نهاية الخريف


1 قراءة دقيقة
11 Jan
11Jan


مضى الخريف بثماره التي فقدت رونقها بسبب هذه الكارثة العالمية التي ما زالت تجتاح الأرض، وتفقدنا طعم الأمان. مضى دون أن أستمتع بغيومه وأقماره، خلّف لي وشاح الكآبة وضباب الألم والحزن القاسي.ما بالك بمن يقيد أسيرا تحت شروط كورونا الذي أطاح بجمال الأشياء وترك حبل الغارب للإحباط يطوف حولنا طوال العام؟ لقد انسكبت الخيبة في القلوب، وانطفأت قناديل الفرح، فمن يعيد توهج تلك الشعلة الزرقاء، ويفك تلك الختوم والأسرار العصية عن الوصف؟يمكن لي أن أحرّف بيت أبي تمام، وأقول:خطبُ الخطوبِ تعالى أن يحيطَ بهِ نظمٌ من الشّعرِ أو نثرٌ من الخطبِلا قيمة لجسد الإنسان دون تلك الروح التي كبّلتها السلاسل، وأثقلت الفجيعة تيجان الزهور، فجيعة لا تقوى ريشة مبدع أن تجسدها إلّا في رفش حفّار القبور، وكأنّ الحياة قد استبدلت بجمالها الموت. لقد قصرت زياراتي للغابة التي انتصبت أمامي بأشجارها المتّشحة بالكآبة، أجدها اليوم أقرب إلى روحي من أيام الربيع حيث الفراشات والطيور والحنين ، سكبت صمتها الرهيب في قلبي قطرات كفحيح الموت، وهو يقبض ببراثنه الضبابية على البسيطة فيغمرها بلونه الرمادي، فيسلب من يراعي الحبر، ومن روحي الحبور، فأستكين إلى ضفّة الجبل بمحاذاة حجر ضلّ طريقه نحو الوادي السحيق، يمنعني عن التفكير، وتشلّ خطاي، وكأنّي فزّاعة في حقول العدم. قدر لئيم حول الخبز إلى العلقم، وجعل الشكّ يخيم على النفوس من حولي، وهل غير الشكّ يقود إلى اليقين؟ما الذي جاء بديكارت إلى هنا؟ الطريق من الشكّ لليقين وعر وأليم. ثمّة هدهدٌ يقاسمني التأمّل، حبست أنفاسي كي لا يفزعه تنهّدي، وقبضت على صدري أحجز صدى ضربات قلبي، لكنّه يطير هو الآخر نحو المدى الشاسع حيث الأسرار العلوية، ويتركني حبيسة اللحظة. أصوات الأطفال تقتحم عالم العصافير فتفر بريشها إلى الحرية. أطفال طال حجرهم وحجزهم بين الجدران، فانفجر صخبهم المكبوت، يلاعبون الأخيلة والأطياف، ومتى مسّهم جنون الوحدة وهوسها خرجوا إلى الشرفات، صرخوا بأعلى أصواتهم، فأجفلوا الطير والفراش، وأفزعوا الأرانب البرية. ترحل أفكاري إلى وطني الكفيف الكسيح الجريح، إلى الأطفال الذين ينهش البرد جلدهم الطري، وينامون على معدة فارغة، ولا ينامون. نحن كائنات زمنية، ولدنا في عالم فيه كلّ شيء ولا شيء، نغرق في الملاهي العبثية، ونعيش حياة هامشية، فوحدها الهواجس وأخبار الموت تأتي من بعيد تمنعنا من بهجة الحياة، وتفقدنا القدرة على أن نبتسم، وننخرط في الحياة.الآمال حلم مكسور، نشعر بالوحدة وكأننا منبوذون، لا أحد يشعر بنا، نفسد علينا اللحظة، ونقع أسرى أفكار وهواجس. كيف السبيل إلى التخلّص من هذه المعمعة؟سنة عجفاء مرّت، ونحن نتأرجح بين الأمل واليأس، لا نعرف ماذا يعدّ لنا الغد.فلسفة الغابة تأخذني من سريرة نفسي، كأنّها قصيدة سامية تطوف بي في عالم يتمحور حول الروح والوجود واختيارات واختبارات الإنسان.سير بي ابتسامات الطيور إلى حقول الطمأنينة، ففي الابتسامة سرٌّ حاكته الآلهة من خيوط النور. نعيش في زمن متحجّر محيّر، فلا نستطيع التقدّم نحو الهاوية، ولا البقاء في أماكننا، نواجه القلق في حياتنا، فالحياة سلسلة من الخيارات، وكلّ خيار يمنح أو لا يمنح قيمة لحياتنا، كلّ فعل نقوم به هو نتيجة اختيارنا، الانسان الحرّ وحده من يستطيع الاختيار، أمّا المقموع فيجترّه اليأس، ويلوكه الوقت. أمام الموت تبدو الأشياء بلا معنى، يشقّ الموت مساراً جديداً لنا، فنتوقّف عن الانشغالات اليومية، وتتخذ اهتماماتنا منحى آخر. لا حبّ إلّا في يقينه، ولا صداقة إلّا في طيرانها. الحاضر هو الواقع الوحيد الملموس، وحده ما يهمّ الآن.أفقد الدهشة لولا ذلك الخيط الذي يمتدّ نحو الأبدية، يشدّني إلى النبع الذي لا ينضب.