أين المشكلة؟


1 قراءة دقيقة



أين المشكلة؟(١)
لا يملك سوى أيديولوجيون الحلول ، فهم يتصورون(نظريات) ويطالبون الواقع أن يتبع تصورهم. وطبعا ،الواقع لا يستجيب.
فترتفع أصوات شعارات وتوصيفات مزاجية ، واتهامات مختلفة ...
إنهم يفرضون تصورا ماركسيا بأن الصراع حتمي ، ويجب ان يؤكدوا ذلك. حتى ان لم يكن هناك موجب للصراع .!
فيجب ان يكون هناك صراع لتاكيد مصداقية النظرية...
وتتفرع عن هذا التصور والرؤية مفاهيم اخرى يتقن ماهرون في تسميتها وتوصيفها.,,.
ولأن الطبقة الكادحة لا تفهم "النظريات" ، فلها ما تنشغل به : عداء الاقطاع والبورجوازية وال...وفق تصور آلي ، ودون تفريق بين أحوال مختلفة.
المهم ان يكونوا ضمن نظرية الصراع "الحتمي" لأن المنظرين قالوا ذلك.
ونحن لا ننكر وجود الصراع ،لكننا لاننساق الى ميكانيكية و حتمية تحوّل الانسان (البشرية) العاقل الحر إلى مجرد (برغي في عجلة الحتمية) والغريب أن نظريات المنظرين ، مستثناة في صورة ما.!
من هنا نحن أمام مفترق طريقين:
- رؤية ترى الكون ازلي، وانبثقت الحياة فيه صدفة ، والقانون الحتمي يدير الجميع ضمن تصوّر صراع ميكانيكي وحتمي.
وربما هذا كان سببا ليرى بعض علماء الاجتماع ان المجتمع كائن عضوي .الانسان فيه ليس سوى كائن كاي كائن حي آخر : الطيور ،الوحوش ، الحشرات ... فلكل منها ما يميزها -او يتميز به- والانسان ميزته "عقل" مثلما للطير جناحان، او الفيل ضخامة وقوة، او الأسد والنمر ،او الطاووس ... الخ.
فلا داعي لاعتبار الانسان متميزا عن أقرانه من الحيوانات .
- رؤية ترى أن الانسان يخضع لتوصيف " ولقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم" و توصيف " ولقد كرمنا بني آدم"....!
لذا فإن الانسان هو الكائن الأعلى والفاعل والقادر على تفاعل يغيّر و يطوّر ما في الكون، وهو مسؤول عن ذلك .
وبغض النظر عن العقيدة الدينية ،فان الانسان متميز ولا يخضع لميكانية الحتمية والصراع. اللهم الأ أذا أخذنا الامر من زاوية عامة جدا جدا هي اطار عام يتعلق بمسار الاحداث في الكون ، لا تفاصيل تتعلق بالحياة على الارض.
وبالتالي ، فالانسان العاقل الحر ، يتحمل مسؤولية بناء الحياة ، ويفترض به ، الشعور بالمسؤولية تجاه ذلك.!


أين المشكلة؟. (٢)
المعاني ،افكار قائمة في الذهن ، اكتسبها الانسان خلال نموه وتربيته في الاسرة ، والمجتمع ومؤسساته المنظمة والقاصدة، او تلك التي اكتسبها لا شعوريا من المجتمع ، وتشربها ،ومنها العادات والاساليب ...الخ،
بعضهم - ومنهم ارسطو- يعتبر المعرفة والمعاني جميعا موجودة في العقل بالفطرة، وعلى الإنسان الكشف عنها ، وهذا يتطلب الانضباط بالمنطق الصوري ( مقدمتان ورابط بينهما يؤدي الى نتيجة تلزم عن ذلك ) للوصول إليها.
وفي المنطق العلمي (مشاهدة ، فرضية، تجريب) تنجم عنه حقائق مؤكدة تجريبيا.لكنه يتجاهل ما لا يخضع للتجربة العلمية. وهناك قوى في الانسان لا تخضع لها كالروح والنفس وقواها والقيم جميعا ، وان تجاهلها ، تعسف لا مبرر له.
و من المفسرين من فسر الاية "وعلمنا آدم الاسماء كلها..." بشيء من ذلك أو قريب منه...
ما يمكن استخلاصه:
المعاني موجودة - بغض النظر عن طريقة وجودها- ونعبّر عنها في كلمات .
وإن فهم المعاني ( والتعبير عنها في كلمات) يختلف بحسب ظروف نمو الشخص ، ومكتسباته...
لذا ، هناك دوما احتمال الاختلاف في الفهم وفي الاستخدام و في التفاعل عموما، وفي الخلاصات والنتائج...
أين المشكلة؟!
الاجابة في تقديري ، هي في أن الفهم والاستخدام ..،يغلب فيه تصوّر سكوني ( يسميه بعضهم: ثقافة سكونية) .
والمفترض ان يتفاعل البشر جميعا مع المعاني بروح حيوية تراعي الاختلافات ( تنتبه للاحتمالات) لكي يكون الفهم والتفاعل أفضل .!



