صفحات الخالدين ..الرفيق الخالد المحامي الاستاذ حسن دريعي ابو ديمة


13 قراءة دقيقة

Hêvî Qiço

ذاك النهار كل شيء خرج عن سياقه..
تسيد الأسود الأجواء والنفوس ..
الريشة تلوذ بالسكون ..
الألوان تبكي يتمها ..
أوتار العود تعزف نشيجا ..
اللوحات تكاد تتبرأ من ألوانها ..
فيما القصيدة التزمت الوجوم تجلس شاحبة ..
كيف لا ترتبك الاشياء...
فعامودا الحرائق كانت...
ثكلى في ذاك النهار
كانت ترغب أن تمزق سكونها
أن تحيل الكلام إلى عرس مجوسي
وهي تستذكر وقع خطواتك ..
محيا بساطتك...
 صدى ضحكاتك في أروقتها...

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏٥‏ أشخاص‏



_________________

Hêvî Qiço‎‏


الذكرى الخامسة لرحيل الصديق الخالد أبدا في قلوبنا
 أبو ديمة حسن دريعي

 ذاك النهار كل شيء خرج عن سياقه..
تسيد الأسود الأجواء والنفوس ..
الريشة تلوذ بالسكون ..
الألوان تبكي يتمها ..
أوتار العود تعزف نشيجا ..
اللوحات تكاد تتبرأ من ألوانها ..
فيما القصيدة التزمت الوجوم تجلس شاحبة ..
كيف لا ترتبك الاشياء...
فعامودا الحرائق كانت...
ثكلى في ذاك النهار
كانت ترغب أن تمزق سكونها
أن تحيل الكلام إلى عرس مجوسي
وهي تستذكر وقع خطواتك ..
محيا بساطتك...
 صدى ضحكاتك في أروقتها...

ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏


_____________


‏‎Hêvî Qiço‎‏ 


كان الوعد أن يكون الإهداء بقلمك، وشاءت الأقدار ان ترحل دون وداع، مايخفف من وقع الرحيل المفاجىء بقاء روحك معنا على الدوام الغالية Hla Draiei

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏لا يتوفر وصف للصورة.


_______

Hêvî Qiço


كانت ليلة ليست ككل الليالي.. سهرة مع الصديق الخالد ابدا في قلوبنا... حسن دريعي أبو ديمة
الذي كان من الناجين من حريق سينما عامودا...
و الذي دون كل ماحدث حينها في كتاب عامودا تحترق بجزأيه..
الرحمة و السلام لروحك صديقي...
كم نفتقدك ....
مقطع من فيلم. الصديق الصحفي النمساوي Thomas Schmidinger
 أثناء زيارته لعامودا....





__

  • .. أنا حزين وأنا في حرفية أحلام مستغانمي .. أقف

  • حسن دريعي عذراً ..أقف في طابور مقرف من الواقفين على بلاط " الملك " لأحصل على بعض الفتات من موائده ... أنا حزين لأنني أصبحت إبن الفتات ..

_____________________

الحمار القاريء

     حسن دريعي

 

قالها لي عارف بحال ولأحوال وحياة السيد الكريم، والرجل الوطني ، مثقف عصره وزمانه عبدي تيلو الذي قالها لهم ذات مرة وهم بصدد إلقاء بصيص من الضوء على المثقفين الكرد في الجزيرة ، قالها لهم:

كنت مسافراً ذات يوم في قطار الشرق السريع من القامشلي إلى حلب ، فجلس شاب نافخاً ريشه كالطاووس إلى جانبي ،  وبديهي أن يتعارف أي جليسين جارين في قطار عبر هذه المسافة الطويلة ،  ثم يتبادلا أطراف الحديث في مواضيع كثيرة ، قتلاً للضجر والملل من جهة وتبادل المعلومات وفائدة الطرفين معاً ، من هذا الحوار إن كان مثمراً ومجدياً من جهة ثانية ..

 وكان عبدي تيلو في ذلك الزمن من مثقفي عصره في الجزيرة كلها ...

عبدي تيلو : أنا عبدي تيلو . فما الاسم الكريم ..

الشاب : أنا فلان الفلاني ..

عبدي تيلو :ماذا تعمل ياسيد فلان الفلاني

الشاب : وبنفشة ريش  طاووسية ، أنا لاأعمل ، ولكني طالب في كلية الآداب السنة الثالثة أدب عربي ..

عبدي تيلو: تشرفنا ، وماذا تعمل يافلان الفلاني؟.. وماهي أوضاعكم ياأستاذ بشكل عام ؟.

الشاب : الحمد لله لا أعمل شيئاً ، وأنا موفق تماماً في دراستي ، وأنا وأهلي الحمد لله لايفوتنا ركعة صلاة واحدة ، والحمد لله رب العالمين لايفوتنا صيامنا كل عام ..

أما في السياسة فأنا والله لا أفهم شيئاً منها ولست مستعداً للعلاك المصدي فيها..

عبدي تيلو : " أراد أن يلقنه درساً ، ولكن دون جدوى،" : أيها الجامعي هل تعرف أو سمعت بقصة الحمار القاريء..

الشاب : لاوالله لاأعرف أو أسمع بها ..

عبدي تيلو : " أراد أن يلقن هذا الديك الرومي درساًلاينساه طيلة حياته .. " أيها الشاب الجامعي هل سمعت بقصة الحمار القاريء يوماً ؟..

الشاب : لا والله لا أعرف أو أسمع أو سمعت بها يوماً...

عبدي تيلو : ياصديقي إذاً اسمع بها مني وخذ منها العبرة اللازمة ..

