من يجرؤ على انصاف الكرد


1 قراءة دقيقة
05 Jul
05Jul

لنتجنب الإيغال ما أمكن في / السرد التاريخي وإشكالياته /  " و لتكُن القراءة متعالية عن الخطاب العاطفي ومحاولة محاكمة منطقية للأحداث ، استجلابا للعقل وانتصارا للحق .

ولن نخوض في تفاصيل المظلومية التي نابت الشعب الكُردي في سوريا منذ انتداب فرنسا و وخروجها منها لضغوط داخلية تلاقت و "توافقات دولية" وتتالي الحكومات عليها ، إلى لحظة احتكار "السلطة" بيد "القومية العربية " دون غيرها تحت تأثير "النهوض القومي العربي" وارتداداته بعد اسقاط حكم الملك فاروق سليل أسرة محمد علي (باني نهضة مصر الحديثة ) في انقلاب حركة الضباط الأحرار "محمد نجيب - جمال عبد الناصر وغيرهم..." بعد "نكبة فلسطين" وما تلاها من أحداث وانقلابات وانتكاسات بعد فترة الوحدة مع مصر ومحاولات توسعتها مع دول عربية أخرى تؤمن ب "دولة عربية واحدة" وحدوث "الانفصال" وصعود نخبة قومية عربية للسلطة آمنت بشعار "أمة عربية واحدة والعيش في الدولة العربية الكبرى .. " وهو حق مشروع لهم ضمن آليات شرعية بعيدا عن فوهة البندقية وازيز الرصاص؟

وما طال الكرد شركاء "الوطن الوليد" من ارتدادات هذه السياسة من تعريب لكل ما هو كردي حتى "الأسماء " ولعائلتنا تجربة شخصية في ذلك ، وسياسة التجويع (نفط العرب للعرب والكرد مالهم شي) مثال رائج بعد فترة تأميم القطاع النفطي وتجريد ممن ولدوا في سوريا من الجنسية "السورية" وللمفارقة تجد ضمن العأئلة الواحدة أحد الأخوة مواطنا "عربيا" سوريا والآخر مكتوما لا هوية ولا إثبات لوجوده ؟!!

لأن أجانب الحسكة "الجزيرة" ينقسمون إلى صنفين "أجانب و مكتومين" واستفادت بعض العائلات الأجنبية من "مرسوم التجنيس" في بداية الحراك أم المكتومين فإن تسارع الأحداث بعد أذار 2011 كانت بمثابة وضع العصي في عجلة تسوية أوضاعهم .

و تطبيقا لسياسة الحزام العربي جرى اسكان "العرب الغمر" في مناطق الكرد واستلاب الأرض الزراعية الأخصب من أصحابها "الخط العاشر - تصنيف زراعي" وتوزيعها على المستقدمين العرب ممن غمرت أراضيهم مياه سد الفرات وبحيرة الأسد في الرقة وغيرها عبر آلية قانونية - الاستصلاح الزراعي- ومحاولة تطبيق الحزام العربي وبناء تجمعات وقرى ومزارع عربية وتسمية كل قرية كردية باسم عربي سياسة "تعريبية ممنهجة" فكانت القنيطرة ، والجولان ... التي خسرتها السلطات مكرهة "هناك" فانتصروا لها "هنا " عنوةً لأنهم لم يسمحوا بقيام "إسرائيل ثانية"مهما حدث؟!

وغالبية الكرد لم يكونوا متقنين للعربية آنئذ ولكم أن تتصوروا العقبات اليومية التي كان تجابههم في الدوائر الحكومية الرسمية وهم ينجزون المعاملات اليومية المعتادة ( تسجيل واقعات زواج . ولادة . طلاق... ).

أما الترخيص لأحزاب ومنظمات ومراكز تخص الكرد فيمنع حتى التفكير فيها ولو حلما لأن مجرد الحلم فيه تعتبر إدانة ؟

وكانت لتوسط كلمة العربية بين /الجمهورية "العربية" السورية / بداية لمرحلة في إظهار المخفي فيما يتعلق بأزمة الإنتماء والهوية في سوريا ، وغيرها من صعوبات العيش في أدق تفاصيلها كمنع تسجيل أسماء الولادات واشتراط الحصول على الموافقات الأمنية إن كانت الأسماء كُردية ..

وما كان يمارس أثناء فترة التحقيق من ضغوطات نفسية وابتزاز مالي ، وبأن "كردستان" هي "إسرائيل ثانية - جيب عميل" ولا يمكن البتة السماح أو القبول بتأسيسها أو إعلانها ؟!!

مع العلم أن الحركة السياسية الكردية في سوريا عموما لم تعلن صراحة في أدبياتها وخطاباتها عن هذا التوجه "المحق بقناعتي" ضمن آلية مشروعة يتفق عليها

فلا يُعقل أن يلعنوا أتفاقية سايكس - بيكو في العلن ، ويرسخونها في عقول مريديهم في الوجدان الجمعي المريض .

لكن الأمر لا يتعدى سوى الحكم على أحلام الناس لا أفعالهم ، ولنا أن نقيس الأشياء الأخرى من خلال هذه الجزئية البسيطة ؟!!

