دروس نستخلص منها العبر ....5


1 قراءة دقيقة

شعور بعضهم بالوصاية(وهو غرور نابع من جهالة مركبة غالبا) بلغ حدّ فرْضِ ما يجول بخاطره -او يمثّل ثقافته- على سلوك الناس، داخل بيوتهم

_____________________

محمد قاسم

• ذكريات_٢٣ مايو ٢٠١٦ (ذكرى) 
كنت قد درست جزءا من الصف الثالث الابتدائي عندما طالبنا معلم بنصف ليرة ليرسل برقية الى "الزعيم" عبد الناصر. لكن لم تكن نصف الليرة هذه متوفرة. فالوالد –رحمه الله – كان قد خرج مع أخوالي الى بعض اقربائه ومعارفه لتوفير بعض العلف للحيوانات والذي فقد بسبب تراكم الثلوج تلك السنة أياما طويلة اضطر الناس معها الى سحب القش من بعض الأكواخ لإطعام حيواناتهم. وارتفع سعر كيس التبن -الأرخص شيئا-، قبل تلك الفترة، الى ليرة ذهبية (رشادي) المكونة من سبعة غرامات (او سبعة نصف) وقيمتها بالليرات تساوي حوالي ثمانية وعشرين ليرة سورية (تقل او تكثر).
تركنا المدرسة أخي وانا، وعندما عاد الوالد بعد حوالي خمسة عشر يوما كانت الفرصة انقضت لاستئناف الدراسة في المدرسة نفسها(رميلان الباشا) فانتقلت الى ديرك في العام التالي، حيث كان اخي الأكبر محمد حسين رحمه الله يدرس. لكن إدارة مدرسة (المأمون الريفية) حينها (مزيد منذر) قال: ان عمرك صغير ولا يسمح لك بدراسة الصف الثالث فاضطررت لدراسة الصف الثاني، في العام الدراسي 1959/1960 وكان معلمنا الأستاذ المصري (احمد نصار) أرجو له الخير أينما وكيفما كان-حيا ام ميتا-.
تعرفت على المرحوم (عبد العليم ملا حاجي) ذلك الشاب الذي لا تراه الا والضحكة مرسومة على شفتيه، تعبر عن طيبة قلب تسكنه. وقد وجدت ذلك فيه طيلة حياته. لم يكمل دراسته، فعمل في محل متواضع الإمكانيات كان لوحة صغيرة تعلق فوقه مكتوب عليها عبارة "بائع خردوات" وتجمع بين بيع المتاح من حاجات منزلية إضافة بعض البسة واحذية وغير ذلك، لم تكن هناك محلات ذات خصوصية في ديرك سوى محلات بيع الأقمشة (كِرْت-كما تعرف) نسبيا.
عبد العليم هذا كان يكبرني بأعوام لا أدري عدها، لكن ألفة نمت بيني وبينه وبقيت حتى توفاه الله شابا في مطلع العمر رحمه الله. لقد عرفته من خلال صداقته مع اخي المرحوم محمد حسين وكانت جذور العلاقة تمتد الى المعرفة بين والدينا، فقد كان المرحوم الوالد(ملا عبد الكريم) يحصل على حاجته من الكتب الدينية التي لم تكن تتوفر في ديرك الا لدى المرحوم (ملا حاجي) والد مرحوم عبد العليم. وهو كابنه دائم البشاشة وطيب القلب ومتواضع. وظللنا اصحابا الى ان توفاه الله وكان قد فقد بصره في السنوات الأخيرة من عمره.
لماذا هذه الذكريات؟
لا أدري بالضبط لكنني كنت جالسا في بلكونة الدار، نشطت ذكريات استدعت ذكرى عبد العليم، فتداعت ذكريات ذات صلة، ومنها ان المرحومة اختي زينب استأجرت داره وسكنتها فترة، وكانت المرحومة الوالدة تقيم عندها، لأنها كانت تمر بظروف صحية لتخفف عنها، وفي الجوار كانت دار سعيد الشيخ ارجو له العافية من حالة صحية لا يزال يعانيها. فكان زوجه حفظها الله تهتم بأمور أختي ووالدتي وتعينهما بما يحتاجانها دون معرفة مسبقة بها، بل هي مبادرة الجوار ومعدن أصيل يميز بعض الناس فينشرون الخير حيث كانوا.
ربما انتعشت الذاكرة لما حصل قبل أيام حيث كنت في زيارة مع العائلة للسيدة ربيعة ملا احمد التي تعاني بدورها من مشكلة صحية نرجو لها العافية والسلامة ... فالتقاني اخو المرحوم عبد العليم واسمه عبد السلام فسلم علي بحرار ة وهو يسال عن حالي... قائلا: لقد شعرت بغيابك عن البازار .فسألت بعضهم فقيل لي: انه يلازم الدار وقلما يخرج وكنت انوي مع اخي صديق ان نزورك للاطمئنان عليك. شكرته طبعا وسألت عن احوالهم جميعا واحوال أولاد عبد العليم فقال لي انهم بخير.
هذه العلاقة المشاعرية العفوية جعلتني أتذكر عبد العليم والظروف التي كنا فيها حينها نشعر بالمودة نابعة من العمق بلا تصنع ... لم اعد المسها إلا نادرا حتى كادت التحية تغيب بين الناس ، او انها تخرج باهتة من بين الشفاه .
واتساءل: ترى لماذا؟
فلا أجد السبب سوى في تسلل الثقافة السياسة المنحرفة الى حياة الناسـ ظ وزرع سمومها في كل قلب وروح ابتليت بها. (فالخلل الاجتماعي له علاج تقوم به منظومة القيم الثقافية الاجتماعية ذاتها).
اما السياسة فتعمق آثارها السيئة. فقلما تجد لها علاجا؛ وان وجد فيبقى سطحيا لا يلامس الأعماق.
رحم الله الجميع، ورحمنا... قضينا عقودا من حياتنا ولم يبق لنا سوى سنوات ربما... 
لكن الحسرة تعتصرنا على حياة الأجيال التي لم تعرف من الحياة الا الكراهية، والطمع، والنوايا المرتبكة ؛تجاه الذين يعيشون معهم؛ اهلا واقرباء وجيرانا وأصدقاء...الخ.
ويسعد اوقاتكم
..........
ذكرى كتبتها سابقا وجدتها ذات صلة بما أكتب تحت عنوان "شيء من ذكريات الطفولة " فأدرجتها .

