رحلة العودة إلى Dêrik( مالكية)


2 قراءة دقيقة


رحلة العودة 1 إلى  Dêrik (مالكية)

الجمعة 13 آب( أغسطس)2021

ننتظر الساعة الثامنة مساء لتقلنا سيارة الصديق عبد الكريم الى مدينة دهوك( لم اتحرّ سبب هذه التسمية) لكن وجود أقرباء لي هناك فرض المرور بهم ، و البقاء اياما في ضيافتهم، قبل شد الرحال الى مدينتي " Dêrik" .هذه المدينة الصغيرة التي جمعت بين طابع ريفي و نظام مدينة لم تحظ باهتمام تستحقه لما فيها من خصائص ، لو نالت اهتماما ربما كانت اجمل مدينة في الجزيرة ، و ربما في غيرها ايضا.و أذكّر ببحث نشرته في حلقات بعنوان " ديرك  مدينة في منقار البطة" يمكن التقاطه في موقعي ( عنوانه في منشور ثابت في اول صفحة الفيسبوك) او في غوغل.! اقمت في هولير  - قَدِمتُ إليها يوم الأربعاء 26 أيار 2021- . لفتني منظرها، و منظر مدن اخرى ، و واقع تضريسي يحيط بها ، و طرق معبدة مَررتُ بها ، و امان و راحة شعرت بهما. فيها...!لكنني لاحظت أشياء لم ترُق لي ربما لها ظروفها.فالحرارة فيها تبدو ذات رطوبة ثقيلة.  و على الرغم من توفر الكهرباء باستمرار ( ما عدا دقائق التبادل بين الكهرباء النظامية و المولدات) او ظروف اعطال طارئة -كانت قليلة جدا كما لاحظتها- . قيل : من خطط معالجة ذلك، زراعة حزام نباتي حولها بعرض مناسب ، و قد يكون اجراء مفيدا . لكن الا ينطوي على احتمال  اخطار ايضا في المستقبل ، فقد كثرت حرائق الغابات ، كما يمكنها ان تكون مخبأ لمخربين أو  ...!و في شوارعها مجار سطحية للصرف لها منظر غير محبّذ ، و أحيانا رائحة مزعجة ، و هناك معاناة نقص الماء في اماكن ، ففي منطقة بقيت فيها شهرا في ضيافة احد اولادي ،  كانت تعبئة الخزان تكلف ما بين 20 000 - 30 000  دينار ، لا تكفي لايام - ليكن اسبوعا- طبعا كان الماء النظامي قد يتوفر أحيانا، غالبا ما بعد الثانية عشرة. و كان عليهم انتظار ساعات أحيانا لتشغيل الدينامو. و هذه ظواهر ترهق السكان.لا ادري ما هي الظروف و لا  الخطط لمعالجتها، لكن المعالجة تبقى مسؤولية الحكومة و كإجراء مستعجل: لماذا لا تستحدث هيئة خاصة لمعالجة المشكلة . فالماء ليس قضية سهلة،"الماء هو الحياة". و قد يكون اشراف الحكومة على تنظيم عمل الصهاريج و الاتفاق على سعر مناسب للطرفين ، و...الخ . قد يكون احد محاولات تقليل المعاناة.بالمقابل فإن  توعية المواطن لترشيد استخدامات الخدمات كالكهرباء و الماء  احد الوسائل . لكن برنامج الترشيد ينبغي ان يدرس جيدا و يفرز له مختصون  أكفاء.لئلا يتحول الى مجرد اعلانات دعائية للتصوير التلفزيوني فحسب.!على صعيد عمراني هولير تسابق الزمن و تنافس مدنا مشهورة ذات طابع عالمي ، كثيرا ما يشير بعضهم الى منافسة "دُبَيْ".ما لفت انتباهي فعلا أن المدينة في اكثرها ذات طابق واحد ما عدا ابراج في اماكن معينة توفرت فيها ظروف ملائمة . و نطرح سؤالا : هل النهضة العمرانية توازيها عمارة النفوس( بناء الانسان). نأمل ذلك و نرجوه أيضا.الحركة التعليمية تبدو نشيطة ، فهل تحقق نتائجها؟قبل عقدين ، سأل مسؤول أمني (حسان) شخصا زار كوردستان(البير) هذا السؤال. فأجاب : يفوق  النشاط هناك ما لدينا(سوريا)  بحسب ما اخبرني ( عدنان) حينها. فعدد الجامعات اكبر مما لدينا رغم ان التجربة جديدة و الاقليم في بداية تحرره . أو شيئا بهذا المعنى.و لعل الاهم أمران:- تهيئة كوادر محلية لتولي ادارة الانشطة جميعا و التوجه نحو التصنيع الملائم لطبيعة الموارد .. .- قانون مدروس و تطبيق دقيق  ...يوفر الشعور بالعدالة بين المواطنين جميعا و تجاوز ظواهر اجتماعية لم تعد تلائم ثقافة العصر  و لا تسهم في التطور..بعض الدول العربية انموذجا.نَيْسَ نحن الآن ننتظر موعد السفر الى دهوك ،قيل لنا أن هناك تقارير طبية تُعتمد للسماح بالعبور ، في سيمالكا، و هي تقارير تنظم في دهوك ، و نُصحنا بحمل إحالة من اطباء معالجين في هولير.  فيما يخصني راجعت طبيب الاذنية ، و العينية و الهضمية و العصبية ،  فاعتمدنا على أحالة طبيب العصبية " حيّان الكيّال " تتضمن اشارة الى الحاجة لإجراء عملية في الفقرات. بناء على تشخيص يستند إلى تصوير رنين مغناطيسي.أما ما يخص زوجتي فقد اعتمدت على تقرير طبيب الكلية علما انها اجرت عملية جراحية في الركبة و راجعت طبيب الغدد و الهضمية ...الخ.بالمناسبة اتقدم بالشكر للاطباء الذين بذلوا ما بوسعهم سواء في علاجي او علاج ام العيال .!و ابنتنا معنا كمرافقة - و يبدو أن هذه هي لوائح المرور  -. تقترب الساعة  من التاسعة ، اتصل صديقنا معتذرا عن التأخير فقد شغل بضيوف و ظروف، و حضر. و كنا قد استكملنا تحضيراتنا. فمشينا في حوالب التاسعة بعد وداع احبابي( اولادي) و بعضهم عبر الهاتف. و لا يزال هناك متسع في الوقت  لاستكمال الوداع من خلال الهاتف..و حتى بعد الوصول الى الدار ان شاء الله.مبدئبا ارسل رسالة وداع لجميع الاهل والاقرباء والاصدقاء و.... تشتد نبضات الذكرى و الشوق الى Dêrik التي غبنا عنها اكثر من شهرين كانا يبدوان كزمن طويل.نعم هي  فيها معاناة من كهرباء  و ماء و أسعار لا تناسب دخول السكان، و حرارة يُشتكى منها. لكن الحرارة هناك- في تقديري- جافة ،اخف وطأة مما في هولير . في فسحة صغيرة امام الدار (حديقة)  نقضي اوقات المساء في جو ليلي الطف عادة، و فوق ذلك فإن نظام الحياة الاجتماعية يبدو في ديرك  اكثر قربا و حميمية ، فيعطي شعورا بالراحة- بالنسبة لي على الأقل-.فضلا عن ان موطن الذكريات " غير شكل".!


