نقد الرومانسية القومية الكوردية


1 قراءة دقيقة
04 Dec
04Dec

 أما لماذا هي رومانسية قومية؟

 فبصرف النظر عن الدقة الأكاديمية، لأنها قديمة، بل أقدم من التطلعات القومية لسائر شعوب المشرق، فإن توقفنا عند غنائية الشاعر المتصوف أحمد خاني وتركيزه على بلوغ الكورد (هدف الدولة القومية) فإن عمر الحلم يتجاوز الثلاثمائة سنة، كما أن هذا الهدف القومي طغى في المجتمع الكوردي على كل الأهداف الأخرى لدرجة أن باتت هدفا للحياة بحد ذاتها، فاكتسبت بعدا أكثر رومانسية، حتى تقمصت العشيقة والأرض،الجبل والنهر، بل تحولت كوردستان الى مصاف الدين في النشيد القومي (أي رقيب).

هي رومانسية من نمط خاص لأنها ترسخت كحل سحري لسائر معضلات المجتمع الكوردي، مصدرا للسعادة والرفاهية والعزة، بالتالي أنها رومانسية فاضت على جوهرها لأنها حملت ما يمكن أن تتحمله، وما لا يمكن أن تحله من معضلات إنسانية. لاشك نحن كمجتمعات مشرقية نحس بالدونية عندما لا نتساوى مع محيطنا. وكبشر نملك شبكة من الأحاسيس والمشاعر، فمن حقنا أن نحزن بل نذرف الدموع أمام هول ضياع الهدف الأسمى والجامع لاجتماعنا.

نحن الكورد كمجموعة منكوبة من البشر لهم معاناة مركبة اجتماعية وسياسية من حقنا أن نغضب ونلعن التاريخ والجغرافيا والبشرية جمعاء في محطات الاستعصاء ومراحل الاندحار، لكن من منظار علمي وضمن سياق تقييم الأحداث وتناول قضية شعبنا الكوردي ومآلاتها المأساوية لا يجوز ولا جدوى من إعادة استنساخ هذا الحلم الرومانسي كل مئة عام، وكذلك التعامل العاطفي المعاصر مع أحداث جسام مرت بها منطقتنا وانصبت كسيول جارفة على شعبنا في السنوات الخمس الأخيرة (احتلال كوباني، جينوسايد سنجار، مصير كركوك واضطرابات ما بعد الاستفتاء، احتلال منطقة عفرين، المشروع الاستئصالي التركي والغزوة الأخيرة لحكومة أردوغان والفصائل الإرهابية الموالية له لمنطقة رأس العين)، بالتالي لا جدوى من النحيب وتخوين كل العالم والافتراض بأن الكورد ممثلين بحركة سياسية متخشبة وبقيادات سياسية معطوبة وحدهم على حق. يجب التوقف مليا، ينبغي التريث والالتفات إلى الوراء والتفتيش عن أخطائنا، بدءا برومانسية المشروع السياسي نفسه وإنتهاءا بفلسفة حفر الخنادق في زمن الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيرة المحملة بأسلحة فتاكة.

إن إلقاء اللوم دائما على الآخر، الأخر العدو والآخر الصديق والحليف بأنهم سبب كوارثنا وأنهم خانونا في هذا المنعطف أو تلك المعركة هي ظاهرة مرضية، فجل ما نسوقه حزبيا وإعلاميا هي أيضا ظواهر غير صحية، نعم هو مرض نفسي في المقام الأول وسياسي في المرتبة الثانية. أما لماذا هو نفسي؟ فمن المعروف أن أحد أبرز سمات مرض النرجسية والإعجاب بالذات والتمحور حول أمجادها هو أن المريض – النرجسي لا يعترف قط بأخطائه وإنما يحيلها دائما على الآخرين، فبدلا من أن نعترف بأخطائنا، نفترض أن الحلفاء والأصدقاء خانوا العهد.

أما الخطأ السياسي الجسيم الذي وقعنا فيه ومازلنا غارقون في مقاومة دواماته هو أننا تمسكنا بمشروع قومي رومانسي، غنائي شاعري دون تلمس فيزيائي جاد لجوانبه التطبيقية. فقوميتنا الموضوعية وثقافتنا الأصيلة لا تؤهلنا لوحدها لنكون أصحاب مشروع سياسي ناجح، كبير معقد وخطير من الناحية العملية. فاستمداد المشروعية من الخرائط السكانية والديمغرافيا التاريخية غير كافية لنجاح مشروع استقلالي بهذا القوة والطبيعة الثورية والتغييرية الكبرى على ساحة الشرق الأوسط. يجب التخلص من غنائية ورومانسية مشروعنا الكوردستاني بشجاعة فائقة، فكوردستان الكامنة في القصائد والأغاني هي غير التي ينبغي أن تكون داخل البرامج السياسية، ينبغي التعامل مع معطيات العصر المرة والثقيلة، يجب الانتباه إلى ظاهرة ترسخ حدود الدولة الصلبة القائمة والى موازين القوى الراهنة، وصولا إلى تقييم تكنولوجيا السلاح التي ألغت البطولات.

فلكل مشروع سياسي حامله الاجتماعي والاقتصادي المتين القادر على حمله، وبالتالي نقله الى ميدان التطبيق فالنجاح، وإلا أنها ستبقى محض أحلام يقظة واستدراج للأعداء، بل خدمة لهم أحيانا.

