حوار مع الشاعرة السورية الفلسطينية هديل داود


6 قراءة دقيقة

عشقت رائحة الكتب والحبر ورسم الكلمات.. جذبتها الطبيعة الريفية في ريف دمشق فحملت حكايا الليل والسمر وألعاب الطفولة القماشية وخطوات صغيرة بين حقول القصب وارجوحة عيد وسواقي.. صور حملتها ذاكرتها من همسات الحقول وأثواب الشمس وخفقان القلوب.. رسمت صورها ونسجت أحلامها خلال امتطائها صهوة الحروف أثناء مطالعتها لكتب أدبية وتاريخية قديمة وحديثة أخذت منها ما صقلت به موهبة ربانية وكل الرؤى والأحلام والاخيلة والتصورات مما أغنى مفرداتها وأمسك يدها لتزخرف أيضآ كل ما تكتب على ورق.. أظهرت اهتمامها بالادب العربي والمطالعة وبدأت بكتابة بعض مشاعر الطفولة على شكل رسائل أخفتها في أماكن في البيت كوسيلة للتخاطب مع أفراد أسرتها لأنها كانت ترى انها تعبر عن داخلها اكثر من الكلام المباشر.. برزت في حصص التعبير ولاحظت معلماتها تميزها وجمال مفرداتها وصورها الشعرية المترابطة والنادرة في مثل سنها وبين اقرأنها وشاركنها في مسابقات أدبية وكانت تفوز بالمراكز الأولى دائما..

كانت متأملة صامتة وقليلة الكلام.. تهوى الرسم على الجدران ثم نقلت رسوماتها على ورق وخشب وقماش وزجاج وكانت لوحاتها تباع جميعها في معارض المدرسة

لم تتمكن من دراسة الفنون في الجامعة فدرست التربية وعلم النفس وكانت من المتفوقين دائما ترافقها الكتب الأدبية ودفاتر مذكراتها.. 

عملت في تعليم الأطفال فترة وعلى الرغم من حبها الشديد لهم إلا انها تركت مهنة التدريس لأنها وجدت انهامهنة شاقة ومرهقة للنفس والجسد وأخنقت روحها الكاتبة الشعرية وهي ما تجيده في الحياة..

فكتبت النصوص الشعرية والقصائد النثرية والقصص والأغاني والسيناريو ورواية واحدة بعنوان نارنج  لم تجد في هذا المجال شغف كما تجد في الشعر النثري..

لديها كتاب بعنوان (رحيل الذاكرة) وكتابي تحت النشر بعنوان (نوافذ معلقة) و(أرواح زنابق) وكتاب بالشعر المحكي بعنوان (كحل الروح) 

وتتشوق للكتابة بشكل مستمر.. والكتابة بالنسبة لها هي العالم الذي تشعر فيه بالحرية  والسعادة.. تبتعد خلالها عن كل ما يشوبها من واقع وحياة بروح بارومترية اكثر حساسية تستقريء لوحات الحياة والواقع والانسان وترسم آفاق للسعادة والخلاص.. دائمة الانحياز للجمال والقيم السامية والحب…

                        

عن هديل داود الطفلة. الإنسانة والشاعرة تقول

في بيت مليء بالكتب وتربية محافظة وصور حملتها من الريف وأمسيات قضتها في كنف جدتها الشاعرة من امها تجلس أمامها كل ليلة بشغف تنتظر شعرها المحكي  والتي تقوله دون ورق بل بصورة عفوية.. صورة قضبان وتفاحة حمراء لامعة وعين حزينة وجباه تعبق عنفوان.. والدها الأسير اكثر ما أثر في نفسيتها وخواطرها المتبادلة مع معلمها الأول أخيها الأكبر والذي كان يكتب لها الشعر  وكيف أثر رحيله فيها وانكسر قلبها بفراقه.. 

ورغم الانتكاسات ومراحل اليأس وقهر الواقع كانت الانسانة التي تحمل عواطفها القوية تجاه عالم رسمته بالحياة والانس والعطاء.. 


وعن بداياتها في نظم الشعر. تقول شاعرتنا

كنت اكتب كل ما بداخلي في دفاتر مذكرات ولا اقرؤها لاحد 

كنت انشغل باللغة داخل شعري المنثور الحر الغير مقيد وأرى وجهي داخل نصوصي فهي تشبهني كثيرآ واحاول حفره في داخلها وتفرد صوتي أثناء إلقائها في محرابي بطقوس خاصة منفردة برهافة عطر ومداراة وحشتي وصور ذاكرتي وهجران كل ما ياخذني من عالم الكتابة والسحر والجمال.. 

س. هل كتابات هديل داود ثابتة ذات لون وطابع واحد أم تتناول مختلف جوانب الحياة. 