رحلة العودة 2إلى Dèrik (مالكية)

حوالي التاسعة من يوم الجمعة 13 آب

 - كما ذكرنا سابقا- كنا نتجه نحو دهوك. هذه المدينة التي بدت جميلة عندما دخلناها بعد الحادية عشرة ليلا، فلم اتبين معالمها كما هي على حقيقتها ، لكن الاضاءة فيها أتاحت لي رؤية الطريق و كثرة السيارات ، و الابنية الواضحة - لاسيما تلك التي بجانب الطريق-.شعرت بان المدينة ذات خصوصية ، فموقعها في منطقة جبلية تعطيها مشهدا متميزا. ابنية على مرتفعات و اخرى في الأودية ( حالة تضريسية لها ميزاتها) و خضرة بدت أكثر مما في هولير . كما أن نمط البناء بدا لي ذو بصمات هندسية تميل نحو الجمال .و على الرغم من ان الدار التي نزلتها كانت تحمل بصمات دور عرفتها في هولير، اهم ما فيها أن المطبخ ممر الى الدار .واذا كانت الحجة في هولير ان مساحة الارض- او عرضها على الارجح( 5 امتار)- فرض هذا النموذج ليكون المطبخ معرضا للشمس و التهوية ، فالأرض هنا كانت مختلفة و واسعة ، مع ذلك اتبع هذا النظام "الغريب" .حقيقة يظل هذا الامر هاجسا لي، فما الجدوى و الميزة أن يدخل المرء الى الدار عبر المطبخ مادام يمكنه فعل ذلك بطرق افضل. فضلا عن ان المونة و ادوات الطبخ و...معرضة لعدوى من مريض يمر عبره. و لا اظن ان مناظر ادوات المطبخ مما يسر العين ان تكون اول ما تشاهده من الدار.!السفر ليلا في اوله ،له ما يميزه. نكون يقظين ، و الاضاءة الكهربائية تكون في اوجها ، بالمناسبة ، هنا في كوردستان لاحظت استهلاكا ملفتا للاضاءة الكهربائية ، و دعاني الى الاعحاب بها - ليس من منظور ايجابي، بل من موقع الاستغراب-. و أتساءل: لماذا؟في الاسلام مفردتان هما : -" الإسراف" صرف مبالغ فيه، في المباح.-  " التَّبْذير"  اي الصرف في الحرام. فقال الله: " إنه لا يحب المسرفين". و في التبذير قال: " إن المُبذِّرين كانوا إخوان الشياطين".قد لا يهتم بعضهم لمعان لا تتلاءم مع رغباتهم أو رؤاهم،، فالنفس فيها استهواء ، و قد تقود أهواء نشاط الفكر أحيانا .  لا نعني اختلاف المعتقدات و القناعات...فذلك حق طبيعي لكل امرئ،  و هو مسؤول عن اختياره.كل انسان قد يضعف في لحظات ، لكن بعضهم قد يضعف باستمرار ، امام أهوائه و شهواته في كل اتجاه. هنا قد تكون خطورة خلّفتها تربية منحرفة ، سواء أكانت تربية من الأهل ، اواكتسبه من حالة المجتمع الثقافية(تربية عفوية)  أو من تربية ذاتية مرّ بها المرء .!فيما كنا نقطع شوارع هولير ، يقود السيارة صديق ماهر سبق الحديث عنه ( عبد الكريم أبو دلو) كان شعور يراودني و يجعلني أفكّر بتأمل ، ها أنذا أغادر مدينة هي محط أنظار الكورد جميعا ، فهي تمثل رمزية كوردية ذات عمق تاريخي يكاد يكون المدينة الاقدم في التاريخ، فقلعتها الشهيرة تؤكد هذا ، و ها هي تمثل هذه الرمزية حاضرا ،و تشرئِبّ أعناق الكورد نحو ما فيها من آمال حُبلى بمستقبلٍ ، طالما كانوا يحلمون به:"كوردستان الحلم".كوردستان التي ترد للكورد اعتبارا فَقدوهُ مُذْ فَقدوا استقلالهم و خصوصية اجتماعية تسمى في المصطلح السياسي : القومية/ الوطنية.صحيح ، المصطلحات السياسية ذات طبيعة متغيرة نتيجة تفاعلات عناصرها الداخلية ، و مُلامساتها لعوامل خارجية (موضوعية) لكنها تبقى في جوهرها ، و إن تجاهلها يبدو أنه يحمل غايات خاصة ، قد لا تكون لها صلة بها.مررنا بمعالم فيها ، لم اعرفها جيدا ،لكنها كانت تبدو ملفتة في صورة ما ، و كأنني كنت اودّعها بصمت .خرجنا من مدينة هولير ، و السيارة تقطع الطريق إلى دهوك ،  تتلألأ الانوار على طول الطريق و في المدن و القرى التي تتاح لأبصارنا مشاهدتها .يعطيها اختلاف التضاريس بُعدا يجعل الليل في مشهد أخاذ. نغّص عليّ المشهد نسبيا، تذكري  عدم تنفيذ رغبتي في زيارة دار المدى و أصدقاء لي فيها ، و لم أزُر الاستاذ فاروق حاج مصطفى (برجاف).على كل مضطرون ان نلعق جراحنا و ننظر الى الامام في مثل هذه الاحوال .كان المنظر  اجمل- كما بدا لي-  منظر إطلالتنا على مدينة دهوك من موقع مشرف قُبَيْل الدخول إليها. لقد  بدت لي مدينة كبيرة متطاولة على امتداد طريق يمرّ وسطها ،في ظروف تضريسية متنوعة ، أدهشني المشهد . قد يكون انطباعا شخصيا، أملاه مشهد الليل و الاضاءة ... و قد تكون حقيقة تُمثّل واقعها . انحدرنا على طريق ممهّد و أرتال سيارات معظمها يبدو خاصاكانت تقل كلما اوغلنا في المسير ، كان الشوارع كانت تبتلعها ، ظننتها تتجه الى مأواها. ظلنا نمشي وقتا بدا لنا طويلا نسبيا، و نحن نسير على طريق يقطع المدينة ، لنصل آخيرا إلى سيميل،ثم مسيريك، بلدة صغيرة حيث وجهتنا ، و وصلنا بعد ان اجتازت الساعة الثانية عشرة ، لنركن الى راحة إثر مشوار ثلاث ساعات تقريبا.أبى عبد الكريم الا ان يودعنا ليذهب الى مكان عمله ليرتاح ساعات قبل البدء بالعمل في الصباح التالي. أعانه الله، هذا الرجل العصامي الذي يمثل نموذج الانسان الحيوي و المبدع و الذي احتفظ بقيمه النبيلة ضد اغراءات مختلفة لاسيما المال. و له حكايات حول هذا،!


