نهاية كورونا


1 قراءة دقيقة
26 Oct
26Oct

يجد الإنسان نفسه أحياناً محاطاً بأشياء لا يستطيع أن يعزو وجودها إلّا إلى القدر أو إلى ما فوق الإدراك، فتتفاقم عناصر الخوف والأمل من خلال هذه الأشياء، وتمتدّ نحو المستقبل، ونستعيد الماضي الذي يذهب العقل بنا إلى عالم آخر، إن سمحنا له ربما يقودنا إلى أماكن لا نرغب فيها، وهذا ما يحدث أحياناً كثيرة، لأنّ الرغبة الملحّة تجذب إليك الأشياء "قانون الجذب"، فالعقل يريد إشباع ذاته بالخيالات والواقع، وتبدأ الأفكار تتدفّق، وكلما ازداد الخوف والقلق غرقنا في الأشياء حولنا، وشعرنا بقربها وسكنها فينا. يا لهذا الإزعاج الذي نحاول أن نشغل نفوسنا عنه، كي لا نستسلم، ولكن كثيراً ما نستسلم، فالإنسان حبيس في هذا الجسد، ومحصور في منزل وفي مجتمع وفي وطن، لا يشعر بأيّ انتماء إليه، لا لأنه لا يريد الانتماء بل لأنّ هذا الوطن احتقره أكثر من الجميع. تتفاقم الأنانية بداخله، فالمعاناة ترغمنا على الحلم وعلى تسليم إرادة الحياة للريح العاتية حولنا، فنُحمل إلى حيث شاءت. على الأقلّ هذا ما اختبره العالم خلال العام المنصرم من بداية ظهور كورونا إلى هذه اللحظة، انحنت النفوس ساخطة في هلع وخوف من مجهول معلوم لا نعرف ما هو، ولا نجد تفسيراً لما يدور حولنا، وإن سلمنا جدلاً أنّ صباح السبت أتى ومعه اختفى كورونا فما هي أول ردّة فعل على ذلك؟ الذهول، نعم لمجرّد الفكرة أصابني الذهول إن سألت أيّ شخص فسينظر إليك بطريقة غريبة، ولكن هذه هي الحقيقة، ففي نظرته شيء ما يذكّرك بخفّة السؤال وفراغه من الواقعية، ولكن لنسلم جدلاً أنّ كورونا اختفى، يا لهذا الشعور حتى هذه الكارثة اعتدنا عليها، وأصبحت جزءاً من يومنا، وعلاقتنا بها كعلاقتنا بلا شيء، فالاعتياد على الشيء يولّد شعوراً جوهريّاً في نفسيّة الإنسان. حتى الألم يعتاد عليه، وحين يشفى يحنّ إلى ذلك الألم الذي يشعرنا أنّنا أحياء. أليس الألم نوعاً من المشاعر، وهذه المشاعر مثلها مثل مشاعر الفرح تذكّرنا أنّنا على قيد الحياة، وعندها يصعب علينا فراقه. كلّ صباح نحن من القلق ما يشغل الوعي واللاوعي فينا، فلا نجد نفوسنا إلّا منصاعين نحو التفكير بالفايروس وكلّ ما ترتّب على وجوده في حياتنا، دون جهد حقيقيّ منّا، فقد أصبح من صلب يوميّاتنا. اختفى كورونا، فأرى عقلي فاغراً فاه، وفكري في زوبعة يحاول أن يعيد ترتيب أولويات يومه ، يحاول أن يثبت أنّه كائن. في المقام الأول يبدأ الصراع ليبدو سعيداً لأنّ السعادة في هذه اللحظة بالذات غير مفهومة، وفي الوقت ذاته شيء جميل أن يختفي كورونا، أو من تأثير الصدمة أراني أركض نحو النافذة، لأتأكّد من أنّ التوجّس غادر شوارعنا، والحياة العضوية عادت لطبيعتها، والوجوه لم تعد أنصاف وجوه، اختفت الأقنعة، وعلت الابتسامات الشفاه، أو لربما استسلم لحمام دافئ. أطيل الجلوس في الماء المُعطّر، أمارس الكسل والاسترخاء لوقت طويل دون أن أشعر بالاستعجال أو التأخير أو الوقت، لأنّ حرّية الخروج أصبحت ممكنة، و "الشخص" الذي أتّكل عليه داخلي استلم مهمّة إدارة حياتي، يقودني إلى حياة متحرّرة، تشبع الأنانية التي استشرت فيّ، فالإنسان لا يشعر بالمتعة إلّا اذا صارع من أجل شيء. كم نحن سريعون لقبول التغيير ضمنيّاً ولكن التحول، من العدم إلى الوجود عمليّة قيصريّة، أستحقّ من بعدها أن أكافئ نفسي، إذ تستحقّ بعد طول هذه المعاناة التي فرضت علينا، وهذا الكابوس الذي انزاح أخيراً من على صدرنا، أحتاج إلى تنفّس الهواء النقي، أرتدي ثيابي، وأجلس إلى جهاز الكمبيوتر أبحث لا عن آخر أخبار الموت بل أخرج من هذه المساحة الضيقة إلى المساحة تحت المجهر، أنفض عن كتفي الماء الأسود، وأحجز تذكرة للسفر نحو عينيك. لي أنا الخيال، ولكم أنتم الواقع تقول أناملي وهي تنقر على الكيبورد، وأغرق في ضباب شفيف من السعادة التي تغمرني كالبحر وتسري في الشريان. أستيقظ من رعشة البرد التي تصيبني في يوم خريفي حيث الموت والميلاد والظلام والألوان من سمات هذا الفصل، وكنشوة طفل رأى القمر لأول مرة وأقواس قزح لأول مرة، شيء آخر حدث الآن، هجرة نحو الإحساس! يقول إيمانويل كانط: "بدون إحساس لن نحظى بأيّ شيء" بدون فهم لا يمكن التفكير في أيّ شيء. الخواطر بدون محتوى تكون فارغة. الحدس بدون مفاهيم يكون أعمى. يقول الكتاب المقدّس: "أعمى يقود أعمى يقع كلاهما في الحفرة". الإحساس هو ما يسيطر على الإنسان، ما تشعر به ترى الأمور من خلاله، فالمشاعر هي النظارة التي نرى خلالها الأشياء. ها أنا أجلس أمام الشاشة أمشّط الكلمات بأصابعي، وأقلد الذكريات التي أخفيتها في النهار قلادة الحنين، أبتسم للغد، أرى طريقي بكلّ وضوح، لا أتجنّب المصاعب، ولكن أشمّ الورد، وأسعى إليه برغم أشواكه، لن أرى جمال الفجر دون العبور بالليل البهيم، ولن تشرق شمس إن لم تغرب أولاً. في المآسي والمصائب يصبح الناس أكثر شفافية وغريبي الأطوار، تضعف قدرتنا على الاحتفاظ بالأسرار، وكأنّ هذه المصائب تأتي لتذكّر الإنسان بهشاشته، وضعفه. نهاية كورونا تبقى مسألة لها وجه آخر، وأطروحة متخمة بالنقائض والمفارقات. إلى ذلك الوقت سنبقى مدجّجين بمخاوفنا، نعتصم بحبل الأمل مهما كان واهياً