تأثرت بالشعر المعاصر والشعر الحر. بدايات اشعاري كانت تتسم بالبساطة سواء بالأفكار ام بالمعاني وتصوير شعري تقليدي ثم اخذت طابع الرومانسية واخذ الحب حيزاًواضحاً وتجده أحياناً كثيرة مرتبطا ارتباطاًوثيقاً بالوطن والغربة 

أرى مفرداتي ذات دلالات مبهمة وكثيفة لأنني أفضل الإبتعاد عن اظهارها ومعانيها بطريقة سهلة مباشرة.. 


وايضا عن زخرفة حروفها حدثتنا الشاعرة هديل

الزخرفة ليست شكلية وإنما تخدم المعنى والأفكار والدلالات الرمزية التي أريد أن أرسخها في أذهان المخاطبين والجو النفسي الذي تعبر عنه القصيدة وتنقل إلى جمهوري مشاعري بالايقاع والموسيقى والوزن الشعري الذي اختاره وأسمعه في مخيلتي 

أما عن اهم مصادر ينابيع  وروافد انهارها الشعرية.. قالت

لدي مخزون كبير لاني أقبلت على المطالعة منذ سن صغيرة فقرات الكتب التاريخية والدينية  والشعر العربي القديم والحديث والروايات مما أغنى مفرداتي وما يعصف بي من عواطف قوية مرت وتمر تجاه طبيعة ووطن وحب وتاريخ وموت وحزن وفن معين كلها تساهم في تفكيك ربة الوحي والالهام فتتوغل بي وتحفزني لاشتعال قصيدتي التي تأتي كالقطعة الخام واقوم بصقلها وقدمها بعد تناولها للناس وبعض النصوص تأتيني في لحظة إشراق ملهمة


أم عن سؤالنا عن قصيدة النثر وهل حققت طموحاتها قالت

قصيدة النثر نوع أدبي مستقل وهو متداول في تراثنا العربي من العصر الجاهلي إلى العصر الحديث، وحاضراً دائماً عند المبدعين والنقاد واعتبر لوناً مستقلاً من الكتابة الجامعة بين الشعر والنثر ومارسه كتاب كثيرون مثل أمين، الريحاني، جبران، الرافعي وغيرهم…لانها تشترك مع الشعر في الصور والاخيلة والموسيقى والجمل المنسقة تنسيقاً شعرياً أخاذاً.. 

. سواء اعترف النقاد بقصيدة النثر ام لم يعترفوا بها فإنها موجودة على الساحة الأدبية. من هنا أسألك ما رأيك بقصيدة النثر. 

  

فأنا أراها وردة جورية أو ليلك.. تجمع بين النثر والشعر وهي انسان كامل تجمع الجنسين معاً.. كما تقول الاسطورة اليونانية.. 

وهي نص تهجيني مفتوح على الشعر والسرد .. تقوم خارج البحور وتكسر طوق الأوزان وقفص القوافي.. لبنية سمعية ايقاعية محددة.. 

اعتبرها كل الشعر.. تحمل القلق الإبداعي أكثر من الأصناف الأدبية الأخرى. خلق حر ورغبة في بناء لوحة خارج كل تحديد.. ايحاءات لا نهائية.. باستخدام لغة تخلق جواً للتعبير عن تجارب ومعاناة أواجهها كشاعرة.. موظفة صوري الشعرية الكثيفة والشفافة.. متحررة من قواعد موروثة من قصائد تقليدية وقيود نظام العروض في الشعر العربي.. وبايقاعي الداخلي المنفرد.. وصوري الشعرية المرابطة بينها وبين صور أخرى.. 

فقصيدة النثر نتاج تطور طبيعي لمكونات الثقافة وبنيتها وهويتها و أدواتها وآلياتها، تطور اختراق جدار الجمود والسكينة في الشعر العربي، وأحدث اهتزاز في ركود القصيدة الموروثة.. 

كالورد الجوري والليلك.. قصيدتي النثرية والتي بها أرى نفسي تمامآ.. أراها جنساً أدبياً مستقبلاً.. تحمل درجات شاعرية عالية وأساليب سردية عابرة الأنواع ومتفردة..


وعن كتابتها القصيدة. هل تأتي بطريقة سلسلة ام تتعارك وتتشابك الأفكار فيما بينها. قالت :

الكتابة رؤيا كونية جديدة، تبحث عن التوازن في الوجود لي على طريقة الحرية وهي الأجمل.. قصيدتي النثرية أعتبرها أجمل من الحب، غير مقيدة.. شعري متحرر من حدّي الوزن والقافية.. تزور أوراقي بصورتها لولادة جديدة متنوعة متغيرة أقدمها للقاريء بوحدة ايقاعية وجمل منسقة تنسيقاً أخاذاً وطابع خاص وموسيقى مرافقة تزخرف ايقاعها بغض النظر عما يطلق عليها من مسميات لدى بعض النقاد (شعر منثور، نثر شعري، مثيرة، قصيدة مضادة، نص إبداعي… الخ)... 


وعن سؤالنا لها هل الشعر هو حالة إبداعية تسيطر عليها ام هو شكل من أشكال التواصل الاجتماعي مع المتلقي. قالت :

الشعر هو صوتي الذي اتحدث به، ويفتح لي باب المرور إلى الآخرين، من كينونتي وآلامي ومعاناتي، وحتى نشوتي التي قد تتوحد مع آلام الآخرين ونشوتهم. 