.... كان هناك عالم دين وطني ومثقف جداً ويسمى في ريفنا الكردي ب " الملا "...

وكان الملا إماماً لجامع قرية تابعة لأحد الآغوات الظالمين لفلاحيه...

 قام ملا القرية بتوعية الفلاحين ضد هذا الآغا ، وتحريضهم على الوقوف في وجهه، والحصول على حقوقهم منه ..

وعندما بلغ مسمع الآغا نبأ تأليب الملا  السري للفلاحين عليه وضده ..

 فكر الآغا في طريقة خبيثة وجهنمية لايتوقعها الملا حتى يتمكن من طرده من القرية ، ودون أن يقف الفلاحون إلى جانبه ويناصروه ...

ولكن حب واحترام الفلاحين جميعاً للملا ما جعل ذلك مشكلة كبيرة تواجهه ، عندها أقدم على خطته التي كان قد أحكم في حبكها ...

وبعد أن دعى الآغا جميع الفلاحين إلى اجتماع هام جداً في مضافته أولاً ،  وأرسل في طلب الملا ثاتياً ، وعندما حضر الملا إلى المضافة وأمام الجميع إقحاماً وإحراجاً وضربة قاضية لارحمة فيها على الملا..

الآغا : ياملا فلان لدي طلب منك وأرجو إن تحققه لي..

الملا: وهل أستطيع تلبية طلبك هذا ياآغا حتى تطلبه مني  ؟..بالرغم أن الفأر كان وأخذ يلعب في" عبه" .. 

الآغا: نعم ، نعم ،يا ملا ، والله تستطيع تلبية طلبي كرجل دين ومشهود لثقافتك في قرى المنطقة كلها ..

الملا : إذن أبشر ياآغا فطلبك مستجاب .

الآغا: لطالما أيها الملا العظيم إستطعت وتمكنت من تثقيف جميع فلاحي وسكان القرية ، فلن تكون عاجزاً عن تعليم حماري القراءة...

 فإذا تمكنت من تعليم الحمار خلال عام واحد تحصل على كل ماتريد..

وإن لم تتمكن من تعليمه ترحل عن هذه القرية نهائياً ..

وكانت سنة عجفاء لم يستطع الفلاحين من إعطاء الزكاة للملا ،ولذلك كان في حالة يرثى لها ..

أدرك الملا جهنمية وملعنة الفخ الي نصبه له الآغا، فهو يريد طرده من هذه القرية وبهذه الموآمرة الدنيئة..

شغل الملا  " كومبيوتردماغه " .. بدهاء وذكاء  لايعرفان الحدود وقال للآغا .. بهدوء وطمأنينة وثقة بالنفس لاتعرف الحدود ...

وبينه وبين نفسه " العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم ياآغا "...

الملا : نعم يا آغا أعلم حمارك القراءة ولكن بشرط..

الآغا : بشرط ..

الملا : نعم بشرط ..

الآعا : كل شروطك مقبولة ، ولكن ماهي شروطك هذه ؟..

الملا : أن تمنحنا ياآغا أنا والحمار قوتنا السخي والكريم "  والمبحبح " لهذا العام كله..

لم يصدق الآغا أذنيه قائلاً وبينه وبين نفسه " والله وقع الملا الغبي الساذج الذي يعمل من نفسه مثقفاً ويحرض الفلاحين علي في فخي " ..

وبفرح صامت : والله وقعت أيها الحمار الغبي ، وقعت ، وبصوت عال قائلاً في فرح الواثق من ترحيل الملا من القرية :

الآغا : حاضر .. حاضر. حاضر ياملا .. ويافلان ، ويافلان، ويا فلان من خدمه .. خذوا لبيت الملا كذا مداً من الحنطة تزيد عن كفايته للعام كاملاً وأكثر ..

 وكذا مداً من العدس يزيد عن حاجة وكفاية الملا للعام كاملاً وأكثر.. 

وكمية كذا وكذا من الحلاوة تزيد عن حاجة وكفاية الملا للعام كاملاً وأكثر..

وكذا وكذا حصير من التمر تزيد عن حاجة وكفاية الملا للعام كاملاً وأكثر..

وكذا كمية من السكر والشاي تزيد عن حاجة الملا للعام كاملاً...

وخذوا لبيت الملا كبشاً كبيراً للحم المقدد يزيد عن حاجة الملا للعام كاملاً..

وخذوا كمية كذا من السمن ومن الزبدة ، تزيد عن حاجة الملا للعام كاملاً..

 وياملا فلان سيأتيك مايكفيك يومياً من اللبن أو الحليب مايكفيك عاماً كاملاً..

وخذوا كمية كذا من الشعير ومن التبن يزيد عن حاجة الحمار للعام كاملا..

وبعدها تذكروا ياأهل قريتي الأعزاء وأيها الملا العزيز إذا لم تعلم حماري خلال هذا العام لن تبقى يوماً واحداً في ..

يقاطعه الملا : حاضر ياآغا لن أبقى في القرية يوماً واحداً ، ولكنني أؤكد لك أنني سأعلم حمارك القراءة..

وكان الكتاب الوحيد عند الملا هو القرآن الكريم ، ولا يعقل أن بعلم الملا الحمار القراءة عن طريق القرآن ، فجمع كل ما عنده من الأوراق غير اللازمة وجعل منها كتاباً ذو غلاف جلدي خارجي ..

في المرة الأولى لم يطعم الحمار أياماً عدة ، وبعد جوع الحمار جوعاً شديداً ، وضع الكتاب على مخدة ووضع على غلاف الكتاب كمية من الشعير ، وعندما شاهد الحمار الشعير ركض نحو الملا والتهم هذا الشعير بنهم ..

