخرى بـ مير بصري في كتابه "أعلام الكرد" -ص (46):
"قالت جريدة "التايمس" اللندنية في 27 آذار (مارس) 1975 إن الملا قد أصبح شخصية شبه أسطورية بين الأكراد لكفاحه الطويل ومقاومته السلطات التركية والبريطانية والعراقية ...".
جريدة "التايمس اللندنية" الشهيرة، تصفه بـ "شخصية شبه أسطورية...".
وفي كتاب: "بعض المقابلات وأحاديث البارزاني الخالد"-نسخة ألكترونية. يقول، المؤلف، الصحافي السويدي تورد فالستروم:
"ما كل عظماء العالم بالمقارنة مع هذا الرجل...؟! ما شاه إيران؟ ما كيسنجر وبالمة وويلسون. بالمقارنة مع مصطفى البارزاني؟! لربما هو القائد الشعبي الأخير، الأخير والوحيد".
توضح العبارة –ومعظم ما في الكتاب-إعجاب وتأثر المؤلف بشخصية بارزاني. ولا نعتمد شهادته مطلقة، الإ أنها تمثل رؤية مهمة من منظور غربي، تعزز غيرها. خاصة، العبارة الأخيرة: "لربما هو القائد الشعبي الأخير، الأخير الوحيد". فهي عبارة تعبر عن تأثر عميق. وهو تأثّر صحافي غريب ذي خبرة لا مجرد إنسان رومانسي.
في كلمة عزيز محمد وهو شخصية معروفة في تاريخ النضال العراقي، سواء في ظروفه الشيوعية، أو في ميول قومية كوردية، شهادة تفنٍّد ما يذهب إليه مغالَطون أو معاندون أو معادون لـ بارزاني فيما يتعلق بالغاية الأساسية للثورة الكوردية إذ يقول:
"...أيا كان الأمر، بصرف النظر عن كل شيء، وبرغم الموقف الذي سبب ندم البارزاني الشديد (ويقصد ثقته بأمريكا-م.ق) فإن البارزاني لم يكن يستوحي في كل نشاطاته وتوجهاته العامة، غير مصلحة الشعب الكوردي وطموحه في تحقيق حقوقه القومية ومن اجل مستقبله المشرق المنير".
جدير بالذكر أن عزيز محمد هذا كان يشرف على مفاوضات بين الحزبين الكورديين: الاتحاد الوطني الكوردستاني برئاسة جلال طالباني والديمقراطي الكوردستاني برئاسة مسعود بارزاني. وانتهت إلى اتفاقيات لا تزال سارية. ويمارس الحكم بموجب بنودها واهمها التوافق.
ونعود مرة أخرى إلى كتاب "أعلام الكرد" نقرأ شهادة من شخصية معروفة تتحدث عن خصال بارزاني -ص (47):
"قام الصحفي الإنكليزي ديفيد أدامسن في خريف 1962 بزيارة للملا مصطفى البارزاني، وكان معتصما في الجبال يحارب عبد الكريم قاسم فكتب كتابه "الحرب الكردية" وقال عنه: " إن فضائله هي من طراز الشجاعة القديمة، حتى أن الإنسان ليعجب بسموّها إلى درجة ما، ... إن الحروب التي نشأ فيها كانت قبلية مشوبة بالوطنية وكانت حياته سلسلة من الحرب والخذلان والنفي، وهو طراز حياة أكراد كثيرين أدى إلى خلق صفة قوية، وربما خطرة، في الروح الكردية، قدرية حزينة، وهي صفة ظاهرة في الملا مصطفى".
إنه يكتب بروح تحليلية تستند إلى فهم غربي متأثر بروح ثقافية خاصة ذات طبيعة علمية وخبرة في الحروب من وحي الأخلاقيات والأدبيات الغربية...وهو إذ يشير إلى قدرية حزينة فهو يصف واقع حياة كوردية عانت من طول بقاء الشعب الكوردي تحت نماذج حكام متعددي الانتماء العرقي (عرب-فرس-ترك-) لكنهم متفقون على إبعاد الكورد عن الحياة السياسية، وتذويبهم في أعراقها بدوافع سياسية. وربما في تاريخ الكورد ما له صلة بهذه الخصلة. لهذا نجدد الدعوة الي بحوث جادة لتاريخ الكورد من كورد مختصين في التاريخ والفلسفة وعلم النفس ومختلف العلوم الأخرى ذات الصلة بدراسات أنثروبولوجية واثنولوجية ... تستخرج المكنونات من عمق الزمان والمكان الكورديين، ومسيرة طويلة وطويلة جدا لشعب لا يزال ينتظر معرفة ذاته القومية بكفاية تنتشلهم مما هم فيه من ثقافة يغلب فيها التسطح. بدلا من الانشغال باختلافات سياسية، وإنما تمثل اتجاهات ذات طبيعة نفسية يستثمرها أعداء الكورد ولديهم دراسات استخباراتية ومعلومات... لتحريكهم من دواخلهم ضد بعضهم بعضا. وهذه ظاهرة خبيثة من نظم، وسوء إدراك من أبناء الكورد.
