العرب والكرد والسريان والحق التاريخي.


1 قراءة دقيقة


________________________________________
يستند بعض القوميين من العرب والكرد والسريان على فرضية (الحق التاريخي) في الشمال السوري لإثبات حقوقهم، بما يلغي أو يقلل من شأن حقوق الآخرين، ليحتد الجدل بين هذا وذاك، حول جملة قضايا تاريخية وراهنة.....
الموضوعية تقتضي القول، إن القوميين العرب وتحديداً (عرب السلطة)، أول من استخدم ومنذ عقود مصطلح الحق التاريخي للتأكيد على عروبة سورية، وبما يعني الغاء حقيقة وجود قوميات أخرى، او في أحسن الأحوال الاعتراف بوجودها، ولكن باعتبارهم ضيوف أو متسللين، وما الى ذلك من أوصاف، وهي إدعاءات مردود عليها تفنّدها كل حقائق التاريخ والجغرافيا، قبل وبعد تشكل الدولة السورية الحديثة. ناهيك عن أن هذا الخطاب يتعارض مع المصالح الوطنية السورية المعاصرة.
من الطبيعي أن تخلق هذه الإدّعاءات ردود أفعال، وأن يُرفض هذا النموذج من الخطاب القومي الاقصائي، ليس من الكرد والسريان فقط بل من كل القوى السورية العاقلة، ولكن الذي يحدث أحياناً في سياق الرد هو، أنه لايقل اشكالية وبؤساً عن النموذج الأول من الناحية السياسية، وخصوصاً في حالة اعتبار اصحاب هذا الخطاب الاقصائي النخبوي يمثلون العرب، والبناء على ذلك لصياغة خطاب قومي مضاد، خطاب انعزالي يشكك بكل ما هو عربي، لتبدو من خلال نتيجة الفعل ورد الفعل، وكأنّ الكل القومي بمواجهة مع الكل القومي الآخر.
إن صياغة الموقف بالصيغة الإقصائية في الحالة الاولى، أو الرد عليه بهذه الطريقة، في الحالة الثانية، يعني الدخول في دوامة أزمات لا أول لها ولا آخر، واستحضار التاريخ ليس للخروج من دواماته، بل لإعادة انتاجه بكل ما فيه من مآسي، لاعلاقة للاجيال المعاصرة به.
الثابت التاريخي الأساسي والوحيد فيما يخص الشمال السوري هو أنه تاريخياً خط تماس في جغرافيا لم تشهد استقراراً حقيقياً منذ آلاف السنين، شهد صعود وانهيار دول وامبراطوريات عديدة عبر التاريخ، مما أدى الى تداخل البنية السكانية وتنوعها، لتصبح هي السمة الأساسية، فلايحتاج أحد من السوريين المعاصرين إلى صكوك ملكية، وإثبات وجود، في هذه الجغرافيا فهي كردية، وسريانية، وعربية بنفس الوقت.
باختصار، الحق التاريخي هنا حمّال أوجه، فقد يستخدم للدفاع عن النفس ضد إنكار الوجود والاقصاء، وهو في هذه الحالة توظيف صحيح وحق مشروع، وقد يستخدم لإنكار حق الآخرين، فيصبح في هذه الحالة إشكالياً.
الطريف في هذه المواجهة الدعائية – التأريخية، هو لجوء هذا وذاك الى الدجل الاستشراقي، لإثباته أقدميّته، وبالتالي أحقّيته في الجزيرة، رغم أن أولئك الدجالين، قالوا بحق هذا مرة، وحق ذاك مرة أخرى، كل حسب مشاريع الوكر الذي أرسله، ليصبح المنُتَجْ الاستشراقي عامل توتير اضافي.
حقل ألغام التأريخ، والتاريخ، هو حقل بلا لاحدود، وكلما يأتي من ينزع لغماً من ألغامه، يجد تحته لغماً آخر، وكلما يتجاوز لغماً، يجد من يتبعه ليزرع لغماً جديداً، طالما أن هناك من يمنع الجماعات البشرية من الدخول الى التاريخ الحقيقي بعد، تاريخ التحرر من كل الانتماءات البدائية، التي تلبّسته في سياق صراع جماعات الثروة و السلطة.