وفي المرة الثانية استخدم الملا  نفس الأسلوب ولكنه وضع الشعير تحت الغلاف مباشرة.. وعندما شاهد الحمار الجائع الكتاب ركض إليه يشم هنا وهناك وأخيراً عرف الحمار أن رائحة الشعير ينبعث  من تحت الغلاف من جهة ، وبحكم الغريزة التي إكتسبها الحمار من ذكاء تعليم " الملالي " له من جهة ثانية ، فقلب الغلاف بشفتيه وأكل الشعير..

وهكذا ومرة تلو أخرى ومع الزمن بعد كل تجويع للحمار حتى أصبح الشعير تحت كل صفحة من صفحات الكتاب فيقلب الحمار الجائع كل صفحة  بشفتيه ويأكل الشعير ليقلب الصفحة التي تليها، وهكذا يأكل شعير صفحات الكتاب جميعها ..

قام الملا ببروفات كثيرة ..

وبعد وقت ليس ببعيد وبعد أن تيقن تماماً من اتقان عمله ،جمع فلاحي القرية كلهم في مضافة الآغا.. وعندما سأله الآغا:

الآغا:  نعم ياملا فلان هل علمت حماري القراةء؟..

رد عليه ..

الملا : ياآغا علمته القراءة . .

الآغا اثبت لنا كيف علمته القراءة ..

الملا : يافلاحي القرية الأعزاء كونوا جميعاً شهودا على ذلك ..

وفي جو من عدم تصديق الآغا وثقة الفلاحين بالملا وفي انبهار ..

الفلاحين: وبصوت واحد  كلنا سنكون شهوداً على ذلك إن صح كلامك ..

وأمام الجميع ..

الملا : تعال أيها الحمار واقرأ لنا هذا الكتاب ...

وعندما شاه الحمار الجائع جوعاً شديداً الكتاب على الأرض أمام الملا هرع نحوه راكضاً..

وحاء .. حاء .. حاء..   

يقلب صفحات الكتاب صفحة صفحة سعياً وراء الشعير

وعندما سأله الآعا ...

الآغا : ياملا فلان لماذا لانسمع صوت قرائته ؟..

الملا : ياآغا هو يقرأ بلغة الحمير فهل تعرف لغة الحمير حتى تفهم عليه ..

الآغا : هو يقرأ بلغة الحمير ..

الملا : نعم يقرأ بلغة الحمير ولا يفهمه غير الحمير

وهنا ضحك الجميع على الآغا ... وعرف الآغا أنه وقع في الفخ نفسه الذي كان قد نصبه للملا

ومتوجهاً إلى الطاووس المنفوش ريشه الذي  بجانبه ..

عبدي تيلو : هل فهمت القصة ياسيد فلان ؟..

الشاب نعم فهمتها ياعم ..

ولكن دون أن يفهم شيئاً ، ودون أن يعرف تماماً أنه هو وأمثاله كانوا المعنيون بحكاية الحمار القاريء هذه...

وافترقا دون فهم..

وحكاية السيد عبدي تيلو هذه عن الحمار القاريء موجهة إلى جميع أدعياء الثقافة الهابطون الذين فقط يقرؤون كهذا الحمار ...

 

عامودا 11/2/2010

                                                                  حسن دريعي

 

___________


أحد الأطفال الناجين كان حسن دريعي، أصبح من أشهر المحامين السوريين، وسجل جزءًا من شهادته على المجزرة، التي سُجلت ضد مجهول منذ حكم الجمهورية العربية المتحدة، حتى وصول آل الأسد إلى السلطة، وتعرض المحامي لضغط من المخابرات إثر نشر كتابه “عامودا تحترق” عام 2005.


