الضياع


1 قراءة دقيقة

شمس عنتر


الضياع
"فترى العمر يتسلّل يومًا فيومًا، ولا نشعر به، ولكن متى فارقنا من نحبّهم نبّه القلب فينا بغتةً معنى الزمن الراحل، فكان من الفراق على نفوسنا انفجار كتطاير عدّة سنين من الحياة.."
مصطفى صادق الرافعي
...
في الشرفة المطلّة على الشارع الواسع النظيف الخالي من المارّة شبح امرأة شابّة نحيلة مكوّمة على نفسها بجانب كرسيّ أنيق، ساحبة رجليها إلى حضنها، وثوبها الفضفاض الأسود يتدلّى.
لا يوجد أيّ تناسق بين المكان العصريّ وملابسها وطريقة عقد جدائلها، حتى طريقة إمساكها بالهاتف الكبير الذي تتصفّح فيه. واضح أنّها تجهل التعامل مع هذه الآلة، تحدّق في الصور، وتشوبها شبه ابتسامة ثمّ تجهش بالبكاء.
إنّها مزدحمة بالألم، قلبها ممزّق كخارطة كوردستان، تسحب سيجارة من علبة الدّخان، تشعلها، تسعل بشدّة عند أخذ أول نفَس منها. الدّخان لم يجد طريقًا سالكًا، فتراجع. شعرت بالاختناق، رمتِ السيجارة، وعادتْ إلى نوبة البكاء من جديد.
عاجزة عن ممارسة الحياة، كأنّها وضعت عمرها في سلّة، وعلّقتها في مكان لم تعد تهتدي إليه، الانهيار في داخلها يتّضح من عينيها المغرورقتين بدموع جامدة.
لا تنتمي إلى العالم ، العالم صحراء ضياع.
ألم تتعبي؟ ادخلي، الجوُّ بارد، حسنًا تغطّي، ستمرضين.
محمد ، محمد، محمد، إنّها هي، انظر، انظر، إنّها هي. كانت صرختها مدوّية، هزّت أركان البناء، وانعقد لسانها، وهي تشير إلى صورةٍ على شاشة الهاتف. أصابتها حالة من الهستيريا، تشنّج كلُّ جسمها، وسقطتْ مغشيًّا عليها.
ما أكبر هذا المستشفى! إنّه أكبر من قريتنا، أريد مترجمًا، لا أعرف الألمانية.
يسألونك: ما الذي فعلته بزوجتك حتى فقدت وعيها، وتيبّس جسدها؟
قل لهم: إنّها قصّة طويلة، طويلة جدًّا، أريد البوليس، أريد أن أسافر إلى تركيا بأقصى سرعة.
حسنًا، استرحِ الآن.
تهالك محمد على كرسيّ في ممرّ طويل هادئ، وضع يديه على أذنيه، ضجيج استعادة تلك الذكرى يوجعه، حين كان أبو المجد ينادي: هيّا اركبوا البلم، سنُبحر، لن ننتظركم، إن لم تركبوا فستخسرون المبلغ الذي دفعتموه، نادِ زوجتك المجنونة، هيّا، هيّا، ابنتك ماتتْ، حتمًا ماتتْ، تبحثون عنها منذ يومين، لا بدَّ أنّها غرقتْ، لقد بحثنا في كلّ مكان من أزمير، لا أثر لها.
محمد، لا، لا تحاولْ، لن أتحرّك دون ابنتي، اذهب أنت إن شئت، لكن أنا لن أتحرّك، كيف أترك ابنتي، كيف؟
منذ يومين نبحث عنها دون جدوى، وأبو المجد سيتركنا، ولم نعد نملك مالًا، أرجوك، هيفاء ماتتْ، ماتتْ، فهل يجب أن نموت نحن الأربعة معها؟ انظري إلى أولادك، انظري، حرام عليك، أنت تتجنين علينا.
كنتُ قاسيًا معها، أجبرتها على ركوب البلم، ومنذ تلك الساعة دخلت في حالة غريبة، لا تتكلّم إلّا نادرًا، ولا تأكل إلا قليلًا، لا تغتسل إلا إذا أجبرناها، دائمة السرحان والبكاء، تتملل من كلّ شيء، لم نعرف ساعة هناء في ألمانيا.
عندما أسمع خبرًا عن ابنتي يمنعونني من السفر، أيّها المترجم، أرجوك احكِ لهم القصّة، أرجوك.
اسمع، أترى ذلك الشخص الذي دخل توًّا إلى المستشفى؟ نعم ذلك الذي يلبس الكنزة الخضراء، هو مسؤول منظّمة إنسانيّة مشهورة جدًّا، اذهب إليه، وتكلّم مباشرة، لا تسكت، هو يفهم العربية، ألا تعرف اللغة العربية ؟ اشرح له قصّتك بالتفصيل، وهو قادر على مساعدتك، أنا واثق من ذلك، اذهب.
نعم سيّدي أعلم أنّها قصّة طويلة وأليمة.
اعتبر أنّ ابنتك في حضنك، اذهب، وبشّر الأمّ ، أنا أشعر بك تمامًا، بشّرها، ستكون ابنتك هنا خلال يومين.