حول نص الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش "فكر بغيرك"


1 قراءة دقيقة

(مداخلة خاصة من الكاتب والناقد عبدالوهاب بيراني لبرنامج نص وحوار للاستاذة الكاتبة و الشاعرة اخلاص فرنسيس في حلقة حول نص الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش "فكر بغيرك").

للشعر العربي اتجاهات ومدارس و أنماط و مستويات عدة بحسب توجهها الانساني العام او المحلي الوطني القومي، ناهيك عن الشعر العاطفي الذي احتل مساحات كبيرة من الصوت الشعري العربي، ذاك الشعر الذي اتخذ المراة منصة او عامودا مركزيا لحمل خيمة الشعر منذ عهود البداوة و التي لم تنتهي شعريا، فما زالت القصائد تتوالى و كأننا على كتف واحة خضراء و غدير ماء عذب تتزود القبيلة منه بمياه الشرب و نكاد نلمح فاتنة جميلة تورد الماء و شاعر اضناه العشق فيعلن ظمئه و عطشه للجمال و لرقة المرأة و جمال عيناها، فيغرف الشعر كالماء مرتويا من عطش ألم به، و سمة اخرى ارتكبها الشعر العربي هو الحنين و الشوق للوطن، وصولا لحالة مقارعة المحتل لوطنه بسلاح الكلمة و الشعر، فوهب قوافيه للنضال و للوطن بشاعرية واضحة الغرض و التوجه ضمن رسالة شعرية مكررة منذ امرؤ القيس الى نزار قباني،
يأتي شعر محمود درويش في البدايات غنائيا موزونا، يملك روح الغنائية و التوهج، مما دعا الجماهير الى الالتفاف حوله و حول شعره، ففي قضايا الشعر هناك ما يسمى الشعر المحلي الذي يعالج قضايا محلية و نادرا ما تتوسع حلقة المهتمين به نحو العالمية، فهناك نصوص محلية تسجل اعلى ارقام الاعجاب و الالتفاف ضمن رقعة جغرافية او ضمن شريحة سكانية ما،
وكان الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش يعلن و في اكثر من مناسبة بأنه لم يكن راضيا عن اغلب ما كتبه في البدايات كونها عالجت قضايا محلية رغم شهرتها و تفاعل الجمهور معها، فليس دوما ما يألفه الجمهور يكون هو الشكل الفني الكامل للقصيدة، كان درويش يخشى القاءها في كثير من المناسبات كيلا تغطي على نصوصه الاخرى الاقوى فنيا و الاعمق فلسفيا، فالشعر يتكون مع تطوير الشاعر لأدواته الفنية و المعرفية، بقيت السمة التكرارية في نصوص درويش غالبة و في اكثر من نص، كنا انه لم يستطع ان يتخلص من سمة الغنائية في نصوصه، التي خشي من ان تصبح قيدا، امام تطوير قصيدته، التي طالما حاول ان يجدد فيها و يحطم جدرانها المحلية ازاء قصائده الكونية متجاوزا مرحلة فنية اسس بها لنفسه و لصوته الشعري مكانة مرموقة في تاريخ الشعر العربي او العالمي، ليبدأ تاريخا جديدا في كتابة الشعر مع "جداريته" فاصبح شاعرا يمتلك اسلوبا و شاعرية و لغة جديدة تجاوزت عصر البداوة و عصر المعلقات الجدارية، فسنوات درويش التي قضاها بباريس و بقبرص و تأثره الواضح بلغة الروائي الكردي سليم بركات الشعرية و الروائية هيمنت على روح قصائده و ساهمت في تطوير اسلوبه الفني متخلصا من غنائية الشعر الى نمط اخر اطلق عليه الغنائية المركبة، كما في نص "على هذه الارض" و نص "حاصر حصارك" و نص "فكر بغيرك" الذي هو موضوع القراءة هذه الليلة،...

ان نص فكر بغيرك نص جميل و مبدع و دونما شك، لا اعتقد ان هناك ثمة رمزية في النص، فالنص خطابي غنائي كوني لا محلي، قضية النص قضية إنسانية واسعة تتعدى حدود قطرية، و تجتازها نحو عالمية الكوكب و الانسانية و الشاعر رغم الروح الخطابية و استخدامه لفعل الامر (فكر... و بشكل مكرر) انه ليس امر الحاكم المستبد و انما امر الشاعر الانسان المرهف و لا اعتقد ان الدرويش يتخذ لنفسه سلطة ما ليأمر الناس، كما انه لا يمثل دور الاله، او الواعظ، فهو لا يرمي كلامه كموعظة في كنيسة، كما انه ليس شيخ تكية يأمر مريديه باتباع اوامره،.. جاءت رتم القصيدة فكر بغيرك مكررة و في كل فكرة و كل صورة حتى استحقت ان تكون العنوان للنص ككل، ففي كل فقرة يدعو الطرف الاقوى بالتفكير بالاخر الضعيف، و في نهاية النص يطلب من الضعيف و المقهور ان لا يستسلم، و يذكرنا بالمثل الإنجليزي، بدلا من ان تلعن الظلام اوقد شمعة... و هكذا يطلب درويش من المستضعفين في الارض و من المقهورين ان لا يقفوا مكتوفي الايدي و ان يتحركوا باتجاه ثوري و ايجابي لتحقيق إنسانية الإنسان،
بالمجمل و باختصار شديد فهو يدعو لمناصرة الجائع و الظمآن و اللاجىء المتشرد و المحتاج و الى التضحية و الإنسانية و الخير و الى الثورة و الانتقام... و يدعو الى اعمال الفكر في كل مفصل من مفاصل الحياة،.. استخدم الأسلوب التكراري الغنائي في خدمة فكرة النص، وهو من النصوص الهامة التي غيرت منهجية و طرق و رؤى الشعر، و اصبحت صبغة درويشية و نمط يعتمد البساطة و القوة و الجزالة معا،..
نص فرضت عليه كونيته و عالميته الابداع الانساني والفكري و باتت قصيدة انسانية و جديرة بالقراءة و الدراسة و لأجيال قادمة...