وعن مصادر صور اشعارها ولغتها قالت :

انظر لأي كتاب يقع بين يدي كمصدر للإغناء اللغوي فحتى الكتب الدينية مثل التوراة والإنجيل والقرآن فأنا اقرؤها باستمرار وقد تلاحظ انني اتأثر بالجمال فيها وبجملها الرائعة والغنية وما بها من صور فذة..، وكذلك الروايات سواء قديمة ام حديثة والشعر العربي والأجنبي.. فأي  حالة او عاطفة  تخلق في داخلي شكلاً جديداً او صورة أخرجها للناس تحمل رسالة معينة 


وعن ديوانها / رحيل الذاكرة / حدثتنا

قد ترحل الذاكرة ويبقى ألم الفقد، تمر لحظات يقظة مع أشخاص او صور، موت او حياة، فرح او حزن،، لو التقينا بهم لحظة فقد نتقاطع الوقت معاً، فتمر أمامنا ومضات ، تذكرنا بالحاجة للحب والحرية ومعانقة الشمس وكرامة الأرض، وانعكاس حياة، تداخل ازمان وأوقات، آخرون لا نراهم، كل ما هو غير مرئي في النفس، تتوحد الملامح في ملمح واحد يبقى مرسوماً عن كل الوجوه.. 

كتابي رحيل الذاكرة يحمل كل هذه الصور التي تتنفس بالحنين والشحن، والشجو والصبابة.. صور متقدة بالخيال الشاعري وثراء تشبيهات، وعاطفة صادقة جياشة.. 


وعن سؤالنا لها عندما تشرع بكتابة القصيدة هل تكونين بإزاء

العقل أم الإنفعال. ام اشياء أخرى. قالت 

القصيدة ليست مجرد كلام موزون على ورق، الكتابة تحرر من كل ما يعيق حركتي، وأنا أكتب أكون بمزاج آخر عالي ورفيع، تذهب بي الحواس إلى أبعد بعد، وتتجاوز مهامها الأولى، أرسم وأرى وأصوّر، وأضع أطر، وأدخل فيها أيضاً، أسمع أصواتها وتجذبني ألوانها، وأرى ببصيرتي وألمس وأشم رائحة المكان واتذوق مذاق التركيبة الفريدة.. 

طقوسي خاصة في الكتابة، انتقل خلالها، لجو آخر، استحضر عواطف قوية، وظروف، وحالات مرت غير معلنة، في لا وعي غامض ساحر.. 

كون جديد غير معترف بحواجز الزمن والمكان ويمتلك. لغة خاصة لا يزعجني تكسر علاقات مفرداتها، متناغمة معاً، ألبسها معان وددلالات أخرى تحتملها..


وختمت الشاعرة هديل داود الحوار بهذه القصيدة


                       أنا الموج 

أنا المَوْجُ 

حتّى البَحْر

وَنبْضٌ لكَ 

حتّى النّحْر

وَكلّ شالاتِ الوُجوهِ

في الغُيومِ..

في خَوابي 

الشّتاءِ والنّدى

...أنااا

وَسُكوتٌ مُرّ

لِكَلَمةٍ في الصّدْرْ

ذاتَ حَرْفينِ وَثلاثةْ

في أوّلِ كَسْرْ

وَدُهورٌ منْ جَمْرْ

وَوَهْمٌ لِصَباحِ,,وَقَمَرْ

كانَ لي ..وَباتَ الآنَ..

ذا خُطوطٍ حُمْرْ..

وَأناااا

أنا هُوَ الظّلّ 

الّذي هَرَبَ ..منْ جَسَدٍ

ذاتَ صَباحْ,,

وَسَكنَ دُهوراً

 يبْحثُ عنْ حَياةٍ

يكْتُبُ كِذْبَتَها 

منْ غِيابٍ وَنسْيانٍ

بإبْهامٍ مَجْبولٍ

مِنْ ثَلجٍ وَجَمْرْ

وَبِكُلّ قَهْرْ

وَنَبْضٍ كانَ لَهُمُ

يَصُبونَ في

 جَحيمِ عُزْلتي

صَقيعَ عُزْلتهمْ

إلى أنِ إهتَرَأتْ

جُيوبُ الفقْرْ

وّذاتَ رِسالةٍ

كَتَبْتُها لي

لأراني فِيَّ

وَلوْ ثَمّةَ 

شيْئاً جَميلاً

وَلِأكْتُبَني ذاتَ روْعِ

بِلا حِبْرٍ ,,

بنفْسَجةً عائمةْ

بيْنَ أرواحِ الرّاحلينَ

هائمةْ......

عّذْراءٌ وَبعيْنٍ واحدةْ

وَبِنصْفِ قلبْ..

بِكُلّ جُرْأةْ,,

تفيضُ مَطَراً مالِحاً

مِجْدافاً وَنهْرْ...