عصيان أبيض


1 قراءة دقيقة

اصعب معركة في حياتك عندما يدفعك الناس إلى أن تكون شخصا آخر...وليم شكسبير....
وضع سماعته جانبا وشرد متأملا وجه ميرا ، كأنه يتفحص لوحة من الزمن الغابر وباهتمام بالغ مما أثار حفيظة ابنتها الشابة .
دكتور هل هناك شيء خطير ؟ ما سبب نوبات بكاء أمي ؟ لماذا تغيرت إلى هذا الحد ؟
حياة باذخة ولدان مميزان ،زوج تحكي ملامحه عن وفرة محطات حياته، ورغم دنوه من المحطة الأخيرة إلا إنه لا يبدو عليه الاستعداد للرحيل.
لمعة عينيه تحكي بلغة القسوة ،ترسل نظرات حادة كأنهما لا تخصان هذا الجسد الهرم.
من تلك النظرات خمّن الطبيب الثغرة التي تتسرب منها كل هذه الكآبة و التعاسة والغمّ إلى نفس ميرا.
منذ أسبوع وأنتِ بالمستشفى ، كل المؤشرات تشي بصحتك الجسدية الجيدة سوى بعض الأمور الصغيرة .
ميرا كفي عن عنادك أنتِ تهلكين نفسكِ، غضبك هذا يكفي سبعين سجين مظلوم ،لما كل هذا الغليان ما هي مشكلتك؟
كان قد ترك كل مرضاه وبقي ممسكا بيدها.
لطالما كانت هذه أمنية ميرا قبل عشرين سنة .
لم يداخله اليأس وبقي الدكتور غاندي مستمرا في محاولة جعلها تصغي إليه .
فتحت ميرا عينيها بعد جهد جهيد ، رفعت رأسها ،سوت شعرها وعدلت هندامها واستوت جالسة ،نظراتها اخترقت كل خلية في جسده التقط رسائلها بأسى ،طأطأ رأسه آسفا، فهو الذي خذلها يوما حين فضل الدراسة خارج الوطن على الارتباط بها .
ميرا راجعي طبيبا نفسيا أرجوكِ أنتِ تذوبين .
في صباح اليوم التالي كانت ميرا في عيادة الطبيبة النفسية .
هذا الجمال والشقاء لا يجتمعان !قالت الطبيبة وعلامات الانبهار واضحة عليها.
كانت الجلسات متعبة لكلتيهما ففي إحداها دخلت ميرا في نوبة بكاء حادة كعادتها وبدأت تتكلم بتشنج وكأنها كانت غاطسة تحت الماء وقد رفعت رأسها للتو .
يا للرجال منذ الشهر الأول للزواج يدسون سيوفهم الخشبية في قرابنا ويحتفظون بسيوفنا المعدنية لأنفسهم .
لقد أجبروني عليه ،بيننا عقدان من الأوجاع لا أدري كيف ومتى أنجبت ولدين منه ! كانت عيون الرجال تأكلني وما تزال ، إلا هو ! لقد تحول إلى كرة ثلج بعد فترة قصيرة من الزواج والمصيبة إنها في تدحرج دائم لم أعد احتمل وجوده الجامد والثقيل .
هل أنا شبح غير صالح للحب ! هذا الإهمال عقوبة لا أستحقها ،لقد اطفأني تماما، حتى دقات قلبي توجعني .
لقد غرّبني وكنتُ أريده لي وطنا !
شعور عارم من العيب يتملكني، إلى متى سأقمع نفسي وأرضى أن أبقى في القوقعة والحياة خارجي ملتهبة.
أحتاج زوجا وليس سيدا يأمرني، بيني وبينه ألف وأربعمائة سنة .لا يعي أنني لست جاريته.
لقد وصلت لمرحلة العطب الكامل .هو لا يراني إلا عندما يطلب خدمة ما .
يريدني أن أرى نفسي بشعة وقبيحة ومقرفة لكن مرآتي تخبرني عكس ذلك.
حوّل البيت إلى صحراء لا ظل فيه.
جفف عروقي من الدماء.
لقد اختزلني إلى شيء بلا روح.
الذاكرة المستعارة تجعلني اتلقى آلاف الرسائل من المعجبين بصوري ومنشوراتي .وعنده هو أنا ميتة.
حتى أنني صدقت قصة موتي بعد أن كبُر أولادي واستكنت . لكن هناك الكثير من يعلن أنني على قيد الإعجاب ! هل أبقى اخدمه إلى الأبد وأنا منسلخة عن مشاعري؟
أسمعهم يهمسون ، هي أم رائعة ،زوجة مضحية لا تعرف كلمة لا وهي الكتف المتاح للكل. متوفرة للعائلة والأهل لا تعرف التعب و، و.

فقط أريد أن أعرف أن كنت ميتة أم لا ؟!
أتعلمين كان يشعرني أنني دنسة. مرة لأربعين يوما حين أنجبت الصبي ولثمانين يوما حين أنجبت الفتاة !
وحاولت الطبيبة أن تسيطر على هيجان ميرا لكن هيهات، النحيب والصراخ ارتفع أكثر فأكثر ولا سبيل إلى كبحه .
ردت عنها بعنف يد الممرضة التي قربت منها المهدئ .
يا خسارتك ميرا العطب طال روحك فعلا ! واليأس سيهلك لكنني واثقة أن الاستسلام لا يليق بكلتينا ...