قراءة في المجموعة القصصية "مذكرات غريق" للكاتب عبدالرحمن محمد محمد


1 قراءة دقيقة

 غريق وإن تكلم!

وهل يتكلم الغريق؟! وإن تكلم هل من يسمع صوته؟!
مذكرات غريق هذا العنوان الذي تشعر من خلاله أنّك على وشك الغرق، تحاول أن تمسك أنفاسك قبل أن تغوص بين الصفحات "مذكرات غريق" ومن منّا ليس بغريق في هذا الشرق؟ غرقى الحرب والدمار، غرقى في جهل مدقع وفقر دام، غرقى التهجير والتهميش، غرقى جشع الساسة والحكام، غرقى الحبّ والألم، غرقى في بحر والعار والدم.
نتشبّث بقشّة كلمة تكتبنا، لتكون اللسان الصارخ لكلّ فرد منّا وتشدّنا إلى برّ الأمان.
إنّ المرأة كانت وما زالت العنصر الأساسيّ والمحوريّ في الأدب شعراً نثراً حتى في فنّ الرسم والموسيقا. كلّ الكتابات من وإلى المرأة، من هذه الكتابات ما أنصفها، ومنها من لم ينصفها بل حطّ من قدرها، وأساء إليها. هناك كتاب عند ولوجهم عالم المرأة لم يقفوا على الشاطئ بل دخلوا أعماقها في محاولة لسبر أغوارها والوقوف على ماهية هذا المخلوق الأنثويّ المزاجي غير المفهوم من كلّ من حوله.
إنّ المرأة حين تكتب عن مشاكلها، رغباتها واحتياجاتها ومشاعرها، يشار إليها بإصبع الاتّهام والشكّ، وأحياناً يُنظر إليها نظرة ازدراء، وأحيانًا يُقال عنها إنّها تبالغ في دفاعها عن المرأة كونها امرأة. ماذا عن الرجل الذي يكتب عن مشاكل المرأة ومعاناتها، تُرى هل ينصفها؟
من القصص التي لفتت نظري، الطاولة رقم ٣
هي نفحات من وجع، قصّة قصيرة شكلًا، لكنّها تجسّد معاناة طويلة وعميقة، أشبه بألف ليلة وليلة كما قال عنها الكاتب. لقد عانى الوطن العربيّ من الحروب التي لم تترك بلدًا إلّا وكان لها النصيب الوفير منها، وعلى وجه الأخصّ منطقة الكاتب حيث وجع التشرذم بين العوائل، والسفر والهجرة القسرية بحثًا عن الأمن وقوت العيش وصل إلى ذروته بعد الاضطهاد والمذابح التي عانت منها المنطقة.
لقد جسّد الكاتب هنا هذه المرحلة في قصّة واقعيّة والأكثر وجعًا من مئات القصص التي تطالعنا يوميًّا. زوج يترك عائلته المؤلّفة من ولد وزوجة في عمر الثلاثين، العمر الذي تتأجّج فيه مشاعر المرأة، وتكون حاجتها إلى رجل معها أكثر من أيّ وقت، وهو ليس فقط الزوج بل الحبيب.
هذه المرأة التي ما انفكّت تأتي يوميًّا إلى قهوة عامّة من قهاوي الإنترنت التي انتشرت آنذاك، لتذكّره بحبّه وحاجتها إليه، وبأنّه أغلى إلى قلبها من الذهب والمال، لكن لا حياة لمن ينادي، وهي واحدة من كثيرات يتوسّلن عودة من هجروا دفء الوطن المجروح إلى الغربة التي نسوا أو تناسوا فيها من تركوا خلفهم. أمّهات، آباء، وأولاد يتسكّعون على شرفات الانتظار، ويتعشمن عودتهم، لكن كما يقولون عشم إبليس في الجنّة. لقد ترك الزوج زوجته الصبية كي تكون وصيّة على أمّه التي ترفض الخروج من منزلها، ويمّم شطر الغربة، إضافة إلى ابن يبحث عن أبيه في كلّ وجه يطرق باب البيت. معاناة هذه المرأة التي تئنّ ، تتوسّل إلى رجلها كي يعود، ويرحمها من النار التي تكويها كلّ ليلة في فراشها البارد، هذه المرأة التي تجسّد وجع أمّة خلفها وراءه كلّ ولد وزوج ترك فراش الوطن، هي أنين وطن بأسره تحت سياط الحرب الوحشية، وليس من يرحم، ولا من يعدل.