من الناحية الشعورية؛ يؤلم المرء أن يقر بما في تكوين ذاته ومجتمعه من عيوب. لكن الواقعية والتطلع نحو التحرر، تفرض الاعتراف بالحقائق كخطوة لا بد منها للتطور والتقدم.
وإن هذا التوصيف للحال الكوردية جدير بالتنبيه إلى ضرورة مراجعة الكورد لمعظم عناصر ثقافتهم التاريخية (التراثية) والراهنة(الواقع). لبلورة رؤية تسهم في تكوين "روح الأمة" الجامعة لهم على أهداف محددة ومشتركة، ومنهج عمل مشترك ومفيد واقعيا.
إن الاجتماعات التي كانت تجري بين إيران، تركيا، سوريا، العراق -وبينها عداء تاريخي ولا يزال-وفي ظل حكومات متعاقبة قبل سقوط بغداد وبعدها، خير شاهد على ذلك.
إن استقصاء كتابات عن بارزاني والكورد عموما في الجوانب السلبية والإيجابية هو أمر مفيد: -استقصاء عن الجانب السلبي للاعتبار به، وفهم معلومات من وجهة نظر كتابهاـ بغض النظر عن صوابها أم لا، فهي تمثل انطباعات أصحابها وقراءتهم لظروفها، وينبغي الانتفاع بها.
- استقصاء عن الجانب الإيجابي الذي يمثل عناصر تشكيل بيئة وروح ثقافية لازمة لشعب عاش معاناة مريرة لزمن طويل، ويرنو إلى التحرر.
لا يتسع المقام هنا، لفعل ذلك، وليت بعضهم فعل ذلك، فقد آن الأوان لمنهج نقدي موضوعي يتّبعه مختصون كورد في قراءة تاريخ الكورد وواقعهم، بروح جادة؛ مهنية ومختصة، وبعيدا عن مؤثرات سياسية...!
إن ما خلّفته قيادات كوردية عظيمة، منها التي عُلُّقت على أعواد المشانق، أو ماتت في المنافي والسجون، أو اغتيلت...، إضافة إلى ما خلّفه علماء كورد ومفكروهم وفلاسفتهم وشعراؤهم وفنانوهم، ومثقفوهم... من تراث غني، يستحق أن يُنفض عنه الغبار، ليمثّل انبعاثا لوهج الجذور (تراث الأسلاف) في أنسجة الفروع (الأجيال الحاضرة).
البحث في حال ثقافية تنتظم فعاليات كوردية في إطارها، تفكيرا وسلوكا، يقتضي أن يتصدى له كورد نذروا أنفسهم لقضية شعبهم وتاريخه ولديهم مؤهلات تستوعب المهمة والرسالة، وليسوا مرتهنين لمشاعر عمياء، او ردود انفعال مضللة، او مصالح باهتة قياسا لقيمة تاريخ الأمة. مشكلات كوردية كثيرة، تبقى كوردية وان كان للغرباء دور فيها، ويبقى الكورد مسؤولين عن نتائجها. ومن الضروري معالجتها، لتحقيق ثقافة تتحدد فيها المفاهيم، والمناهج التي ينبغي إن تجمع-أو تؤطر-بين اتجاهات فعاليات تمثل أنشطتهم المختلفة. وهي مهمة مثقفين بالدرجة الأولى، ودعم صادق وعملي من السياسيين الذين لا يزالون يعملون بروح قومية/وطنية وإنسانية... إنها قضية معقدة ذات صلة بثقافة الكورد. وهم اليوم مشتتون.