وبعد صراع "الإخوان والسلطة" وأحداث "حلب وحماة وسجن تدمر" السيئ السيط والمادة الدستورية "49" التي تحكم على كل من يثبت انتماءه وتورطه مع (العصابة العميلة) بالإعدام شنقا استكانت الحياة الساسية واستسلمت في "سوريا الأسد" وتم ترويض الحراك السياسي والثقافي ضمنا ولو إلى حين ..


في هذه الفترة لم تشذ الحركة السياسية الكردية عن الظرف العام كون المظلومية مزدوجة ( العام - سوري ) و ( الخاص - كُردي ) والمعاناة باتت ثقافة يومية وربما لحظية للمواطن السوري عموما وللكردي على وجه الخصوص؟

فقد باتت تهمة "الأخونة" أداة قمع كل من لا يركب في فلك السلطة؟!

استبشرت الناس خيرا بعد ومضة "ربيع دمشق" ، وتعالت الآمال والتوقعات ببداية حدوث التغيير المنشود الذي طال انتظاره...

لكن جرت رياح الأحداث بما لا تشتهيه سفن الطروحات والطموحات لصراع بنيوي كامن في بنية النظام السياسي والسلطة بين الحرس القديم والجديد وأظهرت الأحداث أن النفوذ لم يزل تحت سطوة وسيطرة الحرس القديم و"الدولة العميقة"؟

وتحت تأثر أحداث تونس ومصر دعا ناشطون وعبر شبكات التواصل الاجتماع إلى يوم الغضب السوري بتاريخ ٥ شباط ٢٠١١.

وتراكمت التفاصيل من جديد تداخلت فيها أبعاد طائفية ومذهبية وعرقية وتلقفتها ب "خبث" دول وقوى إقليمية ودولية أدت إلى أحداث 15 آذار 2011 في استنساخ نموذج مستحدث للمسألة الشرقية في النصف الأول من القرن التاسع عشر ، فما أن تعالت أصوات منادية بالتغيير والعيش الكريم حتى تم استلاب الحلم المشروع وسرقت الثورة  وحُشرت في الزاوية المذهبية / والعرقية أو هكذا يُراد لها...

وبالتزامن مع دعوة يوم الغضب السوري صدر بيان (للأمانة العامة للمجلس السياسي الكردي ) أكدت فيه آن ثورة الشعب التونسي وانتفاضة شعب مصر سوف تؤثران تأثيرا كبيرا على الانظمة الشمولية العربية عموما ولن تشذ سوريا عنها ، ودعت الأمانة العامة إلى أن يأخذ النظام السياسي في سوريا بالأعتبار تطورات الساحة العربية والغليان الشعبي ، فيبادر إلى مراجعة النفس والبدء باصلاحات وإطلاق الحريات العامة والمعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي والضمير،  وأن يضع حدا للفساد الذي ينخر في الجسد السوري و أن يعالج أزمة البطالة التي وصلت لمستويات مخيفة ،وأن يبادر إلى معالجة الوضع الاقتصادي المتأزم  لتحسين الأحوال المعيشة للشعب

وحمل بيان الأمانة العامة "مطالب كردية" قبل بداية الأحداث في سوريا أثناء انتصار "ثورة تونس" و "اندلاع الثورة في مصر" عندما دان السياسة القمعية للنظام تجاه الكرد وطالب بالاعتراف بالحقوق القومية - الديمقراطية المشروعة للشعب الكردي في سوريا وإلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأى والضمير " والملاحظ أن النخبة السياسية الكردية كانت في خطاباتها في تلك اللحظات الحساسة ولم تزل عقلانية لأسباب تتعلق بوعيها  بظروفها وإمكاناتها ونظرتها للمحيط داخليا وإقليميا ودوليا ...

وكما غيرهم انخرط الكرد في الحراك أسوة بباقي السوريين - وإن كان الحذر سيد الموقف - لأن جراح أحداث "إنتفاضة قامشلو" في 12 آذار 2004 لم تندمل بعد...

والغالبية الساحقة ممن تمردوا على السلطة وركبوا قطار الثورة اتهموا الحراك الشعبي الكردي العفوي آنذاك  بأبشع الصفات والنعوت المخزية ، ليس أقلها أن هناك " أيادٍ خارجية خفية تحركهم " مشجب السلطة في كل مكان تعاني فيها السلطة من أزمة" مشروعية الحكم"؟!!

/ ولو حكم المنطق والعقل التفسير والتحليل آنئذ لاعتُبرت بأنها هي - إنتفاضة قامشلو - كانت  بداية "ربيع الشعوب" في المنطقة وبداية الثورة  وليست حادثة البوعزيزي في تونس/ ولاعتبارات عنصرية لم يمتد الحراك الشعبي إلى الجغرافية العربية في سوريا ،

حدث شرخ في بنية المجتمع في سوريا ، أو لنقُل سقطت هيبة السلطة وتراخت قبضتها فطفت التناقضات على السطح ، من بينها الساح الثقافية  والفكرية ، خاصة فيما يتعلق بحقوق الكرد كمجموعة عرقية تختلف بخصوصيتها عن باقي المكونات ، فقد حدث انقلاب في "مفهوم الحقوق" وهي لا تتجزأ ولا يحكمها منطق الجغرافيا أو التاريخ إنما الإنسانية والمنطق هما المتحكمان فيها ...