رحلة العودة  7/1إلى Derik ( مالكية)

الاربعاء 18 آب ( أوغسطس)2021 

اتصل ابن أختي مخبرا أنه سيخرج من هولير في الثانية ليلا ، و يفترض انه يكون في موقع سكننا( مسيريك) سيميل -دهوك حوالي الرابعة و النصف . في الرابعة أديت صلاة الصبح و ايقظت الاهل ، و خلال فترة قصيرة جهزت ابنتي التي كنا في ضيافتهم فطورا رائعا.و في الموعد تقريبا كان شيار امام البيت ، فحمّل اغراضنا ، و كنا في الخامسة نسير نحو سيمالكا( بيشابور، او فيشخابور) لا اعلم سبب التسمية على كل حال. كان الطريق ممهدا بالاسفلت ،سأل احد الركاب القادمين من المانيا : هل الطريق كله هكذا ، جاءه الجواب نعم . و الواقع، الطرق التي اجتزناها كانت كذلك ،في هولير و دهوك و بارزان و غيرها ،و هي ظاهرة ملفتة ، بل هناك انفاق مررت باثنين على الاقل في الطريق الى شقلاوة  أحدهما كان طويلا و الآخر كان قصيرا نسبيا.لكن كلاهما كان متقنا كما يبدو و قد قيل لي ان نفقا على طريق زاخو هو الاطول و الاكثر تجهيزا بمتطلبات العبور. و قد قصّرت هذه الانفاق الطريق الى المواقع المقصودة ربما ساعات.و في زيارة سابقة لGelyê Elî beg   و شلالات  Bêxal  و Gelyê Duhok  و سد دهوك و مرقد المرحوم بارزاني و نجله إدريس ( سبق الحديث عن تواضعه و نشرت صورته ايضا في تذكير  بمقارنة بينها و بين مراقد شخصيات متواضعة التاثير ،و بعضها قد لا يستحق ما يبدو من تفخيم في مرقده). كانت الطرقات  في مستوى ملحوظ من التعبيد،  تلتف كالثعبان خلال وديان و جبال ، حتى إنني شعرت بالاقياء بسبب اختلاف الضغط الجوي ،في بعضها ، و ارتباك في تأقلمي معه.  لا تزال ظلال تغطي سلسلة الجبال التي كنا نسير حذاءها أحيانا، و احيانا نظن اننا نتجه نحوها و قد نخترقها. تذكرت كلمة " رائع" و وجدتها اكثر تعبيرا عن كلمة عظيم في توصيف هذه الجبال( يبحث الدكتور عبد الكريم اليافي معنى الروعة في كتابه " دراسات فنية في الادب العربي" ) و ما اكثر ما اثارت الجبال -أثناء تأملها- من ايحاءات و تداعيات ....حول تكوُّنها . فمثلا كيف تشكلت ؟ و هل التفسير الذي نتداوله يمثل الحقيقة ام انه تخمين علمي (نظريات تبنى على  استنتاج) فضلا عن احاديث عن جبال منها ذات طبيعة اسطورية .في السادسة كنا في فيشخابور( بيشابور) ننتظر الساعة الثامنة لبدء الدوام في نقطة -قيل إنها تابعة لنظام الحكم في بغداد( و كانوا كوردا)-  سألوا اسئلة لها صلة بالوثائق. خلال فترة الانتظار شدّني فضول لمشاهدة القرية التي كانت بيوت فيها مبنية من حجر صغير أبيض،و مادة اظنها الجبس ( الجفصين) كانت جدرانها سميكة ،   و بدا أن الذي عمّرها كان ماهرا جدا. لكن المحزن انها كانت مهدّمة.  ما هي ظروف تهديمها ، لا ادري بالضبط هل نتيجة قصف جيش صدام أم كان هجرة ساكنيها بسبب حروبه ، و من ثم اهمالها. و قد طرق سمعي ان حكومة الاقليم اعادت بناء قرى او ساعدت في إعادة البناء لعودة اهلها اليها. و كانت دار من طابقين ، بدت خالية.  لاحظت شابا يدخل بيتا كبيرا نصف مهدم. بالقرب منها معلف حيوانات ،و أرضا فيها خراطيم سوداء يبدو أنها لسقي الزراعة فيها .