• فبعضهم لا يزال مشدودا إلى تاريخ كوردي في سياق تاريخ إسلامي طويل يتجاوز أربعة عشر عاما، شكّل ثقافة لا يمكن تجاهلها، وما يحصل من إنكار وتجاهل من بعضهم إنما يعكس -من الناحية الثقافية/الفكرية-رؤية فيها خلل توازن بين انتماء ديني وقومي ومذهبي... بتأثير سياسي –بغض النظر عن الموقف منها.
• وبعضهم يسعى إلى التوفيق بين (الثقافة الإسلامية) وبين (القومية) وفي إطار الوطن، بأسلوب لا يهدر قيمة الكورد التاريخية؛ ويحسن التأسيس لحالة ثقافية متجانسة ومتصالحة بين التاريخ والواقع ومقتضيات ذلك. ومنه التراث الكوردي الإسلامي.
• وبعضهم يبني رؤيته على روح انفعالية ورد فعل، فيتشدد في الانتماء القومي تقليدا للغير (الفرس والترك والعرب...).
• وبعضهم يطرح نظريات مستقاة من روح أيديولوجية لها غايات سبق أن أشرنا إلى بعضها. والخطورة هي في منظومات بعناوين فكرية توحي بوجود لمسات غير كوردية فيها... ولا توفر حالة الثقافة القائمة للكورد ظروفا تعين على التدقيق فيها.
إن فقر المكتبة الكوردية في مراجع عن التاريخ الكوردي بكفاية، ومؤهلين متمّيزين فيه، يضطر المرء للاستنجاد بكتابات غرباء، وقد تمثل-في حالات -انطباعات حائرة، أو كتابات ذات غاية سياسية... إضافة إلى فقر في باحثين كورد مختصين بعيدين عن مؤثرات سياسية محرّفة للحقائق ومكرّسة للتشويه. أو قد يكونون موجودين لكن لا توفر الظروف لهم فرصة فعالية منتجة. وإن حرص الجميع على انتعاش حرية واضحة الأطر والمعالم ... يمثّل ضمانة لحيوية توفر مساحة نقدية لمعالجة الانحرافات. ومحرّضة لبحوث جادة، كما حصل في شعوب متقدمة. يقتضي هذا إعادة الاعتبار إلى دراسات فلسفية /فكرية قام بها فلاسفة ومفكرون في العالم، والكشف عنهم في تاريخ وواقع الأمة الكوردية للوصول إلى منظومة ثقافية تغترف من الثقافة العالمية وتصطبغ بروح كوردية حرصا على عدم زعزعة روابط اجتماعية كوردية، مع الاستفادة من جهود عالمية في الوقت نفسه.
أثمرت جهود غربية عن منطق صوري عقلي نظري قبل أكثر من عشرين قرنا، ومنطق تجريبي علمي في القرن السابع عشر. ورفدت الثورة الفرنسية بقيَم أسست نسيج ثقافتها عموما، وثقافة سياسية خصوصا، وقبلها ما أنتجته ظروف تأسيس دولة أمريكا القوية... جميعا أدى إلى مسار جديد لعلم السياسة، إذ كوّن ثقافة تمحورت حول المصالح. من هنا فإن الاهتمام بما كتب الكورد -المستقلون -عن تاريخهم، وثورات فيه، ومنها ثورة أيلول عام 1961 وشخصيات قيادية فيها؛ يصبح ضرورة. مع التأكيد على ضرورة وأهمية توخّي الموضوعية. فكتابة التاريخ ينبغي أن تكون صحيحة لأنها تمثل رفدا وقاعدة للحاضر والمستقبل معا.
من بين الذين كتبوا، او تحدثوا، عن بارزاني؛ شخصيات ذات خلفية ثقافية مختلفة كـ عزيز محمد الذي كان ماركسيا، يقول عن الثورة الكوردية:
"...ففي البدايات من غير الممكن ولا المنصف تجاوز واقع أنها بدأت المسيرة محلية وموضوعية في الشكل والظاهر ولكنها كوردستانية المضمون في الواقع. نعني أنها بدأت وسط مجموعة من الرجال الأشداء المتضامنين المشدودين بعضهم إلى بعض، والذين أحاطوا بالبارزاني إحاطة السوار بالمعصم. وكانوا قوته الضاربة وهم البارزانيون، وأنها كانت الخطوة الأولى الصعبة على الطريق.