________________________________________


قراءة في كتاب ( عامودا تحترق )
لمؤلِّفه الأستاذ المحامي حسن دريعي

إذا استثينا مقدَّمة الأستاذ الفاضل هيثم حسين فالكتاب يبدأ من الصفحة / 17 / ليقدِّم لنا الكاتب ومن خلال /44/ صفحة عامودا كما هي وكما كانت عارية وعلى حقيقتها بكلِّ بهائها وقبحها , بآثارها ومآثرها,سكّانها وأوجه نشاطها , عاداتها , وأطيافها وحكايا شيبها ؛ ليعرِّفنا بها من كلّ جانب , داخلاً الزمان في المكان وجامعاً بين التأريخ والجغرافيا في سيرة واقع مدينة كرديّة .
فالكاتب ليس مجرّد مؤلِّفٍ فحسب لأنّه ابن هذه المدينة وأعلم بخباياها وحناياها ( وأهل مكّة أدرى بشعابها ) .
فتح كتاب المدينة في وجه القارئ وسردها مذبوحاً , فكلُّ ما حوله يشي بالذبح والنحر وأطلق مدوّياً صرخة ( هاوار ).
مستغيثاً ومحذِّراً في آنٍ معاً , فخطر ما يحيق قادم ومرّة أخرى :
هاوار ..
والصرخة هذه ما أتت عبثاً . فقد عايش كلّ مآسي التفاوت الطبقيّ في مجتمع مدينته , وهو الغيور عليها . وأولئك الذين كانوا يتحكّمون بمفاتيح الثروة ما ساهموا في إنماء مدينتهم , وما استثمروا أموالهم في رفع سويّة المدينة وإبنائها المعاشيّ باستثناء القلّة القليلة جدّاً جدّاً والتي أفاض الكاتب في الثناء عليها ..
والصرخة ما أتت عبثاً . فهو يكشف النقاب عن لصوص السلطة المحلّيّة , وآخرون من صفوف الشعب نفسه . فبات مسكوناً بالوجع وتنامى لديه وجدان مثاليّ مغنّياً في سمفونيّة رومانسيّة لا تنتمي إلى هذا الزمان .
إنّها المدينة اللغز تمزّق ساكنيها بهذا ( الخبيص ) اللا منتهي ,فهي الشيوعيّة المناضلة ,كيف لا وقد سمّوها موسكو الثانية , إنّها المدينة البلسم المغنّاة في قصائد جكر خوين وهي المعقل , المتحدّية كلّ الدكتاتوريّات ( رشيد كرد ) إنموذجاً .
وهي الزاهية والملوَّنة ( رنكين ) وما تحمله هذه الكلمة من معنىً ثرٍّ وواسع في اللغة الكرديّة .
وبالمقابل فهي مدينة المقاهي – المواخير , ومدينة الربا والفقر والتخلّف الاجتماعيّ والعادات المثقوبة .
أمام هذا التلاطم تمزّق الكاتب نفسه , وتمزَّق فكره فشطّ به الانفعال والعاطفة إلى صرخة الـ هاوار في ضعفٍ واستسلامٍ لقدرٍ محتومٍ . إنّه مؤلم والأكثر إيلاماً أن ينتهي هذا الفصل من الكتاب بقصيدة شعريّة أو شبه شعريّة قد غفل أو تغافل الكاتب عن ذكر صاحبها الذي هو مقدِّم الكتاب نفسه الأستاذ هيثم حسين , فيتوهّم القارئ بأنّ هذه القصيدة هي للمؤلّف صاحب الكتاب , ص / 66-62 / كما لم يرد تصويب أو إيضاح في نهاية الكتاب يشير إلى ذلك .

* ملامح الطفولة : ص / 102 – 73 / .
في ما يشبه سيرة ذاتيّة يمضي الأستاذ المحامي حسن دريعي في عرض شريط طفولته أو ما تيسّر منه في دلالات انتماء .
فالصور التي خزنتها الذاكرة بفعل الحدث المرئيّ الممارَس حفرت عميقاً كما الوشم أو كما الكيّ .
طفولة الحرائق التي ما كانت لتنتهي , طفولة الشقاء والفقر والتعاسة ( وشيطنة الأولاد ) والجوع الممتدّ ليس في أمعاء الطفولة فحسب بل إلى ذاكرة النضوج , يظهر ذلك بجلاء في معرض حديثه عن ( الاستوديو ) السفر برلكي بالأبيض والأسود (...هذا الاستوديو الذي تحوّل في زمن لاحقٍ إلى مطعمٍ لمختلف أنواع الكباب واللحم والفرّوج المشويّ ) ص 77.
في مرحلة أخرى من طفولته يدخل الكنيسة ويتلو صلاته باللغة السريانيّة يردّدها هكذا دون أن توحي له بأيّ معنى , ولكن هذا الوافد المهيب والعملاق المعجزة – الحزب الشيوعيّ , استطاع إدخال مفاهيم جديدة في وعي المجتمع وجمعت بين طوائفه وأعراقه ودياناته لخدمة العملية النضاليّة . والكاتب هنا يجسِّد مرحلة نضاليّة بشكلٍ ما وبنوعٍ آخر من مراحل طفولته , فدخول الكنيسة لها أكثر من دلالة اجتماعيّة ودينيّة . إنّه دخول عالمٍ آخر واجتياز مغامر لحدود ...
وهذه الحدود قائمة : شارع باتّجاه شرق غرب يقطع عامودا إلى قسمين ... جنوب مسيحيّ متحضّر وأنيق وشمال مسلم متخلّف وعفن , والكاتب بطبيعة الحال ينتمي إلى هذا القسم الأخير , ولكنّ العائلة – عائلة الكاتب – ليست متخلّفة وليست عفنة ويعزو ذلك إلى دخولها المعترك السياسيّ وتحديداً انخراطها في صفوف الحزب الشيوعيّ السوريّ .
وحيث كان لهذا الحزب الدور الأكبر فيرفع سويّة المنتمين إليه اجتماعيّاً و ثقافيّاً و نضاليّاً ويربط فيما بينهم بلحمة لا تنفصم .
ولهذا دخل المؤلّف الكنيسة بفعل الرابطة الرفاقيّة الحميميّة بين والده الشيوعي البارز وبين رفاقه الشيوعيّين المسيحيّين ..
عامودا محيّرة .. فالوالد الشيوعيّ المسلم له نفس العلاقات الحميميّة مع أبرز رجال الدين المسلمين في مدينته حتّى حدا به الأمر بأن يتبرّع بأرضٍ له لإقامة مسجدٍ عليه .
مثيرة هي هذه الزخرفة المتخلخلة في هيكليّة المدينة البائسة .
وبرغم كلّ هذا السرد الدرامكاتيكيّ فإنّ معاناة الكاتب لم تتفاقم إلاّ بعد دخوله المدرسة وانتقاله من مدرسة إلى أخرى بمحفظة الصفيح وحذاء الكاوتشوك المقطّع , وفي هول المعاناة يكبر العويل فتفوح من الجمل رائحة تمزِّق الروح .
يأتي الكاتب على حكايات صداقاته الجديدة في مقعده الدراسيّ وبإسهابٍ أكثر عن معلّماته الثلاث اللواتي تأثّر بهنّ وعلى وجه الخصوص ( نجاح ) القادمة من الساحل .. فيصفها وصفاً دقيقاً وشاملاً ..حتّى يكاد يختلط الوصف بالتغزّل,
هذه المعلّمة بنت بشكلٍ ما وفي وقتٍ لاحقٍ علاقة إلفة ومحبّة وصداقة مع والدة الكاتب , وما كانت في جوهرها سوى علاقة مصالح متبادلة .. فقط ارتضت الوالدة وبحبور أن يقيم الطفل في عهدة المعلّمة .. يأكل ويشرب ويستحمّ ويدرس وينام .... و ( يخدم أيضاً ) .. وتعلّق الطفل بها كثيراً وحتّى عندما كبر وكتب عنها بدأ يعاني تشوّشاً ذهنيّاً بمجرّد تذكّرها ووصفها : ( ...تلبس نظّارات طبّيّة (موديرن) سمراء جميلة .. ) ص 86 , ليعود إلى وصفها مرّة أخرى مناقضاً الحالة الأولى : ( ... وجهها دائريّ .. بشرتها بيضاء .. ) الخ .
وهكذا يسير بإسهابٍ واستطراد إلى الصفحة /101/ في سيرة ذاتيّة ملؤها الشقاء والألم والمعاناة .. والعويل يتصاعد ليكشف لنا الوجه الباطن لشخص الأستاذ حسن دريعي . هذا الباطن الرقيق كورق السجائر ولا نعرف تماماً عمّا إذا كان يسرد كلّ هذه الفجائع بالنيابة عن كلّ أطفال عامودا في زمنه .. والذين ما لانوا أقلّ فجيعة و بؤساً وحرماناً منه.


