عصر العبودية الجديدة


1 قراءة دقيقة

يعتقدُ الكثيرون أن حقبةَ العبودية والإتّجار بالبشر بصفتهم “رقيق” قد ولت وبأنها تمكنت من إغلاق صفحة سواء قاتمة و تجاوزتها البشرية “المتحضرة” دونما رجعة؟!
لن نخوض في تاريخية هذه الظاهرة ، فالتراث يفيض وينبض بعديد القصص وأخبار “سوق العبيد والنخاسة” وحتى نظام الجواري وغنائم الحرب تندرج في العرف الحالي تحت بند “تجارة الرقيق والإتجار بالبشر”
والأديان السماوية الثلاث ( العبودية والمسيحية والإسلام ) حضّت وشجعت على الرفق بالعبيد ولم تنادي أو تطالب صراحة و بوضوح لإلغاء نظام الرق والعبودية؟!
لأهمية هذه الظاهرة والغبن التاريخي الذي لحق بالكثير من الشعوب والمجتمعات والأفراد ، فقد حُدد 23 آب من كل عام “يوماً عالمياً لإلغاء تجارة الرقيق ”
((ويقوم العالم في 23 آب/أغسطس بإحياء ذكرى أولئك الرجال والنساء الذين ثاروا على ظلم نظام الرق والعبودية في سانتو دومينغو في عام 1791، ومهّدوا بثورﺗ-;-ﻬ-;-م الطريق لكسر نير الرق وإنهاء العبودية واستئصال شأفة الممارسات القائمة على نزع الصفة الإنسانية عن بعض البشر)). اليونسكو
ينبغي معرفة أن “الحضارةالغربية ” بشقيها القديم والحديث ما كانت لتظهر وتزدهر لولا جحافل الرقيق الذين كانوا يُباعون فيما بين تجار وحكومات تلك الدول من أسواق مخصصة للرقيق ، لاستقدامهم من أدغال إفريقيا “بحرا في البداية” وأواسط آسيا وأماكن أخرى لجلبهم إلى القارة العجوز “أوروبا” أو القارة الوليدة “أميركا” وزجّهم في سوق العمل لإنجاز الأعمال الشاقة والصعبة والتي تتطلب مجهوداً عضلياً كبيراً في استصلاح الأراضي الشاسعة من الحجارة والغابات والفلاحة وتربية الحيوانات المنوعة في المزارع والبراري والقفار ، وانجاز الأعمال التجارية ومجمل النشاط الاقتصادي الذي جعل الغرب محور “الحضارة المادية” مقابل لقمة العيش التي لا تسدّ حتى رمق العمل العبد فكيف برقم من يعيله ذاك العامل؟!
تربّع الهولنديون والإسبان ولاحقاً الإنكليز هذا النشاط ردحاً طويلاً قبل أن يظهر لهم منافسون جدد ؟!
ومع تطور الفكر البشري وسير البشرية نحو عصر الحرية الفردية ” الإنعتاق من العبودية” وحقوق الإنسان وظهور نظريات العقد الاجتماعي التي نادت بضرورة تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم عبر “حكومة ” وما تلاها من إلغاء لنظام الرق والعبودية والإتجار بالبشر ونضال النشطاء ومنظمات المجتمع المدني “المحلية أو العابرة للحدود” في هذا المجال والتي شكلت قوة ضاغطة على الحكومات التي استجابت لضغوطات تلك الجهات المدنية وأصدرت في دساتيرها القوانين اللازمة والرادعة لمكافحة هذه الظاهرة وإن إلى حين ؟!
لكن أصحاب المال والأعمال تأقلموا مع روح العصر وحاولوا بشتى الطرق ليكون نشاطهم في المقدمة لأن “المال يجر المال ” فغيرت من أساليبها وخططها لكنها في الجوهر بقيت محافظة على مكاسبها ومكتسباتها التاريخية وظهر مفهوم (العبودية الجديدة) بأنماط مبتكرة ، في عصر العولمة والثقافة المادية السائدة وأوجد “المركز المتوحش” أدواته المحلية في كل الجغرافية العالمية “حكومات محلية ” لإدارة نشاطها المعهود وبطرق “أقرب إلى الشرعية” ؟!
فما هي الأنماط الجديدة للعبودية التي أوجدتها هذه الجهات ؟!
يمكن تسليط الضوء إلى عدة نقاط منها :
*عبودية العمل والعمل القسري وفوائد الديون والموظفين : سوق العمل في أيّ دولة مطلب حياتي وتنظيمه إحقاق للعدالة وتكافؤ للفرص أمام الجميع ، ما يحدث في هذا المجال وهو ضمن “نطاق نضال الحركة النقابية العمالية” أن سوق العمل يكتنفه الفوضى وسوء التخطيط فلا تكاد تلحظ توافقاً بين مخرجات التعليم وخريجي المؤسسات الجامعية التعليمية والمهنية ومتطلبات استيعاب سوق العمل ، ينعكس ذلك على الأجور والرواتب التي لا تكاد تكفي لتسد رمق “العامل – الموظف” لذا يضّطر غالبية الموظفين للعمل إما ساعات إضافية عن الوقت المحدد أو يلجأون للعمل في القطاع الخاص الأكثر توحشاً وتغولاً ، فالجهد المبذول لا يتوافق مع الأجر ،لو تغاضينا عن المهنية والتخصص وهناك تناسب كردي بين القطاعين ودور الدولة في إدارة الاقتصاد وسوق العمل وهناك نظريات مختلفة حول ذلك؟!