صحيح أن الآخرون ساهموا في هذه البدايات كذلك ولكن ليس بالشكل الذي يغيّر الصورة. نشير إلى هذا لكي نسجل بالتقدير والإكبار هذه البدايات والخطوات الأولى وأولئك الذين ضحوا وواصلوا التضحية وبشكل لم يسبق له مثيل وحتى الآن من أجل نصرة قضية شعبهم ووطنهم من أجل مستقبل كوردستان العزيزة".
بمقارنة شهادة ديفيد أدمسن الإنكليزي –المعجب بـبارزاني أيضا-مع شهادة عزيز محمد الكوردي؛ يبدو كيف تلتقي الأفكار، وكيف تختلف بحسب طبيعة الثقافة. لكن ذلك لا يؤثر على النتيجة الإيجابية لدى معظم الذين كتبوا، عن بارزاني وثورة أيلول بروح باحثة منصفة.
ينقل إلينا مؤلف كتاب "أعلام الكرد"، ما يلي-ص (47):
"وقال الميجر إدغار أوبالانس المحلل العسكري الإنكليزي، صاحب المؤلفات عن حرب اليمن وحرب الهند الصينية والحرب الأهلية اليونانية وحروب كوريا والجزائر والجيش الأحمر السوفييتي الخ. وقد زار العراق والمنطقة الكردية ثلاث مرات، قال في كتابه "الثورة الكردية 1961-1970" الصادر سنة 1973: "إن قصة الثورة الكردية إنما هي قصة الملا مصطفى البارزاني الزعيم العشائري المحارب"".
ان تكرار عبارته: "إن قصة الثورة الكوردية إنما هي قصة الملا مصطفى البارزاني...". له ما يبرره لما فيها من مغزى التلاحم بين الثورة وبين قائدها، وبينهما وبين القضية الكوردية المعاصرة. ولا نريد التوقف حول توصيفه بـ "الزعيم العشائري المحارب" فقد أشرنا إلى هذا المعنى في مواطن سابقة. وكان عزيز محمد قد أوضح ذلك بالقول:
" ففي البدايات من غير الممكن ولا المنصف تجاوز واقع أنها بدأت المسيرة محلية وموضوعية في الشكل والظاهر ولكنها كوردستانية المضمون في الواقع".
في إشارة واضحة إلى بيئة ذات روح قبلية شكلت مناخا انطلقت منه الثورة، وتطورت وتبلورت في اتجاه تكريس مفهوم ثورة قومية/ وطنية.
لم يقل بارزاني، إن قصة الثورة هي قصته وقيادته فيها على الرغم من ثقته بهذا الواقع، ولم يُسمع انه تكابر وأطلق كلمات شبيهة، لكن آخرين لاحظوها كحقيقة في كيانه. ولم يحجبها عنهم، تواضعه في حياته منذ زيه وأسلوب حياته. نذكّر بما كتب عنه شمدت: في كتابه "رحلة إلى رجال شجعان ..." ص (139)
"هاهنا رجل متين البنيان إلى درجة غير عادية، دمث الطباع، وقور السمت، نفاذ العينين ... يرتدي (البارزاني) ثيابا لا تمتاز بشيء عن سائرهم، بذلة وطنية رمداء –بيضاء، بسيطة، ويشد فوق خصره حزامين من الرصاص ويعتمر بالعمامة الحمراء البيضاء التي تميز بني قومه، وهو متوسط القامة إلا انه يشمخ كالبرج الأشم فوق رجاله، أو هو كالعملاق في وسطهم".
مثل هذه البساطة والتواضع نقرؤها عن قادة كثيرين في شعوب مختلفة. وعن الرسل ومنهم، محمد (ص) –مع خصوصية كونه رسولا-فلم يكن يتميز عن أصحابه في مجالسه، فيسال الزائر: أيكم محمد؟! ولا نقصد مقارنة بين الرسول الموحى اليه، وقائد آمن بوحيه، وإنما نعني خصائص تتشابه في حياة بشر عظماء.
كان الدين الإسلامي، يشكل مرجعه، فقد درس علوم الفقه والشريعة وكل ما كان يدرّس في ما يعرف في تراث الكورد بـ" كتيبي ريزي" او Kitêbê rêzê” “وهو توصيف لمنهج التدريس في الكتاّب بالعربية و "حجركا فقها" في الكوردية. وندع التفاصيل التي قد تثير اختلافات في الفهم والتفسير لذلك اضطر الناس إلى تبني معنى الديمقراطية كنوع من العلاج لها.