________________

قال : ما اسمك ؟. اجاب : "ميخو" .
قال : ريخو ، ما اسم ابيك ؟. 
قال : وهل احسنت لفظ اسمي لتسأل عن اسم ابي ؟! -مثل كوردي .
بعضهم لا يميّز -كما يقال- أنفه من أذنيه-، ويتصدى للفلسفة والتاريخ وأعقد قضايا السياسة . فبدلا من ان يكون "جلبي " يصبح "جارلبي ".
ألا يمكن ان يقدّر المرء ذاته قليلا ،ويصمت عمّا لا يعلم ، فلا يتورّط في الانحطاط؟!

__________________

يتعاملون بمزاجية (وحال نفسية )مع قضايا السياسة "أعقد وأشق المهن "
بحسب الفيلسوف الألماني كانط، وهم يظنون انهم بمقام "تشرشل " او "روزفلت"
وليتهم فقط، تجنبوا الانحدار في التعبير..واثارة الفتن .!

___________________

شيء من ذكريات الطفولة (4):
بيئة المدينة (ديرك) كانت ذات طابع ريفي ، أشبه بقرية كبيرة، بيوتها كانت مبنية من لبن وطين وسقف خشبي -واحيانا من قش .مغطى بالطين في اكثرها. كانت البيوت الاسمنتية معدودة ، وكانت بناية آل نعمان في تقاطع الشاعر الآتي من قامشلي (الرئيسي) مع الشارع المتجه نحو الشرق (البلدية) يبدو ملفتا للقادم من خارج المدينة او الخارج منها . و في المقابل دار لأحدهم من آل إيليا على تقاطع شارع قامشلي مع زقاق (معمل أديب للمرطبات). ودور هنا وهناك. كما كانت دار المرحوم ملا احمد بافيي (امام الجامع بجانب البريد) من الاسمنت ...وبعض البيوت مبنية من الحجر الأسود لكن السقوف خشبية (دار حاج محو الملاصق للجامع نفسه...) وكان سوق ديرك يقتصر على الشارع المتجه نحو الزهيرية -وهو الشارع الأوسع والأطول الذي فيه أكثر المحلات التجارية -ربما اول مكتبة فيه كانت تعود لابراهيم بيطار -ان لم تخني الذاكرة-وكانت مكتبة قبلها في محل من اللبن والطين (حيث محل السيد علي ابو دجوار لبيع الجين ) او قريبا منه ،تعود لشخص حلبي من حلب -قيل عنه ما قيل - وكان يبيع بضاعته أرخص من غيره.
وكان موقع البريد الحالي ساحة فارغة ، اما البريد نفسه فكان في دار الملا احمد (او المرحوم حسين مراد) محل حلويات شفيق حاليا بتقديري .وبجانبه مفرزة الجمارك قبل أن تنتقل الى شارع البلدية . وعندما بنى المرحوم صالح محمد عيشي داره في تقاطع شارع قامشلي ، وشارع دار آل الحديدي (وكانت دارهم لا تزال من طين وخشب) كاانت دارا ملفتة ، باعها الى آل المرحوم "كنعان عكيد) الذي باعها الى مؤسسة مزارع الدولة ولا تزال تابعة للدولة .
من دوائر الدولة الشهيرة "دار السراي" التي عمرت في مطلع الخمسين من القرن الماضي ، ومدرستا "المامون الريفية " مقابل السراي - الذكور ، و"سكينة بنت الحسين " جنوبيها وبموازاتها (دوائر التربية الآن) للاناث، (للمرحلة الابتدائية). وفيما بعد عمرت مدرسة باسم ناظم الطبقجلي ثم اصبحت "خضر داوود" في الجهة الشرقية قرب سينما آل إيليا . هذه السينما التي كتب عنها الأستاذ هوزان ديرشوي . وقد حضرت فيها فيلما حوالي العام 1962 أثناء تقديم الامتحان (وكان مركزيا للصف السادس) . وقد استمتعت بالفيلم لكن شعوري كان مزيجا من شعور بان الفيلم واقع مع علمي بانه مجرد فيلم .لذا عندما كان يوجه أحدهم فوّهة بندقيته تجاهي كنت اضطرب واحاول ان اخرج عن مداها .وكان بطل الفيلم اسمه "كيماني " عبد أسود يمارس البطولة للتحرر .
