الشرقُ الأوسط الكبير مُخطط ينتظر التنفيذ


1 قراءة دقيقة

تتسارع التغييرات في منطقة الشرق الأوسط بشكل دراماتيكي مما يشي بتوجهه نحو إعادة تموضع جديد للحدود في المنطقة، ويجعل من إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط محط اهتمام الكثيرين في ظل الفعل الميداني المتصاعد على الأرض والحديث عن مخططات التقسيم والانفصالات، وتزايد التحذيرات العلنية منها من قِبل دول تنفذ هذه المخططات. إن الخطة التي بشرت بها كونداليزا رايس علنناً قبل أكثر من أحد عشر عاماً عندما كانت بمنصب وزيرة الخارجية الأمريكية، ومن تل أبيب على وجه التحديد وكررها مسؤولون أمريكيون آخرون أبرزهم جو بايدن، وقالت كونداليزا حينها: “إن المشروع يعتبر حلاً سلمياً لعلاج أزمات المنطقة المزمنة والتي يجب أن تنتهي، إلا أنه وإن طال الزمن لتحقيقه فقد أصبح هناك من يقرأ تفاصيل الأحداث في المنطقة العربية، والتغيرات المتسارعة على أرض الواقع”.

في مجلة القوا ت المسلحة الأمريكية عدد تموز 2006 نشر الضابط الأمريكي الكولونيل المتقاعد من الأكاديمية الحربية (رالف تبريز) مقالة بعنوان “حدود الدم”، وهي جزء من كتابه “لا تترك القتال أبدا”، ويشكل المقال تقريراً متكاملاً عن الصراع في الشرق الأوسط الذي يعتبره (رالف تبريز) نتيجته منطقية لخلل كبير، وضعها الانتهازيون الأوروبيون وقد حان الوقت لتكوين خارطة جديدة بديلة عن سايكس بيكو وبتحويل المنطقة إلى دويلات عديدة. بعضها صغيرة وبعضها كبيرة، هنا قد يعاني القارئ صداعاً وألماً في الرأس عندما يرى مصطلحات كهذه خاصة يستخدمها السياسيون الجدد، مصطلحات ومفاهيم كالعولمة، الإمبريالية، الحداثة الرأسمالية ومشروع الشرق الأوسط الجديد الكبير….الخ، حيث يصبح العالم بالنسبة لمفهوم العولمة عبارة عن قرية صغيرة لديها أسوار وتكنولوجيا متطورة تقرب المسافات وهذا المركز الرئيسي هو الذي يتحكم بالعالم، من خلال مشاريع وخطط تطرحها كمشروع الشرق الأوسط الجديد الكبير، كيف تخرج هذه المشاريع إلى العلن، هل هي مجرد أقوال قيلت في أزمنة متعددة أم أن هناك دراسة طبعاً واقعية وجادة لتنفيذ ما قيل فعلاً. هناك معاهد ومراكز دراسات وأبحاث استراتيجية ووسائل إعلام كبيرة مقروءة ومسموعة ومرئية وعبر الأقمار الصناعية ووكالات الأنباء العالمية، وحتى أكبر الصحف العالمية مبيعاً وانتشاراً واشنطن بوست، ونيويورك تايمز، كلها موجودة بالمركز الرئيسي في الولايات المتحدة الأمريكية.

يقول بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي في عهد ولاية الرئيس دونالد ريغن عن نظريته “قوس التوتر” التي تمتد من المحيط إلى الخليج على أن المنطقة مليئة بالأقليات العرقية والطائفية، وأي شرارة فتيل تُلهب المنطقة بالجملة، كان العدو الرئيسي للولايات المتحدة هو الاتحاد السوفييتي عن طريق الحروب والنزاعات، إبَّان الحرب الباردة فعلت الكثير لإنهاء حقبة الشيوعية وقد نجحت. بعدها اتجهت للقضاء على الإسلام الليبرالي أو الفاشي والأصولي، كما تسميه بحجة التطرف، والآن مشروع الشرق الأوسط الجديد الكبير. إن وراء هذه المشاريع قوة كبيرة، تتخطى وتعبر القارات ألا وهي الحركة الماسونية العالمية والتي لديها الكثير من المسميات كالمحفل الماسوني، البناء الأحرار، فرسان الهيكل، وكثير من المسميات هذه المؤسسات تضم كافة الشخصيات من رؤساء وحكومات وفنانين وإعلاميين وحتى متدينين، وهي تتحكم بآلية القراءة والمشاريع في العالم، عن طريق وضع خطط ومشاريع عبر دوائر الإعلام والصحافة ومركز الدراسات الاستراتيجية.