يقول عنه أحد السفراء الأمريكان:
"وكان محافظا على التقاليد القديمة فلم يساير الأكراد الشباب من أهل المدن الذين كانوا يريدون إصلاحات اجتماعية في المحيط الكردي غير انه استطاع أن يحافظ على التوازن بين رجال العشائر والشباب الناظر إلى الأمام".
وفي عبارته الأخيرة يجيب هو على نفسه وهي:
"غير انه استطاع أن يحافظ على التوازن بين رجال العشائر والشباب الناظر إلى الأمام".
فكأنه سها عن طبيعة المجتمع الكردي الذي تغلب فيه الأمية ومفرزاتها المنعكسة على العلاقات وقيم القبيلة. ولذا يُعتبر فهم بارزاني لهذه الحقيقة الواقعية إيجابيا. مع تفهمنا لتطلعات مشروعة للشباب، المثقفون منهم خاصة، ودوما، كأجيال ذات حيوية وتمثل الطموح. والاعتبار لأهمية نهج وشعور بالمسؤولية، وتقدير النتائج المحتملة سلبا أم إيجابا.
أحوال حرب كان الكورد يخوضونها قد لا توفّر ظروفا ملائمة لتغيرات مطلوبة ومأمولة في اللحظة ذاتها، وهذا لا ينفي المشروعية عنها. إنما القضية هي في مجموعة عوامل منها التوقيت وأطروحات، ومنهجها وتوفر المناخ الملائم، والأهم هنا دائمـا، توفر روح تفاعل في ظروف حرية وديمقراطية تؤمن أفكارا أفضل، وخلاصات إبداع المتميزين.
واللافت، أن بارزاني كان متسامحا مع مختلفين معه، ومخالفين له بروح قيادية واثقة تنمّ عن خصوصية، وقيمة أخلاقية كبرى فيه. فقد رُوي عنه انه تسامح مع بعضهم –أشار بعضهم بقتله -فقال قولا أصبح مثلا:
" إذا قتلنا أشرارنا، وقتل العدو أخيارنا، فلن تبقى للشعب الكوردي بقية".
وتقول رواية أنه قال لبعض خصومه وهو في متناول يده ما معناه: يسهل عليّ قتلك، لكن لن أقتلك، فإنني أرى فيك خصالا قد تنفع بها قومك الكورد يوما ما.
وهذا بعد نظر وقراءة استراتيجية، أثبت الواقع صحة عناصر مهمة فيها.
وبحسب رواية مير بصري فإن مثل هذه الخصال المميزة له...قد جعلت منه ذلك الموصوف كـ " أحد القادة الكبار في القرن العشرين..." لنقرأ له القول التالي في كتابه-ص(48):
"وأخيرا اعتبره المؤلف (ويقصد الميجر إدغار أوبالانس-م.ق) أحد القادة الكبار في القرن العشرين لمضاء عزيمته وكفاحه في سبيل الاستقلال الذاتي الكردي، في العراق، وشعوره بان إنشاء دولة كردية مستقلة لا تملك عناصر الحياة اقتصاديا. وقد تمكن من السيطرة على محاولات الشيوعية لأخذ القيادة من يده وتوجيه الثورة الكردية وجهة أخرى لا ترتضيها أكثرية الشعب الكردي. وهكذا فإن بقاء الملا مصطفى أحد عشر عاما في الاتحاد السوفييتي لم يدفع به إلى اعتناق المبدأ الشيوعي".
(تتكرر استشهادات لربط معان ببعضها وتأكيدها وان كان التكرار ليس فضيلة غالبا).
بُعد نظر تميز به، ومصداقية في العزيمة والغاية... جعلته يزن أقواله وشعاراته ومواقفه في دراسة للواقع المحيط به، وفهم عميق. فلم يكثر التصريحات مثلا. وفي أحاديثه إلى الإعلام تمتّع بحس المسؤولية، وأدراك أهمية تصريحاته وانعكاساتها، وما يفعله غالبا كان بقصد اختراق العزلة التي فرضها الحكام في العراق على نشاطه الثوري. ونقل صورة واقعية لما عليه الثورة في مبادئها وغاياتها وسيرها... فلكل كلمة حسابها –وهذا أحد أهم خصائص القائد، التواضع والحكمة وبعد النظر والشعور العالي بالمسؤولية. ويبدو أن هذه الخصال سرَت إلى نهج نجله مسعود أيضا. فعظمة الإنسان ليست في مظاهر وصخب الحديث بل في قوة قيادية تجمع تواضعا إلى فكر ثاقب، وإرادة حاسمة للمواقف، تنبئ جميعا عن ثقة مكينة بالنفس...