* أمّـي : ص / 133 – 108 / .
إنّه الفصل الأكثر مرارة في حلقوم المؤلّف.. كلّ فصول الكتاب تحمل المرارة ذاتها ولكن والدته قد اتّكأت على وجدانه
ولمّا تزل في أبهى صور القداسة .
وممّا رسّخ هذا في ضميره وروحه إنّه فجع بها وهو ما يزال فتىً طريّاً , فبقيت على ذلك البهاء ,وبقي نواحه متدفِّقاً حيث كان المرض الفتّاك ( السّل) يأكل منها على مرأى منه وما كان هذا المرض سوى بفعل جبروت الرجل وقهر الأيّام وكيد النساء ( الضّرّة ) وضنك العيش .ممـّا دفع بالكاتب أن يصبّ جام غضبه على الرجل الذكوريّ –الفحل المستهتر بالمرأة الزوجة والخائن لها .إنـّه حال المجتمع الكرديّ البائس في تخلّفه وقرفه .فوالدته قد زفّت إلى والده وهي في التاسعة من عمرها -أي أنّها كانت قاصرة حسب المفهوم الحالي -ولكن هذه الوالدة (( فاطمة حسن فندي )) كانت تتمتّع بوعيٍ استثنائيّ في مرحلة لاحقة ومع ذلك بقيت مستكينة لواقعها المؤلم .
وهل كان والد الكاتب ينتمي إلى ذلك المجتمع المتخلّف لمجرّد أنّه تزوّج للمرّة الثانية لأسباب لا نعرفها ثم لاحقاً للمرّة الثالثة وأيضاً لأسباب لا نعرفها أيضاً .
أو ليست هذه السّمة كانت تنطبق على كلّ المجتمعات الإسلاميّة في مشارق الأرض ومغاربها؟
نتساءل إذاً:لماذا كان والد المؤلّف قارئاً جيّداً (وباللغة الكرديّة )لقصائد جكرخوين , ليس هذا فحسب بل وصديقاً له . ولماذا كان في صفوف الحزب الشيوعيّ السوريّ ؟
وما كان لينتسب إليه إلاّ من كان يملك قدراً لا بأس به من الوعي الثوريّ والمؤمن بالتغيير ولماذا كان يتبرّع بأرضه لبناء
مسجد عليه – أي لجهة عامّة – ومن منظور إنسانيّ بحت :
ولماذا كان كما سنرى لاحقاً يدفع بمسدّسه إلى طاولة التبرّعات لصالح الثورة الجزائريّة وسلاح الكرديّ شرفه , وباعتراف المؤلّف ...؟!
ماتت فاطمة حسن حمو فندي وهي مغتربة في روحها . ماتت في بيروت وهي تطلب ترياقاً لسقمٍ ليس له دواء بعدما استفحل ودمّر .. ودفنت في روابي تلّ الزعتر الذي بات الآن من المناطق السكنيّة فأضفى على المكان حضارة عمرانيّة .
لم يأل الكاتب جهداً بأن يصفها بعلب السردين بينما بيوتنا ما هي غالباً إلاّ علب طين , فتغافل الكاتب عن هذه , كما تغافل في مقدّمة هذا الفصل عن ذكر اسم الفنّان محمّد سعدون صاحب لوحة المرحوم نعمت دريعي , حيث لم يظهر توقيع الفنّان بجلاء على اللوحة ولم يشر إليه مؤلّف الكتاب بدوره ليتوهّم القارئ من جديد بأنّ هذه اللوحة إنّما هي من أعمال الفنّان خضر عبد الكريم حيث أنّ الغلاف واللوحات الداخليّة له .

