بيني وبين الفهم ، سوء تفاهم ...


1 قراءة دقيقة


لا أعلم من أين أبدأ ؟ فمنذ مدة ليست بالقصيرة ، تخطرني آيات من الذكر الحكيم ، أينما يممت شطر وجهي ، لا تكاد تفارقني : ( لقد بلغت من الكبر عتيا ) ، ( وإشتعل الشعر شيبا ) ، وجميعها تدور في الفلك نفسه ، حيث يبدو أنه لا مناص من الإعتراف ، بأن بوادر الشيخوخة قد بدأت تتغلغل إلى نفسي رويدا رويدا ، دون سابق إنذار ، بالرغم من أنني في الخامسة والأربعين فقط ، وهو العمر نفسه ، الذي يبدأ فيه الرجل بالتفكير في الزواج ، وإنجاب الأطفال وتأسيس الأسرة ، في الجانب الأخر من العالم ، بعد أن يكون قد عاش شبابه طولا وعرضا ، ولم يتوان عن الإستمتاع بكل لحظة فيه ، أنظر في المرآة فأرى شيخا عجوزا ، فأتحسر على شعر غزاه الشيب على غفلة مني ، وجسم هده التفكير والقلق من قادم الأيام ، ونفس أرهقها طول إنتظار بصيص أمل لما يظهر بعد ، وعمر سرق مني ثلثاه ، وأكاد أجزم أن الثلث الباقي ايضا سيكون كسابقه ، عندما تتشابه الأيام والليالي ، ولا يلوح جديد في الأفق ، يكسر رتابة الأيام المملة ...
مع مرور الأيام ، بت أعلم أن جميع الرؤى والتصورات التي كونتها عن مستقبلي ، لم تكن إلا وهما وسرابا وأضغاث أحلام ، حيث يبدو أنني لن أقاتل هكتور أمام أسوار طروادة ، بعد أن أدركت أنني لست أخيل الشجاع ، وسمائي لن تمطر ذهبا كما كنت أظن ، وأنني لست المسيح المنتظر ، مخلص البشرية من الظلم ، كما إنني لن أكتشف سر الخلود ، الذي عجز عنه كلكامش ، ولن أعمر ألف سنة كما فعل نوح ، فالإسكندر قد غزا معظم العالم ، وهو لم يبلغ الثلاثين ، كذلك فعل أتيلا وجنكيزخان وتيمورلنك ونابليون وهتلر ولينين وكيفارا وكاسترو ومانديلا ... ومعظم الرجال العظام الأخرون ، وإن بطرق مختلفة ، بل حتى الأنبياء كيوسف وموسى وعيسى ويحيى ومحمد ... جميعهم قاموا بأعمالهم العظيمة في العقود الأولى من حياتهم ...
تبا لهذه البلاد التي تئد أحلام الرجال ، تبا لها من بلاد أشبه بالمقبرة لمطامح الكرام ، تبا لها من بلاد يعيش اللئام فيها عصرهم الذهبي ، تبا لها وهي تغتال الربيع بخناجر مسمومة ليحيا الخريف ، بلاد منتهى الغاية منها ، هو الهجرة عنها ...

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‏ليل‏، ‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏ و‏ماء‏‏‏