هنا ينبري تساؤل يبدو مشروعا، وهو:
ما الذي يدعو الميجر إدغار أوبالانس إلى اعتباره "أحد القادة الكبار في القرن العشرين" لولا قناعته بخصائص قيادية فيه، وقد زاره وعاين واقعه في الميدان؟! كان يمكنه القول: أحد القادة، ويصفه بأي توصيف أقل. لكن رؤيته له واقعيا في موقع القيادة بنهج وخصائص قيادية تراكمت في مخيلته عبر تجارب مر بها خلال عمله؛ دعته ليقول ما قال، احتراما لمصداقيته وما يتطلبه الشعور بالقيمة المهنية من إثارة تلفت الاهتمام، ولا تضيّع القيمة المهنية. إثارة تبدو حالة فنية ذات صلة بطبيعة المهنة الصحافية؛ خلاف إثارة في حالة منحازة لا تنضبط بضوابط مهنية.
الغربيون أبناء ثقافة ديمقراطية، اعتادوا التعبير عن أفكارهم ورؤاهم دون تحفظ لجهة الخوف، يحرصون على اختيار كلماتهم لحسابات ذات صلة بالمهنية والنجاح فيها ...وإذا انحازوا يحسبون لذلك حسابا دقيقا. فلا يلقون الكلام على عواهنه. وان فعلوا فبحساب وذكاء بحيث لا تتأثر مصداقيتهم المهنية. او على الأقل، لا تنحدر إلى فقدان الثقة بهم وعملهم.
لا نعني أنهم ملائكة –نزيهون بالضرورة-إنما مهتمون بعملهم، يتعاملون معه بذكاء ووعي.
من المؤسف، لا معظم عرب هذه الأيام، ولا معظم كورد هذه الأيام، لديهم ذلك الحرص على مصداقية تؤسس لعلاقات ورؤى، جديرة بالقبول والاحترام، إلا قليلا. والسبب بسيط، هو غياب مساحة حرية لازمة للتعبير والممارسة، ودور سيادة مفاهيم أيديولوجية –أيا كانت. وبالتالي، سيادة شعور بقلق يراود الإنسان الذي يعاني من مشكلة تربوية/ اجتماعية سلبية. وإذا كانت نظرية الفصل بين الضوابط الإنسانية الوجدانية والأخلاقية وبين الممارسة السياسية وكتابة علوم السياسة قد اعتُمدت في ثقافة الغربيين فلأنها استندت إلى قوانين لها تأثيرها في الحياة السياسية لديهم. وهو ما تفتقر إليه السياسة في العالم الثالث المتخلف بوجه عام، ومن باب أولى في الواقع السياسي الكوردي الذي لا يزال يحبو في ظروف متعثرة. لقد تطورت لغة الخطاب والتعامل في السياسة لدى شعوب متقدمة، فابتكر مثقفوها، المهتمون بقضايا اجتماعية وسياسية مصطلح "الدبلوماسية" واعتمدوها لغة خطاب، وحوار ارتقت إلى تجاوز مهاترات وتبادل كلمات مثيرة للانفعالات وردود الأفعال... ومؤثرة على التواصل. بينما اللغة السياسية في ثقافة متخلفة لا تزال لغة مهاترات وتوصيفات مباشرة بتخوين واتهامات مختلفة بلا أدلة مقنعة... مما يُشعر بان معظم الذين يمارسون السياسة يتعاملون مع أوامر، او إيحاءات دون تثبت، وينساقون معها لأنها تصدر عن متنفذين. يسهم هذا في استمرار توتر بين اتجاهات سياسية مختلفة ضمن الشعب الواحد (الشعب الكوردي مثال) فينعكس ذلك سلبا على لقاءات وتواصل بين أطراف مختلفة، ومن ثم سيادة مؤثرات نفسية وتوتر على بيئة الحوار-إن جاز تسميتها حوارا.