لماذا دول الغرب أو الولايات المتحدة الأمريكية يحاولون دائماً تغيير المنطقة وتغيير خارطتها؟ إن القوى العظمى الرأسمالية تحاول نهب ثروات المنطقة، وافتعال الحروب. ولكن؛ بالمحصلة يجب أن يكون هناك استقرار نسبي لأن السياسة والاقتصاد خطان متساويان ومكتملان لبعضهما البعض، يوجد عندنا في سوريا وتركيا والعراق وإيران أنظمة حاكمة قمعية ومستبدة وعنصرية تنشر الكراهية بين شعوب المنطقة. وهذه الأنظمة تضطهد شعوبها؛ لأن هذه الأنظمة أتت أغلبها بانقلابات عسكرية ووفق مخطط سايكس بيكو للمنطقة، فإعادة ترتيب المنطقة وتقسيمها من أولويات مشروع الشرق الأوسط الجديد الكبير، فمثلاً إيران والهند وباكستان تشبه بعضها كثيراً، الهند وباكستان تمتلكان القنبلة النووية، وهناك صراع في كشمير من الناحية السياسية والاقتصادية. وهذه الدول ليست بالغنية ولا تمتلك تكنولوجيا عالية الدقة، أما إيران فيخشاها الغرب لأنها تمتلك التكنولوجيا النووية فائقة الدقة، وتصنع صواريخ بالستية ومعدات حربية وتقنية عالية في الاتصالات، الغرب لا يريدون أن تكون إيران في المركز الذي يخولها لتكون المنافس لإسرائيل في المنطقة ولكن رغم هذا التقدم العلمي في إيران، إلا أن لها باع طويل في اضطهاد شعبها ومسألة حقوق الإنسان لديها هناك مئات إشارات الاستفهام حولها، وهناك انتهاكات ضد النشطاء والمثقفين السياسيين والإعلاميين، وأحكام الإعدام مستمرة على قدم وساق للناشطين وبخاصة الكرد منهم، وهذه الأمور مجتمعة ستكون سبباً للإقدام على تقسيمها.

أما بالنسبة لتركيا وقبل الربيع العربي كانت تركيا واقتصادها في حالة انتعاش، ولكن بسبب تدخلاتها بأمور المنطقة تراجع الاقتصاد وتدهورت الليرة التركية، نتيجة تدخلها في مصر وليبيا وتونس والعراق، ومن ثم في سوريا بإدخال المئات من الإرهابيين ونهبت المعامل واحتلت مدناً سورية. وخوفاً من إقامة كيان كردي على حدودها بدأت بحملة الكراهية ضد الشعب الكردي وسجنت النشطاء وقادة الحراك السياسي من أحزاب وإعلاميين وصحفيين ومثقفين ومعارضين، وكان هناك مشروع آخر بقيادة روسيا ألا وهو حماية النظام، إلا أن النظام لم يستطع الصمود وكان منهكاً سياسياً واقتصادياً وحتى عسكرياً، إلا إن ميليشيات حزب الله اللبنانية والعراقية والأفغانية والميليشيات الإيرانية جعلته يقف على قدميه. والشرق الأوسط بدون نشر الديمقراطية فيه لا يمكن أن يكون مستقراً؛ لأن الجانب الأيديولوجي حاضر في المنطقة والأفكار والمبادئ السامية التي تعيش هذه الشعوب من أجلها كإخوة الشعوب وفلسفة الأمة الديمقراطية ومشروع العدالة الاجتماعية والتنمية البشرية والتعددية الحزبية، وعدم إقصاء الرأي الآخر والمساواة بين الرجل والمرأة والتعلم باللغة الأم كلها مفاهيم يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار.

هناك مفاهيم لدى الولايات المتحدة الأمريكية للتعاطي مع الشعوب؛ فهي لا تحبذ فكرة الإيديولوجية الفكرية، وإنما يهمها كمركز رأسمالي هي القيم العامة، ماهي القيم العامة؟ هي القيم السياسية والحقوقية والأخلاقية والثقافية، تلك القيم التي تصاغ في لندن وواشنطن وأمستردام هذه القيم ليست لأجل تلك البلدان فقط، إنما لجميع بلدان العالم. لذلك؛ يجب على الصيني والكردي والعربي وجميع القوميات أن تقبل تلك القيم، وإن لم تقبل ستعيش في أزمات (بالتأكيد بحسب وجهة نظر أمريكا). نحن مكونات الشمال السوري أيضاً جزء من هذا المشروع الذي يدور في فلك العولمة والحداثة الرأسمالية، علمتنا الحياة دروس كثيرة وكبيرة وخاصة في الأزمة السورية، تعلمنا العيش المشترك وإخوة الشعوب وتنوع الثقافات وإبداء الرأي والعيش الكريم والدفاع عن الأرض ضد كل متربص، فهؤلاء الظلاميين من داعش وغيرهم يودون الرجوع بنا إلى عالم العتمة والجهل تارة باسم الدين وتارة باسم القومية، ولقد تعلمنا من دروس الحرب والتاريخ إن الأنظمة المستبدة مهما طال عمرها. لكنها؛ في المحصلة سوف تسقط، ويسقط معها كل شيء كما يجب على كل الشرفاء التكاتف وعدم الانجرار إلى المشاريع التقسيمية. نريد لبلدنا الوحدة، وحدة الكرامة والاعتراف بالآخر، ومنح حقوق الإنسان وعدم اضطهاد الأقليات والشعوب، وبذلك نكون قد أنجزنا شوطاً كبيراً من التنمية الاقتصادية لشعوبنا وبناء بلدنا وحمايته من رجس الإرهاب، وأن نعيش أحراراً أعزاء بسلام وأمان في بلادنا.