لاحظت نبتة "شعفلان" و "عاقولة" او عاكولة ، في المكان( تستخدمان في الطب). الاهم- ربما- موقع القرية على مرتفع يبدو ارتفاعه قليلا من جهة الشرق(حيث الطريق)  لكنه عال جدا ، و منحدر  بالنسبة لوادي مجرى دجلة من جهة الغرب .هذا النهر الذي بدا  الماء قليلا فيه قياسا لما عرفنا عنه في سالف الايام (قبل عقود) و قبل ان تعتدي التكنولوجيا عليها ، زادها سوءا توظيفها في  مواقف سياسية  لاسيما من قبل الترك.!و مما لاحظت، علب ماء بلاستيكية و علب كوكاكولا و بقايا اطعمة مختلفة مرمية في منظر يبعث على الحزن، فضلا عن احتمالات امراض و اوبئة - لاسيّما في وجود الكورونا " كوفيد 19"-. ما وجدته باعثا على الحزن أكثر ان المسافرين ينتظرون تحت الشمس،  او في ظل ضئيل للسيارات  لا يُغني.! بين المسافرين،  شيوخ و نساء واطفال و مرضى و... الخ. راودني سؤال: تُرى الا يمكن تخصيص أرض في الجوار تُزرع فيها اشجار و تُفرش بالحشيش ، و تزود بمقاعد .... فتكون استراحة للمسافرين ؟ بل لماذا لا يُقدّم الدوام -ساعة مثلا- ( السابعة بدلا من الثامنة) فيتم توفير ساعة لانتظار  المسافرين  مثلا. !لا ادري ما هي ظروف حكومة مسؤولة عن هذا الواقع، لكنه يبقى تساؤلا و أملا في صورة ما. ما يبدو لي  ان السلطات في المنطقة (و الكوردية خاصة) تنشغل بموضوعات و مماحكات سياسية. و تنسى - أو تتجاهل-ما يجب عليها تجاه المواطنين.!نعم، كانت المعاملة اجمالا لطيفة ، لكن هذا لا يكفي، فينبغي تحسين شروط الانتظار و المرور... و تنظيم التعامل بطريقة توفر الراحة للموظفين العسكريين و المدنيين ، و للمسافرين معا كمبدأو كنهج يُعزّز باستمرار لنصل الى مرحلة ثقافة تحترم القوانين و القيم عموما.في كاراج السيارات حيث دائرة العلاقات و مخزن نقل امتعة المسافرين، لاحظت كثافة سيارات و راحة في العمل، لكن في ظروف لا تخلو من فوضى . و يُطرح سؤال: لماذا لا ترتب ارصفة لوقوف السيارات بانتظام يسهل على الجميع اداء مهامه.  هي افكار من وحي مشاهدات خاصة ، و اقتراحات، ويمكن ان تكون مفيدة.  لفت انتباهي ، أن  هذا الكم من السيارات و المسافرين .... لم يؤدّ إلى احتكاك سلبي او مشادات بين اي احد، و هذا سلوك محمود ، لكنه قد يتضمن -من جهة أخرى- اشارة سلبية تتلخص في اعتيادات  و ضعف ردود افعال ،و نوع من انكسار نفسي، مع الاقرار بان ثقافة الكورد  لا تزال محمّلة بكثير من قيم أخلاقية مرتكزها ديني  .!في مخزن الامتعة رفض المسؤول قبول امتعتنا باعتبار أن عدد القطع اكثر من المفترض، هنا يطرح سؤال نفسه : هل هناك معايير واضحة في تحديد المسموح حجما و عددا؟أم لمزاج المفتش أثره؟!عولجت المشكلة و ساتحدث عنها في الحلقة القادمة ان شاء ، و انتقلنا الى الطرف الثاني ثم السفر الى  ديرك و البيث الذي اشتقناه حوالي الثانية و النصف.!........،ملاحظة مهمة بالنسبة إليّ:إذا كنت أسرد المجريات من خلال الحامل ( الانا) فليست الغاية التوجيه نحوه دبل الذي يهمني سرد مشاهدات ارى فيها ما قد يثير اهتمام 


رحلة العودة7/2 إلى Dêrik( مالكية)