هنا مشكلة معاناةً، استطاع الغرب أن يتجاوزها عبر تكريس ثقافة ديمقراطية، ولغة وأسلوب دبلوماسيين، أصبحت ذات دور محوري وجوهري في ممارساتهم الانتخابية ونظام تداول الحكم. وأصبحت ثقافة عملية واقعية لديهم. وذلك بعد أن مرّ بمعاناة وحروب كثيرة ومدمرة في تاريخه المعلوم في معظمه. وإنما أفلحوا عندما اهتدوا إلى منهج غلب العقلُ والعلم في تكوين عناصره وآلية إدارته.
نلاحظ ما يشير إلى "نهج ذاتي للأيديولوجيا " يوضحه في كتاب "علم الاجتماع العربي-السياسة" مقرر الثالث الثانوي في سوريا (1983-1984) م بالقول -ص(158):
"عندما انتصرت الثورة الاشتراكية في روسيا عام 1917 أعلن لينين " إن الديمقراطية البورجوازية، ضيقة ومبتورة، كاذبة ولئيمة، إنها فردوس للأغنياء، وخدعة للفقراء " وأعلن دكتاتورية البروليتاريا المتمثلة في حكم مجلس السوفييت، في مقابل دكتاتورية البورجوازية المقنّعة بالنظام البرلماني، وتسلم ا لحزب الشيوعي الحكم في دولة جديدة بوصفه يمثل طليعة البروليتارية والطبقة العاملة".
وكمثال، لنتأمل كلماته "كاذبة ولئيمة..."-"دكتاتورية البرجوازية المقنعة بالنظام البرلماني"
تعبير عن نهج في توصيف يعتبر الواصف ذاته الحاكم على فكر البشرية وممارساتها. فاذا قبلنا منه توصيف "البرجوازية المقنعة بالنظام الرأسمالي" باعتباره محاولة توصيف حالة – بغض النظر عن اتفاقنا معه ام لا -فكيف نقبل منه مغالطة "دكتاتورية البرجوازية..."؟! وكيف نقبل منه كلمات " كاذبة ولئيمة" في توصيف نظام بكامله ؟!
إنها كلمات وصفية ذاتية، فيها إثارة للمشاعر لتسهيل التأثير فيها وقيادتها، وتمثل تصوّرات وتخيّلات أثبت الواقع قصورها وعدم واقعيتها فضلا عن سوء تعبير أخلاقيا. فانهار نظامه الأيديولوجي في العالم كله.
وفي المصدر نفسه-ص(159):
"وعلى إثر انتصار الثورة الصينية، اتجهت إلى شكل جديد من أشكال الحكم يقوم على "المؤتمرات الشعبية" أو المجالس الشعبية، فقد أعلن " ماوتسي تونغ" إن النظام الصيني هو" دكتاتورية الديمقراطية الشعبية" ونصّ " البرنامج المشترك للاجتماع السياسي الاستشاري للصين الشعبية" على " أن المؤتمرات الشعبية والحكومات الشعبية في جميع المستويات: الناحية، والمنطقة، والمحافظة، الدولة".
إنها مفاهيم يفرضها المُنظر المتحكّم بالشعب والدولة، ويفرض على الشعب الالتزام بها، على الرغم مما فيها من مغالطات. فمثلا كيف يمكن التوفيق بين مفهوم "الديمقراطية" و"الدكتاتورية" في مفهوم " دكتاتورية الديمقراطية الشعبية"؟.
تفرض القيادة المستبدة هذه المفاهيم باعتبار إنها صادرة عن "الزعيم" الذي يُقرأ عنه في كرّاس مفروض على كل فرد. ويُلقّن بما فيه. باختصار:
تحويل الشعب إلى ساحة اختبارات لأفكار وأوهام زعيم أوحد، وحقلا لتجارب تخيلاته، وعليه دفع ضرائب ذلك من أمانه واستقراره وحياة طبيعية يفترض أن يعيشها على أرضه وفي وطنه. هذا إذا كان “الزعيم" مهتما أساسا بمصالح الشعب والوطن !!
 جدير بالذكر بأن نظام" المؤتمرات الشعبية " كان في "ليبيا القذافي" أيضا. ومفاهيم مشابهة لكن التطبيقات هي بحسب تكوين ثقافة شخصية الزعيم وحالة الشعب الثقافية في كل بلد.