اين المشكلة؟(٣)
الحس الإنساني، مشترك بين البشر الأسوياء ويولد مع ولادة الانسان( وجود فطري).
قد تختلف نتائج دراسات نسبيا بشأن ذلك.
لكن ما هو غالب في الثقافة البشرية ، أن هناك حس إنساني مشترك.
وتبنى على تصور وتقدير ( وقناعة) ذلك، رؤية عامة إلى ما هو مفترض انسانيا.
هذا في ظروف النمو ، والتحصيل الذي ركيزته معان و قيم تربوية ( أخلاقية) .
فمن الطبيعي- اذن- تعاطف بشر مع بعضهم في المصائب والمحن.!
تحويل الموقف من المصائب و الكوارث ( بيروت نموذجا) إلى مواقف سياسية ، وسجالات لا تخلو من أحكام تعميمية ... مشكلة أخرى من مشكلات ثقافية تعاني من غياب منهاج منتظم في الرؤية والتعامل مع مفاهيم ، وتوظيفها في التعبير عن مواقف.!
الحس الإنساني يختلف عن موقف سياسي مرتبط بظروف صراع.!
من الأمثال الكوردية :
Dilè gawira pè di şewitè
تعبيرا عن الحس الإنساني.
قد يكره امرؤ شخصا مثلا، لكنه في لحظات ألم ينجده ويسعفه. !
فالحب الإنساني لديه لا يتقبل الالم الذي يعاني منه ، لأن له صدى في نفسه.!
ظاهرة الاستناد إلى مواقف فردية في الحكم على جماعة وشعب... تتكاثر ، و تشير إلى نقص في قواعد المنطق أثناء التعبير.!
لا نقصد احوالا يخطئ المرء فيها ( كل ابن آدم خطاء). وانما نقصد أحوالا يكون المرء فيها قاصدا ومصرّا عليها.
فغياب الحس الانساني( الشعور الطيب) يجعل المرء منصفا مع الوحوش. لأن الحس الإنساني لديه يقاوم النزوع إلى الشر لديه.
فإن غاب هذا الحس الإنساني زادت فيه نزعته نحو الشر . الشر له تجليات مختلفة و متدرجة قوة وضعفا.

أين المشكلة؟.
عجبي ممن لا ينتبه- ولا اقول لا يهتم- بمعاناة بني شعبه ، وعشرات و ربما مئات ضحاياه... وتقوم قيامته لفرد في حزبه.!
يلتمس الأعذار لأخطاء في حزب ينتمي إليه، أو سلطات ينتفع منها... و يلتقط انين الشاكين ليدينهم به. !
و الخطورة في زعم امثال هؤلاء أنهم يناضلون من أجل قضية شعب ووطن.؟!
سيكولوجية تتمحور حول مصلحة أنانية ، وثقافة تضحي بالمجموع من أجل اناه.!


أين المشكلة ؟!(٤)
منهج بات شائعا في صياغة عناوين اليوتيوب، في خطاب الفيسبوك ، في الخطاب الاعلامي عموما... في سجالات( لا حوارات) كثيرين ، لاسيما في مواضيع سياسية ( الاكثر خطورة على مصائر شعوب)...الخ.
ما هو هذا المنهج؟!.
١-اتباع أسلوب مبالغة و إثارة ،و تعميم احداث ، وممارسات فردية، على سلوك اجتماعي عام... وهذه جميعا تستند الى احوال نفسية غير متوازنة ، ودور العقل ونضجه فيها ضعيف..!
٢- توصيفات مختلفة ، منها اتهام ، و صفات مسيئة دون أدلة ، وشتائم ... جميعا تتكئ على أحوال نفسية غير متوازنة لا دور للعقل ونضجه فيها ، او على الاقل دوره ضعيف..!
باختصار :
منطلقات ذاتية غلبت في التعبير لدى كثيرين ، فأساءت إلى بيئة تفاعل و حوار هادف لتحقيق نتائج مفيدة تنعكس على الجميع.
و ربما أخطر ، ما تنتجه وتخلفه هذه الممارسة على الابناء والأحفاد و... (وجميعنا لهم ابناء وأحفاد و...او سيكون لنا ابناء وأحفاد و...).
فهل فكّرنا في خطورة موقوتة في أسلوب نتبعه، ونخلّفها لأقرب وأحب الناس إلينا ؟!.
روح المسؤولية ،أحد أهم خصائص تميّز الانسان عن الكائنات الاخرى؟!.