عامودا تحترق ∞ - 138 .
(( نيرون مات ولم تمت روما
بعينيها تقاتل
وحبوب سنبلة تجفّ ستملأ الوادي سنابل )) . محمود درويش .
القسم الذي يحمل عنوان الكتاب ومحوره وبيت القصيد فيه , الموضوع الأكثر جدلاً والأكثر وهجاً في وسط عامودا المكتوية على آخرها بلفح الحدث .
لقد تحمّل المؤلّف العناء الكبير في البحث والتدقيق والتمحيص عناءً بمستوى العمل الذي يقوم به ليقدّم للقارئ القاصي والداني حقيقة ما حدث مبتغياً التوثيق والتأريخ في أمانة ونزاهة مطلقتين , ومزيحاً عنه كلّ ما لحق به من غبن وتشويش , والكاتب يجد نفسه أهلاً لذلك , فهو أحد الناجين من أتون المحرقة , ويحمل على جسده علامات منها , وسكنت الفاجعة روحه , فبات يغنّي من الوجع معلناً انتماءه القوميّ إلى مدينته الكرديّة المتفحّمة التي هي بوّابة الانتماء إلى سائر الأصقاع الكرديّة الأخرى وامتداداً لها , فبات يعرض مسار الأمور ( دونكيشوتيّاً ) رافضاً من ينافسه في هذا المضمار , مزهوّاً بانكسارات ملكيّة الاستحواذ , ( فمن لم يكتوِ بنيران فاجعة سينما عامودا , ليس مخوَّلاً بالكلام عنها أو حتّى بالكتابة عنها ) ص 191 . ولعلّه يضمن مقولته حقّ نقض النقد أيضاً .
وككلّ أقسام / الهامشيّة / الأخرى تأخذه سطوة الانفعال والقلق , وهو الموبوء بهما , فابتعد قليلاً أو كثيراً عن نمط التوثيق الذي تبنّاه .
وهذا ليس من باب الانتقاد , فواقع الوعي المبكّر لدى المؤلّف تجاه الواقع الاجتماعيّ المزري والواقع السلطويّ العتيد والمجحف والواقع الحزبيّ الخواء أشعل في ذاته نار التمرّد فالتمست جمله النور متذمّرة وساخطة حيناً ومستغيثة بيأسٍ أحياناً أخرى . فأمام موضوع جلل كهذا لحادثة مجزرة كهذه , يتناولها محامٍ قدير كمؤلّفنا : كنّا نهفو أن نرى عبر السطور عبارات كـ : حسب المادّة رقم / كذا / و / كذا / من القانون / كذا / لعام / كذا وكذا / . ولكنّه لم يفعل ولأسباب لا نعرفها فكانت النتيجة عكسيّة وأوجد متنفَّساً لأولئك الذين كانوا يصطادون في الماء العكر لإبعاد التهمة عن أنفسهم .
لقد استهلّ القسم هذا بأسماء / 184 / طفلاً شهيداً وعلى رأسهم ( الرجل الطفل ) محمّد سعيد آغا الدقّوري الذي أضحى أسطورة جيله والأجيال التي تلي لما قام به من عملٍ جليلٍ مضحّياً ومتفانياً .
وعندما قالوا له : ولدك نجا .
أجابهم : كلّهم أولادي . واقتحم النار , وأنقذ من طالت إليه يداه إلى أن سقط الجسر الخشبيّ المحترق عليه .. ليصبح بطلاً شهيداً وليفتخر به كلّ كرديّ وليغدو مضرب المثل في الفداء .
لقد أدرج الكاتب صورته وهو طفل ضمن مجموعة صور الشهداء وكأنّنا به يعلن انتماءه إليهم بغضّ النظر عن نجاته من جهنّم ( شهرزاد ) . هذا الانتماء الذي يظهره في أكثر من مكان وبأكثر من صورة ونمط وكأنّما يزيح عن صدره صخرة ثقيلة جاثمة .. إثباتاً للوعي وللذّات وتجذّراً في الأرض المنبت , هو بالوكالة عن سجلاّت قيد النفوس للمنطقة بأسرها .
لم يأل جهداً في أن يبحث وينقّب ويستقرئ ويجتهد فألمّ بالجوانب ما استطاع , وبفكر إنسانيّ مرهف أحدث شرخاً في ذاته النبيلة , وأشار إلى ذلك بوضوح :
فالمعلوم أنّ ريع الفلم المعروض كان لصالح الشعب الجزائريّ وثورته .
وهو موضوع تحرّريّ يستحقّ وقوف جميع القوى الخيّرة معه وهناك تلاحم مصيريّ بين الشعبين الكرديّ والعربيّ , فهو يربط بين جيله وبين جيل صبرا وشاتيلا وبورسعيد أيضاً .
عمق الوشائج الإنسانيّة – الوجدانيّ- التحرّريّة دفع بالكرد أن يقدّموا جيلاً غضّاً طريّاً بأكمله قرباناً على مذبحة الثورة الجزائريّة : (( آه .. آه .. أيّها الثوريّون الجزائريّون .. أيّها الوطنيّون الجزائريّون .. أيّها الشرفاء الجزائريّون , كم أبخستم إخوتكم الكرد حقّهم في الوفاء )) . ص 215 . في إشارة مضمرة منه إلى اتّفاقيّة الجزائر المشؤومة .
وفي المزاد العلنيّ والعبارة للكاتب : (( المزاد على من سيدفع أكثر دعماً للثورة الجزائريّة )) .
يدفع الحماس بوالد المؤلّف لأن يدفع بمسدّسه إلى طاولة المزاد وإنّما هو شرف لا يضاهيه شرف فكسر المزاد وهزم الجميع : ((...ويقيناً أنّ بعض طلقات هذا المسدّس قد استقرّت في صدر أحد الغزاة الفرنسيّين أو احد عملائهم )) .ص 214 .
فمن أين جاء المؤلّف بهذا اليقين ..؟
وهو الذي يدرك ويوثّق بأنّ هذه التبرّعات كانت تشرف عليها إدارات الدولة – الحكومة – متمثّلة بسلطاتها المحلّيّة – مدير الناحية وأزلامه . وكانوا وباعتراف المؤلّف مجموعة لصوص ينهبون جيوب الشعب وأرزاقه .
فما الذي يمنعهم إذن من أن يزدانوا خاصرة أحد أولادهم بهذا المسدّس بدل من أن يرسلوا به إلى الجزائر وثورته ؟
لمَ لا والكاتب نفسه يعزو سبب الحريق إلى لصوصيّة هؤلاء :