وفي مكان الدوار الذي كان يضم تمثال الرئيس والآن سميت باسم شهداء كانت دكاكين تابعة للبلدية وفي الشرق والجنوب منها مجموعة براكيات مصنوعة من خشب ملفوف بالتنك. وفي الشمال منها مجموعة دكاكين منها دكاكين تعود الى ميخائيل بيطار وقد عمرها الى مكاتب فوق، ودكاكين تحت . امام تلك الدكاكين كان يجلس بعضهم -منهم المرحوم ملا محمدي حمدية - امام تنكة فوقها وعاء لبيع البذر المسلوق (الجبس خاصة) -في البدء كان البيع بكأس عادي ، ثم صنعت كأس خشبية لذلك .وعلى ذكر ملا محمد -رحمه الله -كان ذا صوت نقي وشجي في أداء الأذان . بينما المؤذن في الجامع الآخر (بجانب المطحنة ومعمل الجليد) على طريق عنديور (عين ديوار). والذي كان مبنيا من الحجر الأسود وسقف خشبي ...كان المؤذن المرحوم ~"صوفي عزير" وكان أعمى . 
وعلى الشرق من هذه الدكاكين كان دكان حاج صالح "كولكي " وعديله حاج عثمان . وقد عرف بذلك لأنه عمل في براكية قبل الانتقال الى دكان لا يزال قائما وفيه صيدلية ابنه "انس " . وفي الشمال منه كان فرن ، ثم عمر الشيخ ميزر المدلول فرنا ىخر نفذه الأستاذ بدري ملا احمد وربما اشتراه فيما بعد...اما صف الدكاكسن مقابل ذلك فكانت مطاعم ومقاهي أتذكر : مقهى نازار ، مطعم آل ....ومقهى سغتيل ... وقد اصبحت مساحة كراجا للسيارات العاملة على الخط بين قامشلي وديرك (بوصطات ) كان الدلال فيها اسمه ديبو .
اما قيصرية محمد يعقوب فقد بنيت على مساحة كانت خالية تابعة للدولة فيها انقاض مخفر للشرطة ،مبني من اللبن وسقف خشبي -قيل ان الذي عمره كان "حسني الزعيم" وقد اشترى الأستاذ رضوان الأرض وتعهدها السيد محمد يعقوب لبناء المحلات والقيصرية (الحالية). وفي وقت متأخر بنى آل رضوان دارا من الاسمنت ،وقبله المرحوم احمد ملا ابراهيم بعد عودة المرحوم "سعد الله" من السعودية -وكان ذهب اليها مع المرحوم محمود كرو وكلاهما تعاملا مع الفن لكنهما لم يرتقيا ليكونا فنانين بالمعنى الدقيق بقدر ما مثلا رسامين مقلدين الى جانب ابراهيم حاجي ، على الرغم من ذائقة ولمسات فنية كانت مبشرة .. يبدو ان الحاجة او الرغبة في المال غلبت .بالمناسبة سمي والد محمود كرو بذلك لثقل في سمعه_ كان يعمل في خدمة السراي .رحم الله الموتى جميعا .!

____________

مشكلة منهجية في ثقافة كوردية سائدة ( مصدرها ثقافة سياسية حزبية أساسا) هي:
كلما طرح أحدهم قضية ،او مشكلة... ميٌعها آخر بطرح قضية أو مشكلة أخرى لتمييعها، او التخفيف من تأثير ما فيها ..!
الا يمكن طرح القضايا والمشكلات في سياقات خاصة بها ، والبحث فيها من خلال ذلك؟!
طبعا ممكن، وهو الصحيح،
لكن الأسلوب الذي غلب في الثقافة السياسية لدينا هو: 
اتباع أسلوب تشتيت طرح كل قضية ، بطرح آخر (أو استثمار مناسبة الطرح للتسلق عليها بطرح يدغدغ المشاعر).
فلا يكسب الطرح ، ولا يدع المطروح أن يأخذ مداه..!
( أسلوب تشتيت لا يخلو من غباء احيانا، ومن خبث أحيانا اخرى)
وفي الحالتين تشتيت يضر القضية ( الموضوع) .!