“علاوي” على موعد مع الحياة


1 قراءة دقيقة
 –



مراتع الصبا، منبت أحلام الطفولة، وصرخة إعلان الحياة، وبدء معركة الوجود، مسقط الرأس أو بدء الزوابع اللامتناهية في الرأس، علاوي، اسم ولد مع ولادتي في مخيلتي وفكري ورافق شهادة ميلادي وتاريخه.
علاوي، اسم قرية؛ بل الأصح هو اسم قريتي التي تتوسد الجانب الشرقي من الطريق الواصل بين “نورك” وطريق عام الحسكة ـ قامشلو، وتبعد عن الأولى شرقاً بحدود 21 كم، بينما يفصلها عن قامشلو قرابة 62 كم، في جنوبها الغربي، وكانت بداية العمران في القسم الشمالي منها بداية الخمسينات، ومن ثم القسم الغربي منها في نهاية الخمسينات من القرن الماضي.
عرفت القرية بـ “تل علاوي” وكانت في مجمل مساحتها من أملاك الشيخ آل الجربا، ومن ثم سكنتها عدة عوائل كردية بعد أن اشترت ربع مساحة القرية تقريباً والتي تربو على مئتي هكتاراً، وبدأت تلك العوائل بالبناء على الضفة الغربية لنهر الخنيزير القادم من الشمال والذي يفصل بين القريتين وبات يجري في فصل الشتاء فقط بعد شح المياه وقطع أكثر الروافد التي ترفده من قبل تركيا.
القرية الصغيرة الكبيرة
القرية الصغيرة بمساحتها، الكبيرة في قلوب سكانها، كانت محاطة بعدد من القرى العربية، كقرية الخزنة ونورك وتل ذيبة وعدد آخر من القرى الكردية كخاشوكة وسيد علي وتل شرقي، وكانت الألفة والتسامح والعيش المشترك سمات العيش الأساسية في القرية. كما تقاسمت مع الأهالي من القرى المجاورة الهموم والأفراح وواجهت الصعاب وبخاصة في سنوات الجفاف أو عند فيضان النهر واجتياح أطراف القرية.
 ذكريات الطفولة نقوش في الوجدان
طقوس الطفولة، اللعب والدراسة، بيوت الطين وطريق المدرسة الممتد لثلاثة كيلومترات، رعي الخراف والأغنام، بيوت البدو الرحل التي كانت تحط كأسراب طيور حول القرية في الصيف، فيضان النهر وغمر البيوت بالماء وفرارنا منها منتصف الليل تارة وقي ساعات الصباح تارة أخرى ما زالت تطل برأسها من نوافذ الذكرى.
النهر الذي كان يجف أواخر الصيف كانت وما تزال له ألف ذكرى، منها مواسم قطف “الحسحسوك” الخرنوب التي كانت موسماً للصغار وكنا نرتاد أطراف الوادي كي نجمع أكبر قدر منها، نجمعها في علب المربى أو علب رب البندورة أو نجمعها في “كلابياتنا” وعندما كنا نحظى بعدة حبات بحجم كبير كنا نسميها “بران” بمعنى الكبش، وكان الحصول على تلك الحبات يتطلب جهداً وقوة وبعض المخاطرة، لأنها كنت تنمو في أمكنة يصعب الوصول اليها، كحافات الوادي أو في منتصف جسم الضفة، بينما كان الحصول على حجر من البازلت أو حجر خفان الخطوة الثانية المهمة لفرك الحسحسوك وأكله.
في ذكريات علاوي ذلك الطوفان الذي كان يباغتنا في الشتاء، ويتوغل إلى أزقة القرية عبر ما انخفض من الأرض حولها، ففي منتصف إحدى الليالي أجبرنا على الفرار من البيوت وتركها تحت رحمته، بعد أن فوجئنا به خلال ثواني وهو يحيط بالقرية والمياه تدخل البيوت العديدة، حتى إن إحدى أخواتي كانت في المهد وطافت على الماء، وتمكن والدي ووالدتي وشقيقي الأكبر من حمل الصغار منا وإجلائنا إلى الطرف الغربي من القرية، بينما وصل ارتفاع الماء في الغرف إلى قرابة المتر، وبتنا لاجئين لأيام عدة.