كل هذه الإطالة هي محاولة لقراءة المشهد السياسي الكوردي والسوري اثر الهجوم العدواني المتعدد الأوجه الذي تشنه حكومة أردوغان وحلفه الإرهابي الجهادي – العنصري على مناطق شمال سوريا، وللتركيز على بعض المسائل المفتاحية ونقاط الضعف، ومحاولة لتوفير عوامل المقاومة الطويلة الأمد، حيث لا تقدم بدون تقييم موضوعي للأحداث ونقد حاد للذات. باختصار لا يمكن لنا أن نتقدم وننجز أي مشروع سياسي قومي، وطني أو اجتماعي إلا بعد الاشتغال الجاد على النقاط الرئيسة التالية:

1- توفير بيئة النقد الموضوعي الجاد بالجملة والمفرق لمجمل برامجنا، تنظيماتنا ومسيرة نضالنا القومي على الصعيد السوري في المقام الأول.

2- ترتيب الأولويات والتخلص من إرث الرومانسيات القومية والعصبيات الأيديولوجية الثقيل. فمن الضروري على الصعيدين السياسي المرحلي والاستراتيجي إعادة النظر بالمسلمات واليقينيات الكبرى التي كنا نؤمن بها، ينبغي تدقيق الأولويات بشجاعة فائقة، التخلص من عبئ الشعارات الرنانة ونبذ استخدامها للتعبئة الحزبية وصراعاتها العقيمة.


3- النظر إلى مشروع الدولة القومية الكوردستانية بوصفها مشروعا يحقق أهدافا محددة ويوفر بيئة الكرامة والعيش بالشكل المناسب، وليس غاية بذاتها، أو هدفا يتمتع بقداسة ومشروعية تاريخية نهائية. بمعنى التركيز على الغاية من بناء الدولة المستقلة ووظيفتها المفترضة، وإجراء عملية تقاطع هذا الهدف مع آخر معطيات العصر وتعقيدات الاقليم.

4- التعامل مع قضية الشعب الكوردي ومع المسألة السورية الراهنة كونها مشاريع سياسية، تتطلب برامج واقعية تنفيذية وليس التموضع فيها بصفتها قضايا عادلة نبيلة وأخلاقية، فليس في سوق السياسة الإقليمية والدولية الراهنة أي قيمة لما هو عادل (أو إنساني)، فلم تكن السياسة في أي زمن لا أخلاقية ولا إنسانية كما هي في السنوات العشر الأخيرة.


5- التركيز على تطوير دولتي سوريا والعراق بآلية جديدة، والتركيز على حسن إدارة التنوع فيها لتحقيق أهداف التنمية والحريات والديمقراطية وبناء الثقة بين مختلف مكوناتها.

6- التوقف بجدية وحذر شديدين أمام مشروع أردوغان – الذئاب الذي يستهدف هندسة كل سوريا ديمغرافيا وايديولوجيا وبالتالي السطو عليها سياسيا واقتصاديا وجعلها جسر عبور للهيمنة على مجمل العالم العربي وصولا الى ثروات الخليج.


7- إعطاء أهمية كبرى ومرتبة الأولوية القصوى لمواجهة الغزو الاستيطاني لحكومة أردوغان ومن خلفه حلفاءه، الذي يؤسس لمشروع استيطاني سياسي وأيديولوجي سيساهم في تلغيم وتفجير المنطقة والدول العربية كافة، عن طريق تأسيس دويلة جهادية اسلاموية تشكل أداة تركيا السياسية وقاعدة لمحاربة مجمل الدول العربية.

8- لا يمكن مقاومة هكذا مشروع لا يقل خطورة عن وعد بلفور إلا بتضامن عربي - كوردي يستقطب سائر المتضررين من الهجمة العثمانوية - الطورانية الجديدة خاصة من أبناء شعوب المنطقة الأصيلة كالأرمن والسريان واليونان. فكل شعوب المنطقة وخاصة القوى الكوردستانية الفاعلة والحية مدعوة اليوم لإعادة النظر بتحالفاتها، وكذلك مطالبة بمراجعة شاملة ومعمقة لمشاريعها السياسية التي لم تعد تواكب زمن الطغيان التركي الجديد.


9- لذلك ينبغي استجماع كل الطاقات والجهود، بما فيه عدم استعداء حكام إيران، وعدم الانسياق وراء الموقف الأمريكي والإسرائيلي من إيران. العمل على إحياء العمق الاستراتيجي العربي، فلأول مرة تقف الحكومات العربية بشكل رسمي ومعلن الى جانب الشعب الكوردي وترفض إزاحته عن أرضه (بيان جامعة الدول العربية)، فالمواقف العربية هذه تمهد وتسرع لتأسيس جبهة عريضة من كل القوى الصديقة بما فيه (الاتحاد الأوربي)، والذي تجسد في موقف اللجنة المصغرة لدعم الشعب السوري يوم 15/11 ، الذين رفضوا بالإجماع المشروع التوطيني للاحتلال التركي.

لمواجهة تسونامي وفوضى الادارة الأمريكية وتواطئها الصريح مع مشروع تركيا الاستيطاني العدواني على سوريا وكل كوردستان، من الملح أن يتم التأسيس لمشروعنا الديمقراطي البديل. الخطوة الأولى والأهم التي يجب أن نخطوها اليوم قبل الغد، هي بناء جبهة عريضة للقوى الديمقراطية السورية والعراقية، إحياء روح التعاون والتضامن في المجتمعين السوري والعراقي، فتح قنوات الحوار مع حكومتي بغداد ودمشق بشفافية وعلنية وصولا الى سوية تم مستلزمات مواجهة مشروع الهيمنة على العراق، ومساعي إلغاء سوريا وتحويلها الى امارات حرب وولايات جهادية متناحرة.