فكيف يمكن فهم دور الذين تنازلوا عن كياناتهم( شخصياتهم) لخدمة مصالح المنتفعين على حساب الشعب.؟!
وأن اتجاه كورد نحو اصطياد أحداث فردية ،غالبا، للبناء عليه في تضخيم الهجوم عليها ، قد ينبئ عن عجز عن تطوير الذات وبناء ثقافة قومية وطنية متوازنة.!


أين المشكلة ؟!(٥)
الأحد ٩ آب ٢٠٢٠
حياة البشر منذ بداية الخلق ( والمعلومات في عمومها ليست دقيقة بالضرورة ، لكن يتداولها الناس كوقائع متفق على صحتها، فيعطيها شيئا من القبول النسبي).فإذا استعرضنا ما فيها ، نفاجأ بكم هائل من الآراء والافكار والمعلومات و الشروحات والتفسيرات و...الخ.
وهي في كثير - وربما اكثرها - لا تلتقي على ما يجعلها قابلة للثقة والاقتناع بها.
مع ذلك ، نستند اليها ، بل ونعتمدها ، كأنها حقائق ، ونبرر بها سلوكياتنا وافكارا نعرضها ... ونستند اليها أيضا ، للحكم على الآخرين ( المختلفون عنا ، خصومنا ، أعداؤنا...) أحكاما ذات طبيعة قاطعة أحيانا..
و مهما ترتب عليها من نتائج - و قد يكون بعضها هالكا .!
هناك إرث بشري غزير جدا ، لكنه متأثر بعوامل مختلفة منها مثلا: دور الذاكرة ، ودور سوّية الناقل (والكاتب) ، ومدى انضباطهما بالمصداقية ، ومدى توفر شروط هذه المصداقية ، و طبيعة النوايا والدوافع والتزام بالقيم والمعايير و...الخ.
و فيما نسمعه او نقرؤه او حتى صور و فيديوهات نشاهدها ...الخ. ما الذي يؤكد مصداقيتها ؟!.
ولعل الأكثر خطورة ما وُصف بأنه فنون( تمثيل خاصة ) وأنا اصفه كالتالي:
" الفن معبر" لتمرير أهواء واشتهاءات ومحاولات افساد ونشر ميوعة ، وتعزيز رغبات نفسية منكرة ومؤثرة سلبا على حياة اجتماعية متوازنة ومستقرة ( يشهد نمط حياة فنانين ونهاياتهم بذلك.!) . طبعا تستثنى أحوال هادفة وهي قليلة ، لان المنتج يشغل رأسماله ، فهو يريد ربحا وثراء ، اذا كان بريئا من غاية مضافة تلامس علاقات وقيما اجتماعية وأخلاقية.!
فاذا كانت جهات تمتلك خبرة تقنية تميّز بين الصواب والباطل أو الصحيح والفاسد والمزوّر...الخ، فهل يملك الأفراد ذلك؟!
وما الذي يؤكد ان ما تنقله تلك الجهات ذلت مصداقية دون تلاعب او تزوير أو تسخير لغايات مختلفة؟!
أمور لا تعني استحالة الحقيقة ، وانما تعني الصعوبات التي تكتنفها .فقضية وجود الحقيقة او عدم وجودها ، قضية ناقشها المختصون منذ قر ن طويلة،
ولا نميل الى فكرة عدم الوصول الى الحقيقة ، فإن ذلك يقود إلى اعتبار الحياة والكون كله مجرد عبث. ولا يستسيغه العقل ولا يتقبله. فضلا عن مخالفة ذلك للدين( والدين عند الله واحد هو الاستسلام لإرادته).
قد يكون المَخرج ، أن تكون المرونة منهجا في التعامل مع الواقع والاختلافات فيه ، فيعرض كل ذي قناعة وايمان ورؤى ...ما لديه ، ويدع الآخرين يتحملون مسؤولية ما يقتنعون به أو يعتقدونه أو يؤمنون به.!
قد تكون هناك قضايا ذات تأثير واضح على توازن الحياة الاجتماعية ، ينبغي ان تخضع لضوابط لا تتركها تأخذ فرصة افضل مما يخالفها ، وهذا ما تسعى جهات معينة اليه. تلك التي غلبت الاهتمام بالاقتصاد على حساب القيمة البشرية ( الانسانية).