سفن تبحر على اليابسة


1 قراءة دقيقة


العقائد المتناقضة لا تبقى متقابلة من غير أن تتصادم عندما تشعر إحداها بقدرتها على قهر الأخرى..
غوستاف لوبون
أسدلت المذيعة قطعة قماش على الحائط المتصدّع، لتحجب علامات الوضع المدقع وأتمّت الاستعدادات لإجراء اللقاء بالزوجين ، أبو علي وجليلة.
كانت بكامل أناقتها، وقفت أمامهما وهي تشعر بالرضى عن نفسها، لأنها ستكون جسرا للإحسان .
الجائزة عبارة عن شقّة جاهزة (على المفتاح ) انبسطت أسارير جليلة، لكنّها تبدو غير مصدّقة، معقول أنها ستضع نهاية للذلّ الذي تلقاه أول كلّ شهر.
أبو علي مرّر كفّه على صلعته، وغمرته الفرحة . ها هي ذي رياحي قد هبّت، سأتزوج نجاح، وأسكنها في الشقّة. يضحك في سرّه.
حتما نحن مستعدّان للإجابة عن أيّ سؤال، مهما كان، وعن أيّ شيء كان.
كان قد تخلّى عن تبرّمه الذي بينهما عقد لا ينصرم في تلك اللحظات.
بينما المذيعة تشرح لهما طبيعة اللقاء، وطريقة طرح الأسئلة بالتفصيل ، وكيف يجب أن يتفاعلوا مع الأسئلة المطروحة فجأة جمدا كصنمين، وكأنّ دلوا من الماء المجمّد انصبّ عليهما.
سيعلمون بخيانته لجليلة ، إنه هو من سرق من والدها ذلك المبلغ الذي اتّهم فيه أخاها، حتى أنّ المبلغ سُرق منه، ولم يستطع أن يبوح لأحد، .وقد شهد زورا في المحكمة لقاء المال. وأنّه يتمنّى زوال هذه السلطة.
بدا أبو علي مكروبا وكأنّه تلقّى للتوّ حكما بالإعدام .
أما جليلة فقد أصفرّ وجهها وهي شاردة .
لن تسمح لهذه الآلة أن تحطّم سنوات الكتمان في لحظات. إنّها تفتقد جرأة البوح فكلما رتّبت حياتها أتت عاصفة وبعثرتها.
عن محاولة تغيره لم تعد تمون على نفسها ، سقطت دمعة عنيدة أبت البقاء.
لا عجب أنّنا نتحمّل العذاب، فمنذ الصغر والأمّهات يقمّطن أطفالهنّ كالمومياء بأربطة وأحزمة مشدودة حتى يجهزنهم لتحمّل قسوة الحياة.
سيعلم أنّها هي التي أعادت المال الذي سرقه من أهلها، وما كانت لتجرؤ على مواجهته، لأنّه جاهز كلّ حين أن يمطر شتائم وصفع وبصاق، لأنّها لا تستطيع الإبحار على اليابسة حتى إنّها لا تتجرّأ أن تشتكي من مرض أو وجع ينالها لأنّه يسمّم روحها بقوله : اذهبي إلى من أعطيته كليتكِ يا معطوبة.
قلت لك ألف مرة: اطلبي منه ثمنها. وهذا ما يجعله يكسرها عند أيّ هفوة، ولا يعيد سبكها.
لسانه سوط يطال جسدها مع كلّ حرف يشتم به أهلها ، ستعلم صغيرتها أنّ أمّها نادمة على ولادتها من رجل لا يشبه الآباء.
فلتشبع منه نجاح، يعتقدون أنّني عمياء، كأنّي لا أعلم من أين يأتي فجرا .
جليلة لا تنتمي إلى عالمه ولا إلى بيئته ، فهي تبدو كسائحة من كوكب آخر.
هي من منحت الحياة لأخيها دون مقابل . ملامحها تصرخ بالبراءة.
إذا ما رأيكما؟ هل نبدأ البرنامج ؟
بصوت واحد لم يتوحدا يوما ، أجابا : لا.. لا..
هبط رفضهما على المذيعة كالصاعقة، هبّت واقفة وتشنّجت وزمّت شفتها مستنكرة.
كيف يرفض الجائع وليمة فخمة؟ وكيف يرفض منزلا من يسكن كوخا؟
حقا إنكم مخبولون ومجانين لمجرد أن الميكرفون مجهّز بجهاز يقرأ أفكار المتحدّث، ومن وحي تلك الأفكار يتمّ طرح الأسئلة. إنّه شيء بسيط جدّا وتافه مقابل أن تربحا شقّة جاهزة!
ألحقت المذيعة بالبرق ،الرعد حين توجّهت مباشرة إلى نجاح التي بدت بكامل الجاهزية لإجراء اللقاء..