الأربعاء 18 آب ( أوغسطس)2021

 اضطررنا لاستئجار سيارة خاصة لنقل امتعتنا - بالتشارك مع سيدة- و كلف كلا منا مبلغ 30 000 ثلاثين الف دينار ( أظنه يقابل حوالي 60 000 ألف ليرة سورية). مع ذلك نرى ما يستوجب تقديرا ان أتيحت لنا فرصة نقلها بهذه الطريقة و لم تُفرض علينا اعادتها مثلا - و كان ذلك عسيرا -.كنا حِمْل باص نَقَلنا  الى سيمالكا ، و خلال فترة قصيرة تمت اجراءات الحصول على بطاقة عودة.   لنواجه مشكلة سير  مشوار ارهقنا(مشكلة في الظهر لدي ، و آثار عملية في الركبة لزوجتي)  إلى أن وصلنا إلى نقطة ركبنا السيارة التي كانت في استقبالنا ( و لم افهم هذه الخطوة) مع ان سيارات كانت  تذهب الى الساحة، لا ادري ظروفها.و انتظرنا في الكاراج ايضا فترة تعبنا فيها من الجلوس على مقاعد حديدية لا تناسب ظروف اوجاع الظهر و ما شابه . إلى أن جاءت السيارة تحمل أمتعنا .فحمّلناها السيارة وركبنا،لنتجه في شوق الى ديرك( مدينة ذكريات حياتي و التي احببتها أكثر من أي مدينة أخرى).كان الوقت في عزّ الظهيرة و الحرارة عالية ،  و كنا مرهقين من السفر ،فلم نستطع الاستمتاع بمنظر الطريق و القرى حولها .الفارق بين الطرق المعبدة في اقليم كوردستان  و الطريق هنا كبير ،كما ان البناء في كوردستان عموما - حيث سكنا او زرنا-كان اكثر فخامة ،على الرغم من اخطاء فنية في معظم ما شاهدنا من ابنية سكنية و اسلوب استخدام ما فيها من ادوات- فمثلا  سيراميك املس في الارضيات، يرشح للإنزلاق و للسقوط( ذكرت سابقا عما جرى معي ،لكن الله سلّم)  و في طبيعة البناء ، اشرنا اليها سابقا. من اهم مالفت انتباهي و استيائي ان بوابة الدخول الى الدار هي عبر المطبخ. و لاحظت  قلة الاهتمام  بمساحات الشبابيك او استخدامها ،و...الخ.( اعتدت أن أفتح الشبابيك صباحا ، صيفا و شتاء. هي عادة ،نعم.لكنها مستوحاة من توجيهات اطباء و علماء في اختصاص الصحة النفسية و الجسدية).مع ذلك شعرت بما بعث السرور و المتعة في نفسي ، فاحيانا للبساطة متعتها . و ما كدت اقف امام دارنا، حتى تشهدت ( اشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أنّ محمدا رسول الله)و شكرت الله.كلّ شيءٍ هُنا أليف بالنسبة إليّ، الدار و حديقتها و الشارع و ابنية فيها و سكانها، على الرغم من طوابق - بعضها لم يُوفّر شروط البناء المرتجاة ،فأثّر على جمال المدينة و أنفاسها النقية ، و خصائص البساطة التي كانت فيها ، و بالتالي ،انعكاس روحها  في طريقة عيش السكان فيها . فضلا عن تداعيات مختلفة للتوجه نحو البناء الطابقي الذي ارهق المدينة في روحها. في اقليم كوردستان لم تكن هذه الظاهرة فاشية. كان الامتداد الافقي هو الغالب ،  على الرغم من خطورة ذلك على المساحات الزراعية ،  فإنّ بحوثا و دراسات معمّقة قد تخرج بحلول منها مثلا :تصغير حجم الابنية بحسب حاجة العيش لا بحسب خيال تنافسي بين الاغنياء،  و فكر لا يراعي الواقعية في اسلوب السكن.!عموما ،  كان شعوري فيه  الكثير الكثير من الفرح ، عندما دخلت غرفتي ، وجالت عيناي فيها، و التقت تلك المكتبة التي رافقتني عقودا، و منظر الكتب في نوع من انتظام حينا و بعثرة حينا،  و الوان مختلفة لاغلفة الكتب ، و ما تركت من تداعيات... اعادتني إلى عالم خاص كنت اعيشه هنا ، و قد حُرِمْتُه هناك، !و كانت استلقاءة على السرير  و غفوة تلعب فيها الاحلام المتنوعة ،  تَبِعَتها- عند المساء- اطلالة على حديقة الدار، و سقاية ما فيها. كنت مشتاقا  الى مغازلة نبتاتها ، وورودها و أزهارها ، و ترطيب  جوها.!  دُهِشت عندما رأيت أزهارا بيضاء مفترشة شجيرة المرجان ، عندما تأملتها انتبهت إلى أنها أزهار شجيرة الياسمين التي غلب عليها ذبول نسبي جعلني أتوه عنها. و كانت لحظات ذكرى طيبة فقد اعتدت ان أخاطبها: " ياسمينو" او : "ياسمينتي" و لي معها لحظات استوحيت منها كلمات صغتها خواطر و منثورات و اشعارا  فاستعدت أيامي التي كان قلبي  فيها نابضا بشعور جميل رائع .!كثيرا ما نفتقد تلك اللحظات التي تنزلق إلى أن تكون ماضيا ، لكننا نعيشها في استعادة ذكراها ،!................و يلهم قلبي بنبض فيه، طيب الياسمينو عزف اغنية ، ألحانها تغريني و تناديني..ها أنذا ألملم ذاتيألبّي نداء منك يغويني تهدهدني نبراتهو في أطيافه آمال و أحلام ،  رسمتها في قلبيو انفاس خِلْتُها تلفحنيو عزف ليس يهدا ، من أنيني أحييكم جميعا من Dêrik(مالكية) 


رحلة العودة 3إلى Dêrik (مالكية)

السبت 17 آب ( أوغسطس)