فبعد المكاسب التي حصّلها الكرد في العراق ، زادت الضغوط في سوريا على الكرد لازالت جراحاتها تنزف ولم تندمل بعد من آثارها.



إنتفاضة قامشلو وسقوط "التمثال الرمز " وظهور رأس النظام في خطاب متلفز موجّه للكرد وبأنهم مكون أساس من نسيج المكونات في سوريا كانت بمثابة رسالة تهدئة من قمة الهرم...

لكن حدثت عمليات اغتيال كثيرة للعناصر الكردية في الحياة العسكرية وهم يؤدون خدمة العلم ؟؟

وفصل الطلبة من الجامعات وفصل الكثير من المعلمين والمدرسين والموظفين لاعتبارات ظاهرية غير مقنعة بعد أن خب الحراك ولو إلى حين؟!

لكن البديل المفترض للنظام "المعارضة " إلى الآن لم تسبق بمواقفها موقف النظام ولم تجرؤ على توضيح موقفها علانية من الكرد شركاء الوطن ومارست أفعالا سبقت ممارسات النظام بأشواط فلم يفلح النظام في تطبيق الحزام العربي إلا نسبيا وها هي المعارضة والتواطؤ مع تركيا تقتل وتنهب وتخطف وتمارس التطهير العرقي على طريقة "التزمت الديني المقيت بعقلية المسلمين والكفار ،  ولازالت عقلية الإقصاء والنظرة الدونية لهم ، تبدو بارزة في خطاب نخبهم العسكرية و السياسية والثقافية مستغلين تناقضات الحركة السياسية والثقافية الكردية ... 

من قبيل "القرباط " "الضيوف الخونة" "الكرد الملاحدة" متناسين وعن قصد أن (من كفّر مؤمنا فقد كفر )...

والمفارقة هنا أن الغالبية المحسوبة على التوجه العلماني ومدنية الدولة وقعوا في شراك "الخطاب الطائفي المقيت " الذي لم يتركوا مناسبة ولم يدّخروا جهدا إلا ودعوا لمحاربته؟!

فمن "كنا" نعتبرهم قامات ثقافية وفكرية اسقطت عنها الأحداث ما بعد آذار 2011 القناع وتعرّوا أمام ذاتهم قبل أن تعريهم مواقفهم الوليدة...

هيثم المالح "حقوقي" وبرهان غليون "مفكر" وعبد الرزاق عيد "مفكر" وأخيرا البرقاوي الذي كادت السقطة أن توقعه وهو الأقرب للكرد من بين المذكورين سابقا لاعتبارات كثيرة ليست أولها أنه فلسطيني صاحب قضية تتقاطع مع القضية الكردية ولن تكون أخرها أنه فيلسوف مفكّر كان ولم يزل رافدا لا ينضب للكثيرين من الكرد بما لديه من رؤى وأفكار لأن الفلسفة والفيلسوف تشتغل ب "فكر بلا حدود" وقضايا الحق والحقوق والإنسانية مبادئ لا يمكن المساومة عليها ...

لم تنصف السلطات السياسية تتاليا الكرد السوريين ، وبعد الأحداث سقط القناع عن كثيرين ممن كنا نعتبرهم مناصرين لقضايا الانسان أينما كان والحق والمنطق قبل أن يناصروا مطالب الكرد في سوريا...

مخاوف "عربية " من طموح كردي واستماتة كردية في الدفاع عن حقوقهم المسلوبة منهم عنوة وبتوافقات دولية فما هي فرص اللقاء بين التوجهين والعالم يعيش عصر تجديد للمفاهيم بعينٍ تقيمية ناقدة

- ألا زال منطق "الأكثرية" و "الأقلية" بوصلة الحكم والتحكم والتسلط على رقاب الناس

- ألا زال مفهوم الأقلية والأثرية مسوغا لتهضم "الأكثرية" أساسيات حقوق "الأقلية" ؟

- هل الأقلية هي المطالبة برسائل تطمين للأكثرية أم العكس 

-فمن سيجرؤ على مناصرة الكرد وقضيتهم؟

-وهل وصل الكرد إلى تلك الدرجة لينصفوا قضيتهم ليوحدوا خطابا توافقيا ليضعوا الملف على طاولة الحوار مع شركاء الوطن؟

هل سيتجاوز العقل السلطوي كل المظلمة التاريخية ويتصالح مع ذاته ومع الكرد وقضيتهم في وضح النهار لأن الزمن بات زمن خفافيش الليل...

وهل سيعي بأن زواجا فاشلا قد تم وينبغي البحث عن توافقات وترتيبات لتستمر الشراكة وإلا فلا مناص من طلاقٍ شرط ان يكون ناجحا...