الموت ، هذه الظاهرة التي تلازم الكائن الحي


1 قراءة دقيقة

محمد قاسم


الموت ،
هذه الظاهرة التي تلازم الكائن الحي (الانسان)،وتفاجئه في لحظة لا يعرفها متى !
فقد يموت طفلا صغيرا ، وقد يموت شابا ، وقد يمتد الأجل به إلى أرذل العمر .
لاحظَ الظاهرةَ جميعُ بني البشر ، وتفاعل كل واحد معها بحسب ما هو عليه من فهم وموقف واعتيادات سلوكية ( ثقافية) .وقد تناولها كثيرون بالكتابة عنها من موقع الأدب والشعر فأبدعوا ، او من موقع علمي تحليلي للعناصر ذات الصلة بها -أسبابا ونتائجا ، او من موقع التديّن و والبحث عن الحكمة من الموت ، وما هو المصير بعده ....وبعضهم لم ينتبه الى الموت الا من زاوية انفعالية وجدانية فغمره الحزن وشعور الفاجعة ...ولا يعدم ان يستغل بعضهم الظاهرة ليسخّرها لغايات ذات طابع خاص، اجتماعيا او سياسيا ...الخ.
ولقد شاهدت- وعلمت- الكثير عن الموت من خلال معاينة شخصية ...فقد حضرت لحظات تنازع الروح فيها وعلائم معاناة يمر بها.
وسمعت وقرأت عن الكثير في أحوال مختلفة وُصِف فيها الموت .!
ولولا نعمة النسيان لصعب جا ان يتعايش الانسان مع ظروف يحضر فيها الموت ويحره احبة جمعت بيننا واياهم؛ المشاعر والمودة والألفة... وربما التعاون على قضاء الحاجات ، وتحمل أعباء الحياة في صور مختلفة ...
معظم الحديث عن الموت في حالة الثقافة الكوردية كان شفاهيا ،عبر قصص وحكايات احيانا - اجاد قائلوها عنها وصفا وتأثيرا ، او عبر أغنيات فولكلورية تغنى في ظروف اجتماعية بحسب الحالة الثقافية / الاجتماعية... ولم أقع على كثير مما هو مدوّن عن الموت .
ربما اللحظات الأخيرة من حياة "مم" في السجن ، وقد ذهبت اليه " زين" بشعور من اخيها "مير زيدين" بالغلط الذي ارتكبه بحق أخته وحبيبها ، لكن مم كان قد انقطع عن الشعور الدنيوي المعتاد ، واتجاه الى شعور بالحياة الأخرى -كما نقرأ الحكاية في ترجمة قصة "مم و زين" الى اللغة العربية من قبل المرحوم (الشهيد) الدكتور محمد سعيد البوطي الذي أعطى القصة شهرة واسعة وانتشارا ... وقد لخصها في عبارة رائعة "قصة حب نبت في الأرض وأينعت في السماء".
وقد قرأت في احد اعداد مجلة العربي الكويتية مقالا عن الموت منها هذه المقتطفات :
قال علي بن ابي طالب :
" استهينوا بالموت فان مرارته من خوفه"
وقال المعري : " ضجعة الموت رقدة يستريح الجسم فيها والعيش مثل السهاد".
شوبهاور: " يا ألله ما اعجب الموت.! لا يكاد يمس الحي باطرافه الباردة حتى تتقلب تلك القوة المفكرة المدبرة الفعالة الى جمد الصخر يلقى بها في جوف القبر الصامت وكانها بعض تربته" -"ومع ذلك كان يخاف الموت ويهرب من الطاعون"
وسأل الخليفة سليمان بن عبد الملك يوما أبا حازم (عالم) :
يا أبا حازم مالنا نكره الموت؟. فأجاب : لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم آخرتكم فكرهتم ان تنتقلوا من عمران الى خراب"
واتذكر أنني قرأت بان احدهم تناول الموت في كتاب ....
حقا ،الموت ظاهرة ، لا يجدر بالمرء العاقل ان يتجاهلها ، لا لكي يبقى أسيرا لها ، او لا يعمل -كما يفعل بعض الزهاد والمتصوفة ، وانما ليعيها كحقيقة لا ينبغي نسيانها . فالحياة قيمة ونعمة منحها الله البشر ، وعليه ان يقدّرها ، ويحسن التعامل معها ."عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تَقوم حتى يَغرِسَها، فليَغرِسْها))
تاكيدا لأهمية الحياة والمسؤولية عنها ، وعمارة الكون !
مما جعلنا نشعر بمعنى الموت ومغزاه الطيب في وفاة المرحوم ما عرفناه عنه وما شهد به الذين عرفوه ، وقد جهروا به في مجلس العزاء..
 رحمك الله محمد بشير -ايها العم الذي فارقتنا الى حيث الرقاد والراحة الأبدية ان شاء الله -وقد شهد لك الكثيرون جدا بما كنت عليه من دين وتقى وروح انسانية خيرة. وإنا لله وإنا إليه راجعون.


