بائعُ الفواكه


1 قراءة دقيقة

قصة قصيرة
بائعُ الفواكه
يصيحُ بدوره كما الآخرين يملأُ فراغَ السّوقِ بأسماءِ الفواكهِ مرّةً بلغته العربيّة الأمّ وتارة بلكنة كورديّةٍ محبّبة.. قبلَ سنتين دخلَ مدينةَ الحسكة من جهةِ الجنوب آتياً من ريفِ الصّورِ ويدُه مقيّدة في قبضةِ والدتِهِ السّمراء ذات الأربعين عاماً وحلمٍ احترق مع رحيلِ زوجها، ومن يومها أينعَ حلمٌ واحدٌ فقط في كلّ حياتها أن تحافظَ على ولدِها، بصعوبةٍ بالغةٍ استأجرت منزلاً وبعدَ بضعةِ أيّامٍ اشترت حصيراً وميزاناً صغيراً واتخذت لها ركناً في هامشِ السّوق تبيعُ فقط قليلاً من الفواكه وتتحاشى الاختلاط مع أحد، وحين تنفدُ بضاعتُها، تلفّ الحصيرَ الدّبقَ تحتَ إبطها حاملةً ميزانَ كسبها بيدٍ وبالأخرى تقبضُ على رسغِ صغيرها مخافةَ هاجسٍ رهيبٍ يهجعُ في قلبها، يحلّ المساء كئيباً كلّ يومٍ وهي ترى في الغروب موتَ زوجها، تمسح دموعها على عجلٍ وتداري وجهها وهي تعلّمُ صغيرَها كيفَ يكتبُ الأبجديّة ويرسمُ اسمَه على صفحةِ هويّةٍ جديدة:
ها قد بلغتَ السّادسة يا صغيري، وبعد شهرٍ لن ترافقني كلّ يومٍ إلى السّوق بل ستنضمُّ إلى أصدقاءٍ جددٍ وعالمٍ جديد. قالت ذلك وهي تمسدُ على شعرهِ الأصهب..
في اليوم التّالي تعثّرت في دربها وأفلت الميزانُ من بين أصابعها فتلقفته على عجلٍ وهي تنظرُ في عينيّ صغيرها الذي انكبّ بدوره يرفعُ الميزانَ كأنّه يعلمُ أنّ سقوط الميزان أمرٌ جللٌ، في ذاك الصّباح افترشا الحصيرَ وعليه رمّانٌ ذو قشرٍ أحمرَ، فقالت الوالدةُ إنّه رُمّانُ الفراتِ يا صغيري.. أصدحْ بأعلى صوتِكَ رُمّانُ الفرات..
Hinarê Feratê*.. صاحَ الصّغيرُ على رُمّانِه يحثُّ النّاسَ على الشّراءِ و الأمُّ باسمةٌ تناولهم الأكياسَ.. فجأةً امتلأ الفراغُ دويّاً والأرضُ مادت، تطايرتْ أجسادٌ، أكياسٌ، صناديقُ بلاستيكيةٌ و بقايا عرباتٍ تشظّت بينَها لتزيدَ مسرحَ الوجعِ وهجاً حارقاً، انحسرَ الدّويّ الصّاخبُ وفي السّماء تشتّت صداه حتّى انهمرَت من خوائِه أشلاءٌ آدميّة و نتفٌ من أكياسٍ سوداءَ ملتصقةٌ بحصىً متطايرةٍ و بقايا فواكهَ وخضارٍ على أرضٍ حمراءَ بالدّم كأنّها تنتحُ وجعَها حولَ بقعةٍ سوداءَ لسيّارةٍ انفجرت لتوّها مع صيحةِ
" اللهُ أكبر"..
تلاطمَ البشرُ مذعورين، يرتدّون عن بعضِهم فتلفظُهم أبوابُ الحوانيتِ خارجاً وبعيونٍ لا تبصرُ يقفزونَ متعثّرين بكلّ ما أوجده الإنسانُ في ذلك السّوق الشّعبي الضّاجّ بصراخِ الباعة وتفاصيلِ صباحِ المدينةِ الرّاقدةِ على ضفّة نهر الخابور، لحظاتٌ وتوافدَ على المكان قوى الأمن المحلّيّة وفرقُ الإسعافِ والدّفاعِ المدنيّ، ومن خلفِهم لمعت عدساتُ الإعلامِ تُوثّقُ الموتَ في ذاكرة المدينةِ، علا عويلُ الحُزن وتسلّق الوُجومُ وجوهَ البشرِ، وطفحَ حتّى بلغَ مأذنةَ المدينةِ تعلنُ الحِدادَ.. في مشافي المدينة يرقدُ ما لا يحصى من الأجسادِ الممزّقة، والمقابرُ تهيّأت لتحضنَ عشراتِ الأجسادِ المقطّعةِ الأوصالِ، على سريرٍ ذي عجلاتٍ كانَ صغيرٌ لم يتجاوز السّادسة من عمرِه يُدفع به إلى غرفةِ العملياتِ فاقدَ الوعيِ مُمزّقَ الأطرافِ يلفظُ الدّمَ في كلّ مكان، تسارعت إليه أيدي الحكماءُ إلاّ أنّ يدَ حكيمِ الموتِ كانَ أسرع، ماتَ الفتى فاقداً قدمينِ وذراعاً في التفجيرِ، وما بقيَ ليس سوى كتلة من شواء آدميّ يعلوهُ رأسٌ ظلَّ في بهاءِ خلقِه بحكمةٍ من قضاءِ الوُجودِ، سجّاه أحدُ الأطبّاءِ بملاءةٍ بيضاءَ وأشارَ بوضعِه في برّاد الموتى.. توافدَ الأهالي على المشافي يتعرّفونَ على الضّحايا ويستلمون موتاهم، مالت الشّمسُ للغروب لتبدأَ عُتمةُ اللّيلة الّتي لم تنم فيها المدينةُ، وطالَ حتّى انبلجَ الفجرُ كئيباً على عشراتِ القبورِ المُعَدّةِ لضحايا اختلطتْ أشلاؤهم وسجتهم جميعاً رايةُ الشّمس* شهداءً في عهدة الأرضِ، إلاّ ذاكَ الصّغيرُ فقد ظلّ في برادِ المشفى لم يستفقده أحدٌ من سكّان المدينةِ، ولم يعثر في مكانِ التّفجير على أيّ شيءٍ يدلّ على هُويّته، فوالدتُه الّتي تشظّت أشلاءً مُبعثرةٌ ومحترقةٌ في أتونِ نارِ التّفجيرِ جُمعت بقاياها مع أشلاءِ بضعةِ أجسادٍ أخرى ودُفنت مجتمعةً لا يُعْرَفُ لهم أيُّ هُويّة، غُرباءُ عن بعضٍ في قبرِ الحياة وكذا الموت.. بعد ثلاثةِ أيّامٍ استلمتْ دارُ البلديّة جثّةَ الصّغيرِ المجهولِ، ودُفِنَ في قبرٍ دُوّنَ على شاهدتِه :
كُلُّ نفسٍ ذائقةُ الموتِ "بائع الفواكه" مجهول تاريخ الولادة، استشهد في عمر الطفولة سنة 2019 . الفاتحة.

عامودا 6/11/2019
عامر فرسو
...................................
*Hinar: رُمّان باللغة الكردية
*راية الشمس: إشارة إلى العلم القومي للأكراد