دهوك -سيميل- (مسيريك) بعد ان اجتازت الساعة الثانية عشرة بقليل يوم أمس وصلنا ، اي أننا كنا هنا صباح يوم السبت الباكر حقيقة، و قد أوينا سريعا إلى الفراش ، فقد اتعبنا مسير حوالي ثلاث ساعات ، يبدو ان صديقنا عبد الكريم كان متقصّدا عدم السرعة لئلا  يُتعبنا، و لئلا  يجعلنا في فوّهة احتمالات قد تكون غير محمودة . يُشتكى من حوادث كثيرة في هذه الطرقات ،تودي بأرواح ابرياء  و منهم. من له دور في الحياة، الا يمكن لمن يقود سيارة ان يضع احتمالات غير محمودة قد يكون هو احد ضحاياها ( هنا ظاهرة ثقافية كوردية فيها خلل) فالمرء يفكر بنفسه فقط ، و ينسى ان الضحايا هي ازواج يخلفون أرامل، او العكس زوجات يخلفن ارامل. و آباء و أمهات. يخلفون أيتام ، او شباب على خطى الزواج من الجنسين ، او  أطفال ،و منهم من جاء متأخرا او قد لا يأتي بعدهم او ...فضلا عن مسؤولية المرء عن موت بشر لهم الحق في الحياة و قد يكونون في ظرف  يرشحهم ليكونوا مؤثرين على الحياة الاجتماعية ( و السياسية ) و الانتاجية و الابداعية ...( جميعا ذخيرة الشعب و الوطن. و الانسانية...).منذ الصغر كنت اسمع ان المتسبب في قتل اطفال يحاسب بعقوبة اكبر باعتبار ان الطفولة تنطوي على احتمالات مفتوحة .فقد يصبح الطفل عالما او سياسيا او اديبا او مبدعا ...الخ. اما الكبار فقد يكون تحدد مسار حياتهم .! كان عبد الكريم متعبا أصلا، مع ذلك فقد وَفى بالتزامه معنا ، دون ان نعلم خطوته هذه ، كان من الممكن معالجتها بتأجيل او غيره. لكن الرجل(أيّ رجل) عندما يَعِد يجب عليه أن يفي به .يقول شاعر: إيّاك إيّاك أن تسخو بوعد ...ليس عزمُك أنْ تفي به. و ما عرفته في  عبد الكريم هذا خصال الوفاء و الالتزام بالوعد قدر المستطاع( اي اتجاهه الالتزام).قضينا الوقت بين نوم و يقظة إلى أن تناولنا الغداء. ثم نمنا لفترة قصيرة. قبيل صلا ة المغرب قيل لنا : ما رأيكم في الجلوس في الخارج ؟.فوجئت بهذا القول ، فعلى مدى حوالي ثلاثة اشهر لم نجد في هولير مثل هذا .لقد قضينا الوقت في معظمه داخل جدران غرف . في منطقة "هفالان"، كانت دار ابني ريزان المستأجرة ،  تُطل على حديقة بعد الشارع مباشرة ،فيها اشجار سرو لم نلحظ  اهتماما بها ظاهرة لفتت انتباهي في اكثر من مكان. حديقة داخل حارات ، تتكون من مساحات جيدة و مزروعة ببعض الاشجار و مهملة.  لماذا لا تنال العناية ؟، لا ادري .!مع أنّ العناية بها ستلطف حرارة الجو نسبيا، و تتيح لسكان الحارات ان يجلسوا فيها ريثما يحين موعد النوم، هل هناك سبب مشروع ؟ لست أدري.!على كل حال،  كنا نخرج ليلا حوالي العاشرة ، فنتمشى بجانبها حوالي نصف الساعة او اكثر بحسب قدراتنا،  فقد كنت أعاني من مشكلة في ظهري و لا تزال آثار عملية جراحية في ركبتها .  عندما كنا نتعب، نجلس قليلا على دَرج مدخل المنزل ، بدا لي كان هذا يثير استغراب مارين لم يألفوا هذا.!أما هنا" مسيريك" و كأنني فهمت ان كثيرا من سكانها كواجر(بدو الكورد) فعندما  قيل، في الخارج كراسي و مَدّ على الارض، خرجتُ متلهّفا لأجد ما سرّني: سطح غرفة أمام الطابق الثاني للمنزل، مفتوح على الفضاء من ثلاث جهات ، تنسّمت هواء لطيفا منذ اول خطوة، و هو سطح قابل للتحضير ليصبح اكثر كفاءة لقضاء وقت ممتع فوقه. و يبدو أن مناخ المنطقة هنا  الطف من مناخ هولير من حيث قوة الحرارة .في زيارة مدينة  "اوزال ستي" - حيث أقرباء - كانت توجد مساحات للجلوس خارج المنزل. لكن في هولير  كانت مساحات في بعض البيوت التي زرناها ( بيت ابن أخي و ابن اختي ) غير مؤهلة ،ربما لظروف تتعلق بالعادات  كما قدّرت، لذا فلم ترتب لذلك .الرّيف اكثر لطفا بأبنائه، حتى إن كانوا فقراء ماليا ،فالطبيعة تحتضنهم بشمسها و هوائها و ربما خضرتها و مائها أحيانا.!تذكرت قول البدوية  القائلة :لنا قبلة الشمس عند البزوغ == و للحضر القبلة الثانيهو نحن الرياحين ملء الفضاء== و هنّ الرياحين في الآنيهنَيْسَجلست مفترشا بساطا ، مُتّكِئا على وسائد اعتدت الاتكاء عليها ( أحيانا يعلق اصدقاء لي على ذلك)جالت عيني في سماء افتقدت زرقته منذ اشهر ، و لاحظت لأول مرة، القمر يقترب ليكون بدرا ،  و نجوما تتلألأ في كبد السماء.!كم هناك من نِعَم في الطبيعة لا ننتبه اليها إلا قليلا.!غلبتنا التكنولوجيا فحوّلتنا الى اتباع، و ربما عبيد لها.!مع ان هولير ليست مدينة تكثر فيها الطوابق ، و النظر إلى السماء متاح فيها لكن صخب السيارات و رغبة السرعة في قضاء الحاجات،و... تحت ضغط الحرارة ، لا يوفر للمرء فرصة الاستمتاع بمشهد السماء ، الا في الحدائق العامة .!و الحدائق العامة في هولير جميلة و منعشة و كبيرة . 