*وهناك عبودية عمل “الخادمات” اللاتي تعملن لساعاتٍ طوال لتقبضن في النهاية ما لا يتوافق مع أجرة الساعات التي عملن بها ، وهنا ينبغي التنويه أن الجهتين “الخادم والمخدوم” تحتاجان للتأهيل في التعامل مع الطرف الآخر وتبدوا هذه الظاهرة جلية في المجتمعات الغنية والأسر الميسرة مادياً “الخليج”
*العبودية الجنسية وربما ينطبق على هذه مقولة “العبودية المتحضرة” وهي استغلال لحاجة الناس كما تضّطر الكثير من النسوة إليه أجسادنا مقابل الحصول على المال ، ويطلق البعض عليها “السياحة الجنسية”
*عبودية اللجوء والنزوح ظهر هذا النمط وبوضوح بعد الموجات التي رافقت أحداث “الربيع العربي” وما تلاها من صراع بيني “حرب أهلية” وتحويل ملف اللجوء إلى ورقة مساومة وبازار بين أطراف تسعى للحصول على مكاسب اقتصادية و ورقة ضغط دائمة التلويح بها كلما دعت الحاجة إلى ذلك كما يحدث بين تركيا والاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بملف اللاجئين السوريين وغيرهم لأنها صلة وصل بين “الجنوب الطارد للبشر” و “الشمال الجاذب ” لهم ؟!
*وهناك الحصار الاقتصادي ونظام العقوبات التي تفرضها أطراف عظمى على من تراها سلطات مارقة لها لنفرض حصارأ على تلك الدول والسلطات وتسعى لأن تكون عن طريق (الشرعية الدولية) عبر منظمات مخولة “مجلس الأمن – الأمم المتحدة…” وأظهرت عديد التجارب فشل هذه العقوبات على هذه “الدول والسلطات المارقة” لأن المتضرر الأول والأخير هي المجتمعات وليست السلطات ؟!
لأن تلك السلطات تتحكم بمقدرات تلك الدولة فلا تتأثر بتلك العقوبات لأنها لم تأتي من خلال إرادة المجتمع حتى تخشى من غضبه وثورته ، وتجربة الحصار على نظام “صدام حسين ” كانت فاشلة بكل المقاييس فلم يسقط نتيجة الحصار الذي دام حوالي ثلاثة عشر عاما ذاق الشعب العراقي الكثير فيه ، حتى أن ضحايا الحصار كانوا من الأطفال الذين حُرموا من الحليب المخصص لهم وأصيبوا بسوء التغذية ومات منهم الكثير ، وكذلك المعمرون الذين لم يستطيعوا الصمود أمام نتائجه الكارثية ولم يكن ” نظام النفط مقابل الغذاء والدواء ” إلا مشجباً للنظام للخلاص والتهرّب من آثار الحصار الاقتصادي و العقوبات المفروضة عليه …
للتخفيف منها ينبغي
*تطوير الدساتير والقوانين التي تساهم في الحدّ من هذه الظاهرة بجميع أشكالها القديمة والمستحدثة
*القيام بحملات إعلامية لتسليط الضوء على الأساليب الحديثة للعبودية ومحاولة فكّ الارتباط من دول ومجتمعات الأطراف مع المركز “المتوحش” بحسب تعبير “سمير أمين”
*أقامة وتنظيم الندوات الحوارية والمحاضرات وورش العمل من ذوي صاحب الشأن والتخصص تجمع كافة الجهات ذات العلاقة للتداول وتقديم البحوث النظرية والميدانية ” الكمية والكيفية” و رفع التوصيات والمقترحات إلى الجهات المعنية المحلية والإقليمية والدولية
*الإلتزام بساعات العمل والحد الأدنى للأجور ليحافظ “العامل – الموظف” على كينونته البشرية وفق معادلة (٨-;-و٨-;-و٨-;-)
/ثمان ساعات نوم و ثمان ساعات عمل و ثمان ساعات التمتع بالحياة /
العبودية الجديدة تطل برأسها من جديد في عصرنا لأن أصحابها قد طوروا من أدواتها وأساليبها بما يتوائم وروح العصر وإن كانت الجبهة المضادة أيضا مستمرة في محاربة هذه الظاهرة ومكافحتها لأن الصراع قديم والأدوات تتجدد مع فرق في الإمكانات وطول الذراع؟!
فلمن ستكون الغلبة في صراع المعسكرين ، وحدها الأيام كفيلة بالإجابة في عالم يتغيّر باستمرار؟!