( هناك من سرقوا ليحرقوا , ولولا سرقتهم لما احترق هذا العدد المرعب من الضحايا ) . ص 224 .
لا يقف الكاتب هنا فيقوم بتوزيع المسؤوليّات وبها يقطع الحدث المجلجل – الكارثة – إلى نتف تفقد وزنها النوعيّ وزخمها المدوّي فيختلط في ذهن القارئ الحابل بالنابل , ورغم أنّ المؤلّف يذكر بأنّ دار العرض كان مؤجّراً ومسلَّماً لمدير الناحية ودار البلديّة من قبل مالكي دار العرض وانحصر دور المالكين على تشغيل آلة العرض فقط . إلاّ أنّ الكاتب يوزّع المسؤوليّات ويشرك الكثيرين في مسؤوليّة هذا الحريق – الفاجعة :
مدير الناحية – محاسب الإدارة – مدراء ومعلّمو المدارس التي حضر تلامذتها العرض – ومسؤوليّة مالكي دار السينما-
كونها غير صالحة بطبيعة سقفيّة القشّ وديكور القماش والطلاء السريع الاشتعال وافتقارها لأنظمة الإطفاء والأمن والسلامة , ثمّ مسؤوليّة أهل المدينة نفسها حيث وقفوا يتفرّجون على النيران المضطرمة تلتهم أطفالهم وأياديهم خلف ظهورهم واجمين أو غير مكترثين .
ولعلّ القارئ سيكون مغتبطاً لأنّ المؤلّف لم يشمل الأطفال الضحايا أنفسهم المسؤوليّة كونهم حضروا عرض الفلم فأصبحوا عرضة للحريق والموت .. ولو قبعوا في بيوت ذويهم لكانوا في مأمن من كلّ هذا .
لقد كانت مادّة الفلم سريعة الاشتعال بشكل غريب ولا يختلف على ذلك اثنان وقد تابعت شخصيّاً برنامجاً وثائقيّاً على إحدى المحطّات الفضائيّة حوا هذا الموضوع وحول طبيعة الأفلام تلك , وحيث تسبّب في اشتعال الحرائق في دور السينما في مختلف أنحاء الأرض وأودى بحياة / 10000 / عشرة آلاف شخص , ولعلّما يربو عن / 18 4 / طفلاً ممّن استشهدوا في حريق سينما عامودا هم ضمن هذا الرقم الذي أورده البرنامج .
لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه : من هم الذين كانوا يقومون باستيراد مثل هذه الأفلام الخطرة ؟
وإذا كانت دار عرض شهرزاد تفتقر إن ذاك إلى أنظمة وأجهزة حماية وإطفاء ووسائل السلامة ..
فمن كانت الجهة التي كانت تتابع مثل هذه الأمور وتراقبها ..؟
وهل كانت هناك لجان تراقبها فعلاً ..؟
وإذا كانت دار السينما نفسها غير صالحة أصلاً بسبب طبيعتها ومكوّناتها البدائيّة والخطرة فأيّ جهة أجازت لها ورخّصت لها بتقديم العروض ..؟
المسؤوليّة تقع على عاتق من إذن ؟
لن نستطيع اتّهام الربّ في كلّ الأحوال ..!!
ففي كلّ مأساة لنا يكون الربّ متغيّباً وبدون عذر , كي لا نحمّله مسؤوليّة ما حدث في أثناء دوامه الإلهيّ !!!
لقد آثر المؤلّف ألاّ يقدِّم إجابات على هذه الأسئلة أو تلك غيرها ممّا تغصّ به حناجر ذوي الشهداء الذين تقطّعت أحذيتهم على طريق المقابر وسواهم من أبناء المدينة وسواهم ..وسواهم . اللهمّ طيف محجّبات خجولات من وراء زجاج محجّر غير شفّاف . ولو كان قد تمّ ذلك لكنّا أمام عملٍ متكاملٍ يشفي غليل الكثيرين من الثكالى , ومّمن فقدوا فلذّات أكبادهم في عمرٍ يؤسَف عليه ويحزّ القلب .
لقد آثر المؤلّف الألم في ذاته معذّباً لها كونه يلتفت حوله فلا يرى سوى الخراب والخراب في كلّ شيء .. في الأرض والدور والشجر والبشر فينكفئ على نفسه ويدمّرها فاقداً بذلك رصانة رجل القانون فليس أمامه سوى التباكي على مدن الخراب متمثّلة بمدينته ( عامودا المنحورة والمحاصَرة )وهي تنتخر متهاوية تحت وطأة الحسابات الملغومة والمغلوطة , لتدفن بركامها الأماني والآلام والطموحات وكلّ الأحلام البهيجة , كما دفنت رئة المؤلّف ونصف قلبه ( عزّ الدين ), وكما دفنت طفولة المؤلّف ومحفظة الصفيح المدرسيّة , وكما دفنت رونق الحياة في والدته .... وحبّه البكر أيضاً .. وأيضاً كلّ ذلك الحشد من أزهار البنفسج الذي كان جيل المؤلّف نفسه , فهي منذورة للحرق والخراب :
( النحر هو قدرك الأبديّ , الاحتراق قضاؤك الأزليّ ) . ص 486 .
هكذا في غناء ملحميّ شجيٍّ وبلغة شاعريّة ملفّعة بالتكسّر والتصدّع يتابع :
( هل من مغيث .. ؟!
لا مغيث .. لا مغيث .. لا مغيث .. ! ) . ص 486 . مكرِّراً ( لوك ) تأكيداً لحالة اليأس التي يعيشها , هذه اللغة التي لا تنتمي إلى الطابع الوثائقيّ أو التأريخيّ , فلم يعد ممكناً تصنيف الكتاب تحت مسمّىً معيّن .
كتاب (( عامودا تحترق )) هو باكورة أعماله ولن تكون يتيمة بالتأكيد , فمؤلّفنا الأستاذ حسن دريعي قد خطا الخطوة الأولى وتصدّى لعملٍ كان ينخر في عظامه نظراً لتقاعس الآخرين وخوفاً عليه من التلاشي في ذاكرة التاريخ الصدئة ,فهبّ وسعى ما استطاع , ليستنهض ( النائمين على آذانهم ) ويغلق فواتير المتاجرات .
وعندما سمّى مؤلَّفه بـ (( عامودا تحترق )) فكأنّي بلسان حاله يقول : ( عامودا لن تحترق ) .