رحلة العودة 4إلى Dêrik ( مالكية)

الأحد 15 آب ( أوغسطس)2021

في مسيريك ،قضيت ليلة طيبة ، و نوما هانئا فوق سطح خارجي، استمتع بهواء طبيعي لطيف لم انم مثله منذ اكثر من شهور . و بعد الصلاة شعرت بالحاجة إلى تغطية خصري خشية البرد- و هي عادة اتبعها منذ طفولتي ، بتوصية من المرحوم الوالد ، و لا ازال أتبعها-.في التاسعة اتجهنا نحو مستشفى دهوك الرسمي ، لتوثيق إحالات طبية( تقارير ) لي و لام العيال، فقد قيل: لا يسمح بالعبور في سيمالكا بدونها .هنا أعرض ما جرى لعل غيرنا يستفيد مما حصل معنا، لم تقبل جهات طبية هذه التقارير لانها غير مترافقة مع صور و تحاليل ، فأقنعنا أحدهم بالوضع الميداني، لكن الحالة الاخرى لم تقبل الا اذا صوّرت طبقي محوري، و هذا استهلك منا وقتا و تعبا .و اخيرا تم التصوير و اقرار ما فيه و هو موافق للتقرير من هولير.هنا أتساءل- يحدث هذا في ظروف مختلفة هنا و لدينا ايضا-،لو انّ الثقة كانت اساسا في التعامل في هذه الحالة ،أليس افضل و اوفر وقتا و جهدا و احيانا تكلفة...على المواطن و الدولة ايضا؟فإذا اشتبه بمن يزوّر ، اولى بإحالته الى المحكمة .!الطبيب لدى الدولة معتمد قانونيا، لكن هل ضروري ان يكون اشد مصداقية أخلاقيا ممن يعمل حرا؟!.نَيْسَقضينا حوالي ثلاث ساعات إلى أن انتهينا ، من حسن الحظ كان معنا صهري ( مهندس) تولى متابعة الاوراق، و لولاه ربما أخفقنا في انهائها.!و توارد الى خاطري التالي:شيوخ و عجائز و ربما مرضى و غرباء...الخ. يضطرون لمراجعة دوائر مختلفة، اذا كان معهم من يتولى متابعة أوراقهم " نص مصيبة" فان لم يكن معهم مرافقة، او ان ظروفهم كانت صعبة. فماذا بشأنهم ( ملاحظة عامة في كل زمان و مكان).!ماذا لو ان التوظيف تطلب تربية و تأهيلا و ثقافة ...  تجعل  الموظّف يميل إلى مساعدة الجميع ، و تسهيل شؤونهم ، مادامت الاجراءات قانونية ( او تمرير حالات لها خصوصيتها ويمكن تمريرها دون الاستهانة بالقوانين). بل لماذا لا تكلّف لجان تشريع ، تراجع القوانين التي قد يكون فيها ما يستوجب تعديلا ، لتسهيل شؤون المراجعين - مواطنين و غير مواطنين .!-.قد تبدو افكارا ذات طبيعة " مثالية" بحسب توصيف من يرى نفسه ذا نمط فكري " واقعي". و هذا ممكن . لكن النجاح يأتي عادة بعد اطروحات فكرية و تجريبها عمليا للكشف عن  " مثاليتها" أو " واقعيتها".!لقد ورثنا ثقافة ذات طبيعة ايديولوجية  تحكم على الافكار في نوع من مزاجية، او انسياق روتيني إلى نظريات مُنظرين لم تثبت امام التجربة ، و منها نظريات  وُصفت ب" علمية " أَسرت عقولا ، و ثقافات ازمانا .!قد يَخلط بعضهم - هنا- بين قضايا دينية ، و افكار اجتماعية تطبيقية كالتي اشرنا اليها.الدين معتقد يجمع بين "النقل" و "العقل" ، و يعزّز دورَ العقلِ، نَقلٌ موثوق بالتواتر (جمع ثقاة عن جمع ثقاة) مع ذلك لا يُلزم أحدا خارج إرادة المرء - أفرادا و جماعات-." فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر" و كل يتحمل مسؤولية اختياره.!فإن قيل : استُغِل الدين ،قلنا نعم ، كما استُغِل غيره من أطروحات تحت عناوين " قومية" أو " وطنية" او " أممية" أو ...الخ.قضية الاستغلال مرتبطة بالوعي و درجة تحققه في ثقافة الفرد ، و حالة تربوية  في ثقافة المجتمع.و من عناصر تكوين الوعي: المعرفة و العلم( المعرفة المنظمة و المقوننة) و مناخ حرية مدروسة و مقوننة...الخ. ربما الاهم ، النجاح في ادارة ثقافية سياسية لها مرتكزات تُجنّب الاستغلال على نطاق واسع . قد لا يمكن القضاء النهائي على ظاهرة الاستغلال ، لصلتها بتركيبة نفسية و تربويةفي مستوى و ظروف معينة.!شَغَلني الحديثُ عن ما شاهدت و أعجبني في هيكلية المستشفى الحكومي في دهوك. لقد بدا لي كبيرا و فيه تنسيق بين  الأجنحة، و سهولة البحث عنها بطريقة ملفتة ، فضلا عن مقاعد في كل جناح لجلوس منتظرين ، و في كل جناح لاحظت ساعة معلقة لمعرفة الوقت .و الأشد اثارة للاهتمام ان البناء  ممتد أفقيا، و فيه مناور  بين اجزاء لتمرير اشعة  الشمس و الهواء ، و هي مزروعة ، و فيها نوافير - على الاقل ما شاهدته- احدها كان شلال ماء يتدفق من جذع شجرة بطريقة فنية، نظرت من خلال احدى هذه المناور قدّرت العلو الطابقي بحوالي ثلاثة فقط .يسهّل هذا السير على الناس ، لا اعلم اذا كان مزوّدا بأسانسيرات ام لا .و الجميل ان هناك مشافي و مباني للخدمات الصحية ملاصقة له. و قد بدا لي انها جميعا اخذت مساحة كبيرة ،إلى جانب مبنى الادارة العامة للخدمات الصحية.!مزّ في خاطري. سؤال يراودني دوما:  ما يجري من اهتمام بالابنية و الطرقات و الحدائق و..(البنية التحتية)- يبدو ملفتا-، فهل يوازي هذا الاهتمامَ،  اهتمامٌ بالانسان و تثقيفه و تربيته و وعيه و تقديره ... أيضا؟هذا ما نأمله و نرجوه في كل كوردستان و  العالم.!ففي الحصيلة: الانسان محور في هذه الدنيا. 