الموت ...(2)
 هذه الظاهرة التي تولد مع الكائن الحي (الانسان) وتقضي على حياته لحظة لا يعرفها ،متى ولا كيف...ولكن المهم  ان يدرك -دوما -أنها حقيقة منتظرة ،قريبا ام بعيدا -!.
 وفي كل الأحوال، فان العمر ف -لا يتجاوز  ثمانية عقود او اكثر قليلا،ما عدا استثناءات نادرة... فظاهرة الموت  حقيقة يفترض بالعاقل ان يجاهد ليجعلها احساسا (ووعيا) يجعله يرتب حياته مع الاعتبار لها .
 ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ(145)﴾( سورة آل عمران ).
 ليست دعوة للاستهانة بالحياة ، فالحياة -كما سبق القول - نعمة وهبها الخالق، وينبغي ان نعيشها قدر استطاعتنا ،عيشة فيها عناصر عمارة الحياة .فقد خلق الله الكائن الحي (الانسان ) في صورة جعل العمل ملازما للحياة ،فمن لا يعمل سيصبح عرضة للهلاك، لأن العمل  عماد الحياة وتحسين العيش فيها . 
 بل العمل يمثل معنى الحياة ففي أدائه تلبية لحاجات البشر (بما فيهم العامل). وإن لاحظنا ما في الحياة من العمران سنجده من جهود العامل ، ومن العجب ، أن لا يقدّر عامل معنى وقيمة ما يعمل ، فيعبث بأدائه ، ولا يتقنه . ومن الغريب ، أن لا ينتبه المنتفع من العمل -في صوره المختلفة- إلى قيمة العامل والجهود التي يبذلها في سبيل ما ينتفع هو به..(وهنا نعني بالعامل كل من يُعمل طاقاته الفكرية و الجسدية من اجل انتاج فكري معنوي او انتاج مادي) .
 شعور بتقدير متبادل بين البشر في ما يخص العمل يوفر رؤية متكاملة، تجعل المشترك بينهم احساسا حيا ، ويفرز شعورا بالتراحم والمودة والتقدير....وهي عناصر تمد الحياة- والاحساس بها - بمعنى جميل ،ومتعة ...
 ونخلص إلى القول :
 الحياة يلازمها الموت الذي سينهي  حياة أفراد او جماعات ـ لكنها -ستبقى مستمرة الى ان يشاء الله  كبيئة للكائن الحي (والانسان) .
 .فتذكر الموت وحسابه لا يعني التقليل من شانها ، وانما يعني حسن تقدير العلاقة والمصير .
 والحياة تتطلب منهج تفكير وانماط سلوكية منسجمة معه ،لتصبح أهون واكثر امتاعا ،وافضل سياقا إلى أن تحل  نهاية منتظرة ، يفترض ان الانسان يحسب لها حسابا .!
 لا  نتوقع كمالا في الانسان، لكننا نستطيع التمييز بين انسان يحاول -ويجاهد- او يعيش حياة تتكامل في بنائها من عناصر روحية ومادية متوازنة تجعل التفكير والسلوك ايضا متوازنا . وبين انسان ، ارتضى-  او غلبه - خللا جعل حياته تفقد عناصر تكامل وتوازن ، ويقوده الخلل  الى منهج تفكير وانماط سلوك مرتبكة ، تفوّت عليه كثيرا من عناصر ايجابية يمكنه ان يستدركها -إن عمل جادا وواعيا-.
 رحم الله  العم محمد بشير . 
 لم يكن مثقفا ،  لكنه كان شديد الفضول الى المعرفة ، وكانت السئلة لا تفارق شفتيه كلما التقى من يظن انه سيجد اجوبة لديه. لكن كان يقرأ ويكتب ، وقرأ القرآن .وكان يستمر في قرائته ، وملتزما بتعاليم دينه الذي اعتقده وآمن به ...ولعل اهم ما توفر فيه خصلتان : 
 1- عمل (خياط) أتقن عمله-الى جانب كونه فلاحا-  حتى اشتهر في المنطقة بإتقان ادائه ، وفضلا عن ذلك ،اجرا كان يحرص   فيه ، دوما ان يكون حلالا.
 2- التزام بقناعاته وتعاليم دينه التي اعتقد به ، عبادات (صلوات وصيام ....)
 والالتزام بما فهم منها فطبقها في حياته ،(ومعاملات) فابتعد عن الأذى قولا وفعلا قدر ما استطاع ، وتبنى فعل الخير  -قدر ما استطاع - ومنه الدور الايجابي الملموس في علاقاته الاجتماعية على مستوى قريته وقد شهد له  ابناء القرية -كبارا وشبابا ...!
 ترى -
 ونحن ندرك هذه الحقائق ، فما الذي يجعلنا أن لا نحاول ان نستوعبها ؟
 ولا نقصد ان يكون المرء كاملا "فكل ابن آدم خطاء" ولكن نقصد "وخير الخطائين، التوابون" .
 رحم الله العم محمد بشير ، ورحمنا ورحمكم ورحم موتانا جميعا .
 "كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون "- ( آل عمران )


ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