_____________________________________________________________-

شهداء سينما عامودا -عامودا تحترق - الجزء الأول‏ 


_________


 ‏أربعينية فاجعة حريق سينما عامودا‏ 


____________ 

صديقتي زاريا

سيدتي زاريا .... صديقتي زاريا ...أيتها الفنانة التشكيلية الرائعة ....ألف إعتذار واعتذار .. أسف ، وأسف ... بالرغم من تأخر الاعتذار والأسف ... وأنت المجملة لجيد صفحتي بهمسات ، بنمنمات ، بريشتك الرائعة مثلك .. مانحة لها غناً روحياً ... وبعداً وعمقاً إنسانياً ... منذ أوائل الستينات .. زفضت شعار الفن للفن ... وإنما اعتبرته من خلال إيماني بالواقعية الاشتراكية في الرسم في تلك الحقب من الزمن ...بأن الفن سلاح من أسلحة المعركة .. كل المعارك .. الطبقية والسياسة والاجتماعية والاقتصادية ... وحتى في الحروب الحديثة .... ومن من أحرار العالم كله .. ليس معجباً بحرب الغوار مع أرنستو تشي غيفارا ... وتزين سطح مكتبي لوحة لفنان كوبي بالألوان الزيتية .. لتشي فارساً .. أيتها الصديقة الرائعة وصفحتي تتكلم بلساني شاكرة .. ترابك بوحييه المستنهض .... أشكرك .. ومنك سأرحل إلى حبيبة قلبي سمر دريعي وآخر لوحة لها إلي هذه الصفحة .... وهذه الحرفية سأنقلها .. معتذرة إلى صفحتك .. وشكراً ... 

_______

رسالة محبة 

أيتها الصديقات الرائعات في هذه الصفحة التي من ناحيتي... لم أعد اعتبرها إفتراضية ... وقد أصبح بيننا " خبزاً وملحاً فيسبوكياً " ..بإسمكن .. وفي صفحتي .. 1- سمر دريعي .. حلا دريعي .. بيريفان دريعي ... سلمى العبدي ... نسرين تيلو ... آلاء عبد الفتاح ..بشرى حاجو ...انتصار سليمان ...روشن كورو ...نوفين حرسان... ماجده داري ...خبات عباس ..زاريا زرداشت ...ر جاء مخلوف ..زيزي صفوان ....روني طه....فاطمه عبد اللاوي ...أسماء صقر القاسمي ...مليكه مزان ... مروى كريديه ....فرات اسبر ...رشيده موني ...ليم حسين ... ماجده تونج ...عايده تونج .... لبنى العبدالله ...ومن خلالكن ...أقول : .......................................أيتها الأمهات الرائعات ...أيتها الرفيقات العزيزات ...ويابنات وطني الجميلات الرائعات ...وبمناسبة عيد المرأ ة العالمي ..في الثامن من آذار ...أنثر وأرش فوق رؤوسكن .... البنفسج .. والياسمين ... والفل والقرنفل ...وأفرش على مدى أبصاركن ...أبسطة جلنار مسيجة بدمي ...وبعبق هذي الأرض .. الممتدة إلى الوطن كل الوطن ....وإلى الساحات .. كل الساحات ...وإلى العالم كل العالم ....لأنه عيد المرأة العالمي ...لأنه عيد المرأة الممي ... وكل عام .. وجميع النساء في سوريا وعلى امتداد هذا العالم الفسيح بألف خير وخير ...والتحية كل التحية ومن القلب لرابطة النساء السوريات لحماية الأمومة والطفولة ...في ذكرى عيد تأسيسهن .. أيتها الأمهات ... ايتها الصديقات .. ايتها العزيزات .. أهنئكن بعيدكن ومقلة العين .. مهجة القلب .. سوريا .. مثخنة بالجراح .. غارقة في دمائها النازفة كالسيل .. عيدكن جاء في عام الوطن يعيش ألماً ... من خلالكن أتوجه ألى أمهات الشهداء بألف عزاء .. ولايسعني سوى القول أن عامكن القادم .. سورية يجب ان تكون بألف خير ... والرحمة لكل الشهداء ...