موسيقا علاوي لم يكن يضاهيها موسيقى في العالم، أجزم بذلك وأقسم عليه اليمين؛ ففي الصباحات الربيعية كثيراً ما كنت أستيقظ على وقع موسيقا تجهيز اللبن والزبدة وصوت الـ ” مشك – شجوة” يتردد في فناء الدار، وأمي تدندن مع خض اللبن بكلمات توافق ذلك اللحن الإيقاعي، بينما ينتظم السنونو “حجحجيك” في عدة صفوف على حبال نشر الغسيل وينشد أنشودة الصباح الجميلة، وكان اختلاط صوت الشجوة مع غناء السنونو أجمل لحن من وحي الطبيعة في تمازج موسيقي روحي لا يوصف.
في ذكريات الصبا تلك البيوت المصنوعة من الشعر والتي كانت تتناثر في سهول القرية، والبدو الرحل الذين اعتادوا القدوم كل صيف لرعي مواشيهم وتلك البساطة في العيش والكرم في الأخلاق والأنفة وعزة النفس لديهم، والبئر القديم الذي كان يقع على نبع “مصادفة” وصوت عتابا الرعاة الذي كان ينعش الروح مع نسمات المساء الغربية.
في ذكريات علاوي ما يؤلم أيضاً، في حزيران من صيف عام 1979م. وبعد محاولات لإشعال “ببور الكاز” من ماركة “بريموس” سويدي الصنع، اندفع الكاز الساخن في وجهي وعلى شعري الذي كنت أطيله في الصيف كتعويض عن قصة “الصفر” باقي أيام السنة، مما تسبب بحروق بليغة؛ قضيت أثرها قرابة الشهر في مشافي الحسكة وقامشلو، وترك ذلك آثاراً على وجهي وانعكس على حالتي النفسية، وتعافيت بعد فترة، وكانت لي قصص وحكايات مع الأطباء والمشافي والناس.
في علاوي كانت المعارك الضارية تدور في المراعي بين الأطفال والرجال في مواسم الحصاد، وبين النسوة أثناء جمع الحطب وتربية الدواجن، لكن تلك المشاحنات كانت تزول بتحيةٍ في الصباح بين الصغار، أو بزيارة مسائية تصفي النفوس من جديد، وتعود الألفة من تلقاء ذاتها، وعندما وصلت حالة من الخلافات إلى “الدرك” امتدت القضية ثلاثة عقود، وحُلت بالصلح ودياً وبتدخل الجيران.
الكثير من العوائل والأشخاص أداروا ظهورهم لعلاوي عندما شح الرزق فيها، وضنت على سكانها بما يعيلهم، وتركوا الكثير من البيوت تسكنها الطيور وتلعب على أبوابها الريح وتغفو الذكريات في انتظار عودة من غادروا.
وللتاريخ في علاوي قصة وحكايات تمتد إلى أكثر من خمسة آلاف عام قبل الميلاد، وفي التل الأثري ما زالت الكثير من القصص مخبأة تنتظر الوقت المناسب للبوح.
في علاوي عادت الابتسامة لبعض نوافذها التي كانت تنتظر عودة أحبتها، وعادت اليوم الخطوات تسير صوبها كي ترسم حاضراً ومستقبلاً أجمل وباتت منازل جديدة تطل برأسها من بين الأطلال التي ما زالت شاهدة على حب الحياة، وتضحك للذكريات الجميلة، وتفتح ذراعيها لأبنائها وزوارها وتضمهم إلى صدرها أنْ أهلاً بكم فنحن على موعد مع الحياة.