عالم من ألف ليلة وليلة، من الوجع البارد والانتظار على الطاولة رقم ٣ تلتحف الوجع والسواد، تحاول بأنفاس لاهثة أن تخفي غصصاً عن عيون الجالسين في صوت مبحوح قد مزّق الوجع أحبالها الصوتية، وبدت في مناجاة مع الطرف الآخر من العالم أمام الكاميرا، وعبر الأسلاك المعدنية وذبذبات الإنترنت التي بدت وكأنها قد حجزت كلّ أنواع التواصل من أحاسيس ومشاعر تلك الشابة. على كتفيها وفي صدرها رسالة تنقلها من أمّ تشتاق أن تكحّل عينيها برؤية أحمد قبل أن توارى الثرى. لقد لاكت الألسن روحها، وأزهقت آخر أمانيها أن يعود رجلها من غربة خطفته من حضنها، مع ورقة مكتوب فيها زوجة أحمد.
إنّ هذه القصة هي واحدة من مجموعة قصصية صاغها الكاتب محمد من أرض الواقع بلغة سلسة، يعالج مشكلات الإنسان بشكل عامّ في كلّ زمان خاصّة في الشرق العربيّ.
إنّ الكاتب هو ابن بيئته، يكتب أوجاعهم، يعبّر عنهم علّه يداويها بحبره، فيكون صوت من خنقت الحياة والظروف صوته، وصوت المجتمع الرازح تحت أعباء الهموم، والغارق في مستنقعات الظلم.
لقد وجد نفسه الكاتب الحاضن لأولئك الذين لم تنصفهم الحياة، لأنهم ولدوا في بقعة ما على الأرض، وفي حقبة زمنية معينة، تعالت فيها أصوات المدافع على أصوات الأفواه الجائعة، وخبت الأجساد تحت وطأة الفقر والموت، وكان أزيز الرصاص الموسيقا التصويرية لهذا الفيلم الذي وجد الكاتب مقدّما نفسه، يمدّ يده ليرفع حمل أرملة، ويمسح دمعة أمّ ثكلى فقدت ابنها، وباليد الأخرى تعجن القمح بملح دمعه، ويخبز على جمر وجعه، وبمعول حرفه يحرث الأرض، ويشقّ ظلمة اليأس، ليفتح نافذة أخرى على الحياة والأمل مسلّطًا الضوء على آلام المرأة والوطن بأسره.
١٦ قصة قصيرة
كتبت بلغة سهلة تفهمها العجوز التي تحوك الجوارب على باب منزلها، كما المحارب الذي يحتاج استراحة مع حرف يطمئنه أنّ هناك من دوّن قصته، وإن استشهد فسيكون دمه شهادة على الصفحات البيضاء إلى الأجيال القادمة، الأجيال التي نجت من موت البحر الذين تحدوا الموج على متن الزوارق المطاطية، هرباً من الطش والظلم حيث غاب الوطن عن الصورة، وتلك المرأة التي خنقت دمعتها الأسلاك المعدنية، فكانت هذه الحروف لسان حالها ورسالتها المخنوقة.
لمن تحوكين الجوارب يا أمّي، إنّها لأولاد غادروا البلاد يسكنون الفؤاد، هذه المدينة بكلّ من فيها هي ابني، حفيدي، ما دمت أتنفس، وما دام في يدي وريد ينبض سأحوك لهم رداء السعادة والأمل ليتدثّر به من على هم على الجبهة حماة الأرض والعرض.
لقد أتت الحرب بالخراب والدمار على كلّ شيء، شرّدت العائلات، وحطّمت ألعاب الأطفال وأحلامهم وأمانيهم. البراءة انتُزعت، وأهرق الدم على تراب الحدائق يروي الياسمين. أليس عجيباً أنه ما زال يحافظ على بياضه؟ أما شقائق النعمان فتختال في الحقول نشوى، وقد ارتدت دم الشّهداء.
الأحياء المقفرة إلّا من الأتربة والحفر التي أحدثتها القذائف، الموت في كلّ اتّجاه، وكيفما جال نظرنا، في سطور القصص نراه يتصدّر الصفحة الأولى، كما الصفحات الأولى من أيامنا.
الهرب، البحر، القوارب التي تنتشر على الشواطئ لتحمل إلى بحر الظلام والمجهول شابّاً خجولاً يدوّن مذكّراته، حالماً كما قال عن نفسه: "أنا المنسيّ المهاجر الباحث عن ذاتي".
ريف مناطق الجزيرة، قامشلو، سري كانيه، همسات "سما" ذات الأربع سنوات، البرد الشديد، المسافرة في قوارب الليل إلى برودة الأبدية، إلى نازي والذئاب البشرية، إلى رصاصة الرحمة.
وجع يتكدّس، وحكايات لا تنُسى، كتبت بدم الشهداء ودمع الأطفال. أما من خلاص؟ هل هناك بعض الخير المتبقي لهذه البقية؟ نعم البيضة بخير، لكن نسرين هل ستكون بخير؟ بعد أن قرأوا الفاتحة، هما معا يستقلّان مركب الهروب إلى الموت، سيكونان بخير، لأنّ الموت أرحم من البشر، حيث قابيل يقتل هابيل، ويمثل بجثتّه.