الفنّانات الكرديات شموع احترقت لتنير دروب الفنّ الكرديّ ...


1 قراءة دقيقة

الشّمعة الأولى: گولا أرمني
عشق الغناء الكرديّ ""Gul a Ermenî, Gul a Keşe

ما يزال التّاريخ الكرديّ برمته يخفي في أحشائه عشرات المبدعين والمتميّزين في كلّ حقول الحياة وحدائقها، ولأنّ الفنّ جزء هامّ من هذا التّاريخ فإنّه يفاجئنا بين الحين والحين بأسماء مغنين ومطربين كانوا يُعتبرون في العصور التي عاشوا فيها أساطين الغناءِ والفنّ الكردييّن، ومن هؤلاء الفنّانة الأرمنيّة الكرديّة " "Gula Keşe" التي كانت تُعتبر إحدى الفنّانات الكرديّات المميّزات في تاريخ الفنّ الكرديّ في القرن التّاسع عشر الميلادي، وقد تأتت لها الشّهرة وحضنها المجد أنّها عاصرت شيخ الفنّانين الكرد -كما راقَ للبعض أن يسمّيه- عڤدالى زينكى.
قصّة حبّها مع عفدال:
هناك روايتان عن قصّة حبّها وعشقها مع عڤدالي زينكي، الأولى وبحسب رواية الكاتب الكرديّ الكبير محمد أوزون "يومٌ من أيّام عڤدالى زينكى,
Zeynikê Rojek "ji rojên Evdalê
الرّواية الأولى تقول: إنّ عڤدال ذهب إلى إحدى قرى الأرمن ليحيي فيها حفلة عرس، وبينا هو منسجم في غنائه لمحت عيناه فتاة جميلة تقود حلقة الدّبكة فيقع في حبّها من النّظرة الأولى، وبعد الانتهاء من مراسم الحفلة، يذهب عڤدال إلى صاحب الحفلة ويقول له:
((جئت إليكم وأنا سليم معافى وبكلّ قواي العقلية ولكنّني حين لمحت هذه الفتاة رحلت إلى عالم آخر، والله لن أرحل من هنا إلى بعد أن تطلبها لي من أهلها))، ويُقال إنّ الرّجل يذهب إلى أهلها ولكنّهم لا يوافقون على طلب عڤدال لأنّها كانت مخطوبة لرجل آخر، لكنّه لا ييأس من هذا الرّفض لأنّه على قناعة تامّة أنّه يستطيع بصوته الذي يهدّ الجبال أن يتسلّلَ إلى قلبها، ويدغدغ مشاعرها وأحاسيسها مهما طال الزّمن.
تحققت نبوءته، ورقّ له قلبها في تلك الّليلة الحميميّة التي أنشد فيها ما طاب له من أغاني العشق والهيام، ومن ثمّ تشاركه
Gulê الغناء والطّرب، فيلحظ على الفور أنّها وقعت في غرامه، ما يدعوه إلى خطبتها من جديد، فتوافق على الفور ليقترنا كزوجين، حبيبين وعاشقين.
عاشت فنّانتنا أيّاماً جميلة مع حبيبها وزوجها عڤدال ويُقال إنّها أنجبت منه ولداً كان أسموه "تمو"، لكنّ الدّهرَ المتقلّبَ والغدّار أصدر فرمانه الظّالم عليهما حين حرمهما من وليّ نعمتهما "طاهر خان" الذي غضب عليه العثمانيون، ونفوه مع عائلته إلى استنبول، ومن ثمّ تحلّ عليهم المصيبة الأكبر حين يُصاب عڤدال بالعمى، ما يسمح للمحن والمصائب أن تتناوب عليهما.
الرّواية الثّانية: تؤكّد على أنّهما لم يتزوّجا بعد رفض الأهل هذا الزّواج لأنّه كان متزوّجاً أو لأنّها كانت مسيحيّة من غير دينه، ولم يرد إثارة الخلافات بين أصحاب الدّينين، أو أنّ أهل حبيبته رفضوه لأنّه لم يكن على دينهم. كما تؤكّد بعض المصادر على أنّ "تمو" لم يكن ابن
Gulê.
مهما كان من أمريهما فإنّ اسمها اقترنت باسمه، وصفحات التّاريخ الكرديّ أرّخت لقصّة عشقيهما، تلك القصّة التي جعلتهما يعيشان كلاً واحداً ينبض بالرّوح والحياة.
يقالُ إنّها كانت تمتلكُ صوتاً جميلاً ومقدرة كبيرة على الغناء لساعات طويلة دون أن تبدي تعباً أو إرهاقاً، وكانت تجيد معظم أنواع الغناء الكرديّ، كما كانت تمتلكُ حضوراً متميّزاً من خلال شخصيتها القويّة والمرنة في الوقت نفسه، تتعامل مع المحيطين بها بلطف وحكمة لذلك حظيت بمكانة متميّزة في عصرها.
ما يدلّ على هذا القول ما أورده البعض على أنّه كان بإمكان عڤدال أن يغنّي لفترات طويلة قد تمتدّ لأيّام من دون انقطاع، وفي إحدى المرّات حاول بعض المغنّين منافسته ومجاراته، لكنّهم فشلوا في ذلك باستثناء
Gulê التي استمرّت تجاريه في الغناء لثلاثة أيّام بلياليها والبعض يقول لسبعة أيّام.
على الرّغم من بحثي الحثيث عنها لم أتمكن سوى من جمع هذه المعلوماتِ المتواضعة عنها، ولكنّي لم أفلح في معرفة تاريخ ميلادها ووفاتها تحديداً، لكنّها وكونها عاصرت عڤدال نستطيع أن نحدّد الفترة التي عاشت فيها بشكل تقريبيّ.
إذا كان عفدال وبحسب ما روي عنه واستناداً إلى ما قاله حفيده "عمر زينكى" كان ولد في بداية عام 1800م ومات في عام 1913م فيُفترض أن تكون هي كذلك ولدت في القرن التّاسع عشر، وربّما ماتت فيه أيضاً، لأنّ عفدال عاش عمراً مديداً ولم تذكر أيّة مصادر أنّها عاشت العمر المديد، ويؤكّد ذلك ما أورده الكاتب محمد أوزون في روايته عن أنّ عفدال حين التقى بـ Gulê كان قد تجاوز الثّلاثين عاماً، وكان عمرها بين14-15 عاماً، وكانت تعيش وبحسب المصدر السّابق في بلدة خامورى
(Xamûrê).