رحلة العودة 5 إلى Dêrik ( مالكية)

الاثنين 16 آب ( اوغسطس) 2021

اقترح الاستاذ حميد زيارة السد  و حديقة الحيوانات في دهوك. طلب سيارة ، على ان يلتحق بنا بعد تصديق التقارير الطبية في نقابة الاطباء ، و كانت الساعة. الرابعة عصرا موعد انطلاقنا .زادت دهشتي لجمال دهوك عندما وصلنا Geliyê Dihokè في الطريق إلى السد الذي كان يختزن بحيرة واسعة من الماء ،ثم عدنا إلى  Gelì (واد عميق بين جبلين) و قد رتب كمصيف يرتاده الناس.و يقضون فيه امسيات جميلة يتمتعون بالمناظر البديعة و الهواء اللطيف و اطعمة مناسبة لتلك الاجواء .هنا راودني خاطر :قسمت المنطقة إلى قسمين: احدهما مهيأ للميسورين ، و جهز بكراسي و كنبايات مرتبة و مريحة و خدمات واضحة و ملموسة .الثاني  يرتاده المواطنون مجانا ، يصطحبون معهم ما يحتاجونه .من حيث المشهد متقاربان نسبيا  ، لكن النظافة والترتيب تابع لحالة اقتصادية.و على الرغم من ان هذا يبدو منطقيا ، الا انه لا يمنع زيادة الاهتمام بالقسم الشعبي لجهة النظافة و سقاية العشب و الشجر فيه .فاذا كان القسم الارقى مُعزّز بدعم نقدي ( وارد) يوفر الامكانية للعناية و الاهتمام به، فإن الدولة تبقى مسؤولة عن العناية و الاهتمام بكل ما يخص المواطن عموما ( و العامة خصوصا). خمّنت أن عدم تحسين القسم الشعبي قد يكون بتأثير من القسم الارستقراطي - اذا صح التوصيف-،لئلا ينافسه .طبعا كانت خدمات الطرقات تبدو عالية حيثما مررنا بها و التقطتها اعيننا ، و هذا جميل .و عدنا لنلقي نظرة على حديقة الحيوانات  (Bexçè gornebaşa) كانت مساحتها كبيرة و منظمة بطريقة فنية - كما بدا لي-. و فيها مساحات لاستراحة المواطنين و كراسي و طاولات و محلات فيها ما يحتاجه الراغبون .ما خلّف اثرا في نفسي ما تخيّلته من بؤس الحيوانات و هي أسيرة ، لاسيما الاسود و النمور - انواع متعددة-  و هي في حالة تُشعر بنوع من ذُلّ  لا يتناسب مع عنفوانها . و تذكّرت ان فكرة حديقة الحيوانات غربية (أسر الحيوانات) و هي فكرة ،لا ادري إلى اي درجة تعتبر مشروعة أخلاقيا، لاسيما لدى تلك التي ذات ثقافة تتباهى بالرفق بالحيوان في حوادث فردية غالبا.!كل شيء بدا منظّما لكنني شعرت ان الاهتمام ينبغي ان يكون اكثر . لا استطيع التحديد تماما لكنه انطباع بدا لي كذلك.!تساءلت: هل حدائق الحيوانات حاجة  أم لغاية اقتصادية ، ام ابرازا لعنفوان الانسان...؟ ففي فرنسا مثلا هناك متحف جماجم من بينها جمجة " سليمان الحلبي" الكوردي من ابناء عفرين ، و كان يدرس في الازهر ، فقتل القائد الفرنسي " كليبر" الذي خلفه نابليون و توجه الى فرنسا للسيطرة على الاضطرابات هناك.لقد قتل سليمان على خازوق بحسب ما علمنا( و هذا النوع من التعذيب اثناء القتل  ايضا نزوع شرير في الانسان). اكثر هذه السلوكيات الشريرة مصدرها الغرب ، مع ذلك يتباهى بانسانيته ، متجاهلا التاريخ و ما حصل فيه. لا ننكر طبعا مواطن تقدم فيها ( كل شي وحده).لسنا ضد اي شعب في العالم طبعا ، و انما نذكّر بسلوكيات لا ينبغي نسيانها و تجاهلها في تاريخ البشرية ، للاتعاظ بها ، و أخذ العبرة منها، و العمل على تغيير مسار الثقافة البشرية نحو ما يعزز الاخلاق و قيمها .!على الاقل في تصوّر منظومة ثقافية مرتكزها الإهتمام بالإنسان.!