ـــــــــــكوة الحياةـــــــــــ


1 قراءة دقيقة

كوة الحياة

 لا يرتقي الإنسان إلا عندما يلمّس بيده حقيقة الحياة التافهة التي يعيشها..
..انطون تشيخوف
- هيا ....هيا أكثر.... أكثر نعم نعم يالله ما أحلاكِ ،تفاحتان على الغصن البض ، قد مياس ،تحركي ليبتعد الشلال المنسدل عن التفاح المكور ، الجنة لك ِ.
يسمع صوت طرقات على بابها
ومن خلف الحائط القائم بينهما وهو واقف امام الكوة التي حفرها صغيرة في احدى الليالي في جدار جارته الراقصة،
- لا تردي عليهم تابعي ...براكين من المشاعر والرغبة تتفجر في قلب العجوز وهو يحدق من الكوة .
- سبحان الله كأنها تراني !..
عيناه تخترقان جسدها تجوبان بكل شبر منه تغوصان في دفء الجمال المتراقص في النهدين في الساقين ، في حركة اليدين ،
- آه يا جارتي ....قالها بحسرة ولوعة بينما ذهبت الجارة لترد على من يطرق بابها .
سمعها تقول بصوت مسموع نعم سأخفض الصوت أمركم .
عادت إلى الغرفة وهي تتمايل و اقتربت من الكوة عامدة ورفعت صوتها :
- سأكتفي اليوم بهذه التمارين وغداً بنفس هذا الوقت سأواصل .
- أنا منتظر منذ هذه اللحظة سأنتظركِ ،
عاد أسيرا لوحدته مع جهجهات شجن ينوس فوق بقاع النفس ،مد يده إلى علبة الدواء ،تناول حبة ،
- ناديا إلي بكوب ماء سأختنق هيا....هيا أين أنت ؟
انتظر وشرد وتذكر إنه وحيد، ناديا ماتت منذ اشهر وهي تكابد الشوق إلى اولادهما الذين تفرقوا في البلاد البعيدة
- هذا الحوش الكبير كان يضج بالحركة كنت اطردهم وقت الظهيرة حتى ارتاح من ضغط المحكمة والدعاوي والموكلين والقضاة، آه الحياة ليست عادلة ! إنها لا تنصفنا كيف ابقى وحيداً بعد خمسة اولاد ؟
- مسح دموعه وهو ينظر إلى الجدار الفاصل بينه وبين جارته وركز نظره على الكوة ،حيث ارتكست الذاكرة للخلف ، وشعر بغصة ليس بسبب موت زوجته ولا فراق أولاده ولا على عمره الذي مضى ولا على الدمار والخراب الذي طال بلاده ولا على صوت الرصاص وسيارات الإسعاف والاستبداد والأحزاب ،والمظاهرات والمؤتمرات والصحة المتدهورة إنما على ذكرى معينة هاجمته ،
- هيا ...هيا يا جماعة يجب أن تخرج هذه الساقطة من الحي سنوقع كلنا على هذه العريضة ونقدمها للجهات المعنية لن نقبل أن تسيء إلى سمعتنا ،ستفسد أخلاق الصغار ،
ثم إنها ترفع صوت الموسيقا وتزعج الجيران !!.......
- ها هي الساقطة تمدّني بنسغ الحياة منذ اشهر، إنها توأم الشمس لا تتخلف عن موعدها ابداً.
وقف امام الجدار واقترب من الكوة وبدأ صوت الموسيقا يدب في جسده نشاطاً وحيوية .
- ها هي تلبس طقم الرقص إنه اليوم بلون الزهر ، البارحة كان سماوياً
- امممم يجب أن أتمرن جيداً فالزبائن يتعكر مزاجهم إن كانت الخطوات غير متناسقة، طبعا هذا حقهم ،فهم من يدفعون لي !!!
- وتمايلت ورقصت حتى شعرت بالإعياء،
- تعبت حسنا إلى الغد....إلى الغد ..
- هي تراني معقول ! اراهن إنها تراني
وقف أمام المرآة راقب مسيرة الزمن وتعاقب فصول الحياة على ملامح وجه المتغضن العابس .
- أنا كنت غبيا...أنا ما زلت غبيا ،استلقى على سريره وظل ينظر إلى نقطة في سقف الغرفة المسود ، هاجمته موجة ألم وسرت في جسده الهزيل قشعريرة …شعر إن اسنانه تسحق ،بتثاقل أخرج الطقم من فمه الذي غار فجأة مشكلة حفرة حولها الكثير من التجاعيد بعدد سنوات عمره الطويل ، بقي ساكنا ، اطال البقاء ساكناً ، مرت الساعات ثقيلة ،مؤلمة موجعة ،موحشة .
- آه إنها الشمس ،نعم يجب أن ازيح الستائر ، وأغتسل كي أنهل الحياة من الكوة ، حاول مرار أن يقف لكنه فشل في كل مرة ،
- يالله إنها الموسيقا ، لا بد إنها ترقص الأن، لكن ماذا أفعل ؟
تخيلها وهي ترقص ونور الشمس تستلقي بحنان على عنقها ، ثم ينساب برقة إلى نحو الكتف لتحتضن الثديين المرتعشين والبطن المهتز والساق المرفوعة بجانب الساق الثابتة ، آه إنها تشتعل بالحياة !
اختفت الصورة وزغللت عيناه ، سمع صوتها !
- استاذ رمزي...أبو عادل ...أين أنت ؟
لم يتحرك ظلت عيناه تحدقان بالسقف بذهول ..
 - يا إله السموات كانت ترقص لي ..لي ..لي أنا.......