(سقوط القلعة الأخيرة) ...


1 قراءة دقيقة


قبل بضعة سنوات من الآن ، كانت للشعارات الرنانة البراقة في نفسي حصة الأسد ، كيف لا وقد كنت مأخوذا بأوهام ، ومخدوعا بسراب ، عفى عليها الزمن ، لأنها لا تغن ولا تسمن من جوع ، كتلك الأفكار التي تتحدث عن حب الوطن ، ووجوب صون ترابه ، ومحاربة أعدائه وإفشال مخططاته ، وأن القضية الكردية حقيقة ساطعة سطوع الشمس ، وليست خيالا كما يدعي البعض ، وأن حلها أصبح قاب قوسين أو أدنى ، وأن كردستان تستحق منا ، أن نبذل في سبيلها كل غال ونفيس ، وأن تحملنا النواقص الخدمية والمعيشية ، كمواضيع الماء والكهرباء والتدفئة والتعليم ، ومحاربتنا في لقمة عيشنا ، وإذلالنا من قبل القريب قبل الغريب ، كل ذلك لايقارن بما بذله غيرنا ، الذين ضحوا بدمائهم الزكية في سبيل تلك المبادئ ، لهذا كنت تراني أصب جام غضبي على أصدقائي ، الذين أثروا الهجرة من البلد ، عندما ساءت أحواله ، مفضلين النأي بالنفس عما يجري فيه ...
واليوم وبعد مرور تلك السنوات العجاف ، أرى نفسي وحيدا ، أتجرع مرارة الخيبات المتوالية ، ألتفت إلى الوراء ، فأتأمل كل ماجرى ، وأدرك كم كنت ساذجا بسيطا ، لم أر أبعد من أنفي ، حين حاربت طواحين الهواء ، وكيف كان غيري ، يمتلك بعد نظر وإستشراف للمستقبل ، فبمقارنة بسيطة بيننا ، نرى أن هؤلاء قد أمنوا على أنفسهم ، وعائلاتهم في بلاد المهجر ، من حيث الإستقرار المادي ، وضمان الرعاية الصحية ، وحصول أولادهم على فرصة التعليم في أرقى المعاهد والجامعات ، فيما نحن نكافأ من بلدنا ، الذي إخترناه بملء إرادتنا ، بحصار الغلاء وشبح المجاعة ، وأمية وجهل أطفالنا ، وفساد مسؤوليه ، وعدم إيجاد الحلول لمشاكل الشعب ، والإكتفاء بجمع وسرقة الأموال ، وصولا لحد التخمة ، لتعود كردستان يتيمة كما كانت دوما ، حلما جميلا يراود مخيلة الشعراء فقط ، بعد أن أدركنا متأخرين جدا ، ألا أحد يخلص في المسعى إليها ، بل إنها أخر إهتماماتهم...
أعتذر لجميع الأهل والأصدقاء ، ممن عاتبتهم يوما على تركهم للوطن ، فهو مزرعة وليس وطنا ، لقد خدعونا عندما سموه كذلك ، فنحن بقايا بشر نعيش في اللاوطن ...

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص أو أكثر‏‏