مثقلين بالوجع


1 قراءة دقيقة
28 Nov
28Nov


 نستيقظ كلّ صباح، لا نرى من خلف زجاج النوافذ المطلّة على البعيد إلّا ضباباً كثيفاً من الوجع والحزن والتشاؤم يمنع الرؤيا، ويمنع عنا القابلية للنهوض من الفراش والبدء بيوم جديد. هكذا هي حالنا منذ أكثر من عشرة شهور نخوض حروباً نفسيّة في كلّ صباح ما بين اليأس والأمل، نحاول جاهدين أن نجمع قوانا، نفتح العين، ونرى أبعد ممّا يُرى. لا أغنيات عصافير صباحية، ولا كلمات تبعد عنّا شبح الهزيمة والحروب. إن فتحنا المواقع الاجتماعية تطالعنا صور من مات من كورونا، وأخبار شرقنا الذي يتخبّط بالموت والدمار والفساد، وصور الأطفال الذين يتضوّرون جوعاً، ومن جعل منهم سلعة، وتاجر بأرواحهم وأجسادهم الغضة. لقد باتت مواقع التواصل الاجتماعي أشبه بورقة نعوة مثقلة بالموت والسوداوية، لا بصيص من نور، ولا حبّ يفتح شهيّة القلب لينهض من سباته، ويُقدم على تجاوز المحنة التي وضع فيها مرغماً، نسير في صفحات التواصل الاجتماعي التي باتت مؤخّراً النافذة الوحيدة التي نطلّ بها على العالم الخارجي، والتي نعيش بين سطورها، وصفحاتها، فهي المتنفّس الوحيد للتعبير عن النفس، وما يخالج القلب من مشاعر. كلّ يوم أكثر اضطراباً من قبله. لقد وهبتنا السماء قلباً نشعر ونحسّ به، وفكراً حرّاً، وأتت يد الإنسان لتقضي على هذه وتلك، وبات من المتعذّر علينا الرؤيا الواضحة. لقد قال محمود درويش: "على هذه الأرضِ ما يستحقّ الحياة"، ما هو هذا الشيء الذي يجعل الحياة مستحقّة؟ هل هو الأمّهات أم الوطن أم الحياة بحدّ ذاتها؟ كلّ منّا له رؤيته الخاصّة، ويستمدّ رؤاه من عقله، ولكن حين يغمر السواد كلّ شيء يغرق روح الإنسان، وتهجره البسمة والأغنية، ففي غياب الحبّ هناك الكراهية، كما في غياب النور هناك ظلمة، وحين نفتقر إلى التصالح مع الذات لا نستطيع التصالح مع الآخر، وحين يفقد الإنسان سلامه الداخلي، تعيث به الفوضى، ويصبح كأنّه على فوّهة بركان من الفوضى. الأمل من أين يأتي؟ هل يأتي من السراب أم لا بدّ أن يكون هناك مصدر له؟ أين مصدر أمل كلّ واحد منّا، والألم جرح نازف في حياة كلّ منا، إمّا على وطن خسره، أو على شخص عزيز فقده، أو رغيف خبز يركض وراءه وأحلامه التي تبخّرت في خضم معركة البقاء حيث باتت الأحلام عسيرة وخاوية من الأمل. هدف كلّ إنسان هو أن يكون موجوداً، وكيف له أن يكون موجوداً وما يثبت وجوده. إنّنا نعيش في سجن كبير، نسير فيه نحو حتفنا، ورائحة الكآبة تملأ الرئة، وتحجب رؤية ذلك النور الذي فينا. المعرفة والثقافة عوامل تساعدنا على أن ننتصر على ظلمة الجهل. هل نحبّ الحياة عندما يصل الحبّ كما قال درويش؟ وهل ننتظر الغد كي نحبّ الحياة؟ ماذا لو بدأنا اليوم بنشر حبّ الحياة؟ ماذا لو سمحنا لنفوسنا، ولهذه الأرض أن تستريح من كآبتنا ومن الحروب والصراعات الدامية؟ "أن تضيء شمعة خير من أن تلعن الظلام". لا بدّ لكلّ منّا شمعته الخاصّة، يستطيع أن ينيرها في سبيل نفسه والآخر، وإن اختلف البشر فيما بينهم فالرغبة في الحياة تجمعهم، والإصرار على البقاء هو القاسم المشترك للمضي فيها قدما. في آخر الدهليز هناك قبس من نور، وفي أعماقنا بذرة وضعها الله فينا، وهذه البذرة لا تنمو، ولا ترى الحياة إن لم نعتن بها بالتنقيب وتغذيتها بالإيجابية، وإن أهملناها تموت فينا، ويموت فينا الإنسان. ما بين سكرة الوجع وصحوة الضمير، هناك لحظة حياة على الإنسان أن يقنصها، فلنفس الإنسان حقّ عليه، أن يرفدها بالفرح والأمل والحبّ، هذه الثلاثة أعظمها الحبّ، فبالحبّ نحن نوجد ونحيا ونتحرّك، وبالحبّ عُرفنا من الله وعرفنا الله، والحبّ صفة الله المطلقة "الله محبّة". إنّها دعوة لنرفع أشرعة المحبّة، ومشعل النور المطلق، نشعل به مواقع التواصل الاجتماعي، نربّي الأمل المفقود من العيون القارئة، نرتق جرحاً، ونجبر كسراً.متى أستيقظ على صوت الحياة بدلاً من صوت الموت؟